الرئيسية / أفكار / العقوبات على سوريه وغيرها من البلدان غير عادلة ومحكوم عليه بالفشل

العقوبات على سوريه وغيرها من البلدان غير عادلة ومحكوم عليه بالفشل

بقلم/ تيسير خالد

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية
عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

كان ” المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن”، الذي يرأسه السيد معن بشور، قد قرر الدعوة إلى ( ملتقى عربي دولي “افتراضي” عبر وسائل التواصل الاجتماعي لرفع الحصار عن سورية وكل الشعوب التي تتعرض لعقوبات أمريكية ودولية) في موعد 24 نيسان/ابريل 2020 ، يتضمن مداخلات تضامنية ترسل عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى إدارة المركز في بيروت، وذلك بعد التشاور مع المؤتمرات العربية الثلاث (المؤتمر القومي العربي، المؤتمر القومي الاسلامي، المؤتمر العام للأحزاب العربية ) وعدد من رؤساء وأمناء الاتحادات والمنظمات العربية التي شاركت في لقاء بيروت لرفع الحصار عن سوريا في حزيران من العام الماضي. وقد وجد المركز الفرصة سانحة عشية حلول شهر رمضان المبارك، وفي ظل ما يشهده العالم من انتشار جائحة كورونا لتنظيم هذا الملتقى الافتراضي، وقد تلقيت دعوة للمشاركة ورحبت بها وارسلت للمؤتمر المساهمة التالية، التي تولى المركز نشرها وتوزيعها في المؤتمر :

الحصار والعقوبات الاقتصادية التجارية والمالية التي تفرضها الولايات المتحدة وتتشارك معها في ذلك بعض الدول العربية على الجمهورية العربية السورية هي في أحد اوجهها حرب تشنها هذه الدول دون سند قانوني، وهي من نوع الحروب الخشنة التي أخذت الولايات المتحدة الاميركية تستخدمها ضد دول لا تتفق معها في سياساتها واستراتجيتها العامة والعدوانية بطبيعتها. هي سياسة ليست بالجديدة فقد اعتمدتها الولايات المتحدة بأشكال متعددة في الماضي كما كان الحال مع علاقة هذه الدولة مع الاتحاد السوفياتي السابق ومع نظام جمال عبد الناصر في مصر وحجب المساعدات عنه في سعية لتطوير البلاد من خلال بناء السد العالي ومشاريع انتاجية أخرى وكما كان الحال كذلك مع كوبا الاشتراكية وكوريا الديمقراطية. استخدمت الولايات المتحدة الاميركية هذه السياسة في زمن الحرب الباردة على نطاق محدود، لاعتبارات كانت تتعلق بميزان القوى الدولي في حينه، ولكنها استخدمتها بدءا بالاتحاد السوفياتي مرورا بإفريقيا وانتهاء بكوبا وكوريا الديمقراطية، غير ان تلك السياسة جاءت بنتائج عكسية دفعت بواشنطن وحلفاءها الى التساؤل عن جدواها، خاصة وأن أدوات الحصار والعقوبات في حينه كانت على الاغلب أحادية الطرف، على عكس ما نشهده منذ نهاية الحرب الباردة بشكل عام ومطلع القرن الواحد والعشرين بشكل خاص.

هذا لا يعني ان سلاح الحصار والمقاطعة الاقتصادية كان حكرا على الولايات المتحدة لفرض أجندتها السياسية على الدول والمجتمع الدولي بطريقة منفردة وأحادية الجانب، بل إن هذا السلاح استخدم ولكن بطريقة عادلة في موقف المجتمع الدولي من سياسة التمييز والفصل العنصري في حالتي روديسيا بدءا من العام 1966 وجنوب افريقيا بدءا من العام 1977 وكان سلاحا فعالا في اسقاط نظام الفصل العنصري في هذين البدين . تلك كانت حربا عادلة استخدم فيها القانون الدولي واستخدمت فيها إرادة المجتمع الدولي من أجل تحقيق العدالة.

غير ذلك وفي زمن الهيمنة الامبريالية المتوحشة للولايات المتحدة الاميركية اصبح التجاوز على القانون الدولي وإرادة المجتمع الدولي هو الاساس في سياسة العقوبات ، وقد ترتب عليها في حالات معينة نتائج كارثية فعلا قدمت الامبريالية الاميركية على حقيقتها كقوة رأسمالية متوحشة. فقد تسببت هذه السياسة في كوارث إنسانية كما حصل في العراق بعد 1990، حيث قضى ملايين الأطفال والنساء والشيوخ بسبب الحصار نتيجة انعدام الأدوية، وعدم توفر المياه الصالحة للشرب وارتفاع اسعار السلع وندرتها أحيانا في سياق تطبيق ما تم التعارف عليه من سياسة ” النفط مقابل الغذاء ” وهي سياسة لم تنجح في تخفيف المعاناة بل زادتها وكشفت النقاب عن حجم فساد غير مسبوق بغطاء اميركي بريطاني كان يهدف تدمير وتفتيت العراق.

في العراق نجحت الامبريالية الاميركية في اسقاط النظام والسطو على خيرات هذا البلد، على نقيض المثال السوري، فالحصار الاقتصادي المفروض بمشاركة عربية على هذا البلد العربي الشقيق منذ نهاية 2011 لم تنجح في الوصول الى أهدافها كما كان الحال عليه في العراق رغم الحرب الدولية التي فرضت على سورية بمشاركة غربية واسعة. صحيح أن هذه الحرب العدوانية وما يصاحبها من حصار وعقوبات اقتصادية تجارية ومالية قد شردت ملايين المواطنين السوريين في بلدهم وخارجه ووضعت اكثر من عشرة ملايين مواطن سوري في حالة عسر شديد ويعانون أشد المعاناة بسبب نقص الغذاء والدواء والفقر والبطالة وتدهور مستويات المعيشة، غير أن ذلك لم يحقق الهدف كما كان الحال مع العراق الشقيق.

وعلى كل حال فقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك إن سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية ليست الوسيلة الناجعة بيد الامبريالية الاميركية للسيطرة على مصائر الشعوب والدول، بل هي يمكن أن ترتد على أصحابها . فقد خسرت أوروبا بمجاراتها الولايات المتحدة حوالي 60 مليار دولار خلال عامي 2014 و 2015 جراء مشاركتها في العقوبات على روسيا الاتحادية بسبب الازمة مع اوكرانيا ، كما كانت خسائر العديد من الشركات الأمريكية اكثر من ذلك بكثير بسبب سياسات العقوبات الاقتصادية المفروضة اميركيا على عدد من البلدان بما فيها الجمهورية الاسلامية في ايران وجمهورية فنزويلا البوليفارية.

سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية تمارسها أيضا دولة الاحتلال الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهي تمارسها بنفس ادوات السياسة الاميركية المتوحشة في ظل سياسة ازدواجية المعايير التي تسير عليها الدول الغربية بشكل خاص. وبالنسبة للجمهورية العربية السورية وغيرها من البلدان التي تقع سيادتها ويقع استقلالها في دائرة الاستهداف على ايدي الامبريالية الاميركية يمكن القول، بأن هذه السياسة مصيرها الفشل . الولايات المتحدة الاميركية ليست كلية القدرة وقد أظهرت جائحة كورونا كما أظهرت أزمة أغراق الاسواق العالمية بالنفط نقاط ضعف هائلة في بنية الاقتصاد الاميركي. الدين الحكومي العام في الولايات المتحدة ارتفع من نحو 19.5 تريليون نهاية العام 2016 ليبلغ نحو 21.04 مطلع العام 2018 وهو مرشح في ضوء التطورات الجارية للمزيد.

ذلك لا يعني ان الولايات المتحدة على وشك ان تفقد دورها الدولي التخريبي في مدى قريب، فما زالت التداولات المالية والتجارية الدولية تجري بمعدل يصل الى 65 يالمئة بالعملة الاميركية، غير أن المنحنى التنازلي في الهيمنة على القرار الدولي أصبح واضحا وهو ما يبشر بمستقبل أفضل لجميع الشعوب التي تعاني من سياسة الولايات المتحدة بما فيها الشعب العربي السوري، الذي يستحق منا جميعا كل الدعم والتأييد والتمكين للصمود في وجه سياسة الحصار والعقوبات المفروضة عليه.