الرئيسية / أفكار / الإطار القانوني المنظم لمكافأة نهاية الخدمة والفصل التعسفي في فلسطين بقلم الحقوقي أ. معاذ اللحام

الإطار القانوني المنظم لمكافأة نهاية الخدمة والفصل التعسفي في فلسطين بقلم الحقوقي أ. معاذ اللحام

تعتبر مكافأة نهاية الخدمة أحد أهم الحقوق العمالية التي كفلها المشرع في قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة (2000)م كونها تمس شريحة كبيرة من شرائح المجتمع الفلسطيني وكونها تشكل أحد أهم الآثار الهامة المترتبة على إنتهاء / إنهاء العلاقة التعاقدية ما بين العامل ورب العمل.

وبنظرة سريعة فإنه يلاحظ قول البعض انه ومن السهولة بمكان معرفة جميع الأحكام الناظمة لهذا الموضوع! ولكن الأمر ليس بهذه السهولة، حيث أنه ومن خلال خبرتنا القانونية والعملية في هذا المجال لاحظنا أن الأمر ليس بهذه السهولة حيث أثيرت وتثار العديد من الأسئلة الهامة وخصوصاً حين الخوض بتفاصيل وجزئيات الإطار والأحكام القانونية الناظمة لمكافاة نهاية الخدمة.

وفي هذه الدراسة القانونية فإننا سنتطرق الى الحديث حول مجموعة من التساؤلات التي أثيرت حول هذا الموضوع حيث سنستعين بخبرتنا القانونية والعملية العميقة وسنحاول أن نتجنب تقليدية الكتابة ونخوض أكثر في تفاصيل الموضوع في محاولة لإحاطته من كل جانب وإزالة الغموض الذي أظهر العديد من الإجتهادات ذات الصلة و العلاقة. وبالتالي وضع حلول قانونية لبعض المسائل المختلف عليها والتي خضعت لإجتهاد كبير.

وعليه فما مفهوم مكافاة نهاية الخدمة؟ وما هي احكامها واطارها القانوني الناظم لها؟ ومن هي الفئة أو الشريحة التي تستحقها وكيفية استحقاقها؟ وما هو الدخل الذي يكون الإحتساب مبنياً عليه (الراتب الأساسي أم الأجر)؟ وما مصير توقيع العامل على مخالصات تتعلق بمكافأة نهاية الخدمة وهو على رأس عمله؟ وغيرها الكثير من التساؤلات التي ستثار اثناء كتابة هذه المقالة كل في وقته وموقعه.

أ: مفهوم مكافاة نهاية الخدمة وإطارها القانوني:بداية وقبل الخوض في مفهوم المكافاة لا بد لنا أن نشير بدايةً إلى أن قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة (2000)م هو القانون الناظم أساساً لأحكام المكافأة خاصةً ما شملته المواد 42 و 45 (والمادة 47 والخاصة بالفصل التعسفي) والمادة 48.

أما مفهوم مكافأة نهاية الخدمة فانه وبالنظر الى قانون العمل الفلسطيني المذكور نلاحظ أن المشرع الفلسطيني لم يقم بوضع تعريف خاص بها ، ويمكننا تعريفها على أنها المقابل النقدي الذي يدفعه صاحب العمل الى العامل بموجب مواد واحكام قانون العمل الساري ولوائحه التنفيذية مقابل فترة عمله وحتى نهايتها أو إنتهائها.

وفي هذا الصدد فإن محكمة النقض الفلسطينية (وهي محكمة قانون) أشارت الى أنها “تلك المبالغ التي يدفعها رب العمل للعامل في نهاية خدمته ليستعين بها على العيش بكرامة بعد أنْ قضى شبابه في مزاولة عمله”.

نصت المادة 45 من قانون العمل المذكور على أنه “للعامل الذي أمضى سنة من العمل الحق في مكافأة نهاية خدمة مقدارها أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل على أساس آخر أجر تقاضاه دون احتساب ساعات العمل الإضافية، وتحتسب لهذا الغرض كسور السنة”.
وبالتدقيق في هذه المادة فإننا نلاحظ وجوباً توفر المحددات والعناصر التالية:

1- علاقة عمل ولا بد لنا في هذا البند النظر الى الشرائح التي تم استثناؤها من قانون العمل بموجب المادة (3) منه، كما لا بد لنا من النظر الى تعريف عقد العمل الفردي الوارد في المادة (24) والذي حدد عناصر عقد العمل “العمل، الأجر، الإشراف والتبعية” وهنا تكمن اهمية تحديد علاقة العمل التي تنطبق عليها قواعد قانون العمل ، وأن أي علاقة أخرى لا تتوفر فيها العناصر أعلاه أو أحدها فإنها تخرج من نطاق تطبيق أحكام هذا القانون “قانون العمل” وعلى سبيل المثال (عقد الشراكة، عقد المقاولة… الخ).

2- تعتبر المادة 45 هي القاعدة الأساسية والعامة في احتساب بدل مكافأة نهاية الخدمة وأن الإستثناء الوحيد الوارد عليها هو ما نصت عليه المادة 42/2 والتي سنقوم بالتطرق اليها لاحقاً.

3- السنة وكسورها: وهنا فقد ثار العديد من التساؤلات حول استحقاق العمال لمكافاة نهاية الخدمة قبل بلوغهم السنة فمن الاشخاص من أشار بوجوب بلوغ العامل سنة في خدمته لدى المنشأة حتى يستحق المكافاة، ومنهم من نفى ذلك حيث انه وبوجهة نظر هذا الفريق فان العامل يستحقها ولو لم يمضي سنة في خدمته.

وما بين هذا الفريق وذاك فإنه وبرأينا فإن العامل يستحق بدل مكافئة نهاية الخدمة ولو لم يستكمل السنة من خدمته لدى المنشأة وأن هذا الرأي يتفق وفلسفة المشرع الواردة في المادة 45 المذكورة، ويمكننا تبرير ذلك على النحو الآتي:

أولاً: إن عدالة ومنطقية النص تقتضي تطبيقه بعيد عن أي تأويل يمكن أن يساهم في زعزعة واستقرار العلاقات التعاقدية وان عدم تطبيقه في هذا الاتجاه يساهم في تعسف بعض اصحاب العمل في فكرة التعاقد والامان الوظيفي النسبي بحيث يتم فصل العمال مرارا وتكرارا قبل بلوغهم السنة وبالتالي حرمانهم من اهم حق وأثر لانتهاء العلاقة التعاقدية الا وهو مكافاة نهاية الخدمة .

ثانياً: ان ما ورد بنص المادة 45 لا يتعدى تثبيت قاعدة وعملية حسابية لمعرفة مقدار المكافأة لا أكثر.

ثالثاً: نص المادة (27) من قانون العمل وبموجبه فإن العاملين بعقود عمل محددة المدة سواءً كان عقد عمل عرضي أو عقد عمل موسمي يستحقون مكافاة نهاية الخدمة بالإضافة الى جميع الحقوق الأخرى التي يستحقها العاملون بعقود عمل غير محددة المدة في ظروف مماثلة. وهذه المادة تؤكد لنا ايضا ان العلاقات التعاقدية اقل من سنة يستحق بموجبها العاملون مكافأة نهاية خدمة بنسبة الأشهر التي عملو فيها حيث يمكن ان يكون عقد العمل العرضي او الموسمي ثلاث او اربعة اشهر فقط وبالتالي تنسحب كسور السنة الى ما قبلها أيضاً.

رابعاً: قطع قرار محكمة النقض الفلسطينية (وهي محكمة قانون) رقم 623/2011 الشك باليقين حيث جاء في متن النص “وبالنسبة للسبب الثاني المتعلق ببدل مكافأة نهاية الخدمة، ولما كانت المادة 45 من قانون العمل رقم (7) لسنة (2000)م تنص على انه (للعامل الذي أمضى سنة من العمل الحق في مكافأة نهاية خدمة مقدارها أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل …

وتحتسب لهذا الغرض كسور السنة). ويستفاد من هذا النص ان المشرع لم يشترط ان يمضي العامل سنة كاملة في العمل حتى يستحق مكافأة نهاية خدمة ، بل بين ان العامل يستحق عن كل سنة عمل كاملة اجرة شهر، فإذا كانت مدة العمل أقل من سنة فإنه يستحق نسبة من اجرة الشهر تعادل المدة التي قضاها في العمل الى السنة ، وتكون محكمة الاستئناف قد طبقت نص المادة 45 من قانون العمل تطبيقاً سليما …الخ”.

4- الراتب الذي يتم الاحتساب بناءً عليه: ونلاحظ هنا وبصورة جلية أن المشرع الفلسطيني بموجب المادة 45 قد أورد مصطلح الأجر لإحتساب قيمة وبدل مكافأة نهاية الخدمة، وبالرجوع الى المادة الأولى من قانون العمل نلاحظ ان المشرع قد اورد مفهومين للراتب وهما (الراتب الأساسي والأجر) وكون المادة 45 المذكورة قد تطرقت الى مصطلح الاجر فقد عرفه القانون ضمن المادة الاولى على انه “ويعنى به الأجر الكامل وهو الأجر الأساسي مضافاً اليه العلاوات والبدلات”. وعليه فإن احتساب مكافأة نهاية الخدمة يكون على أساس آخر أجر تقاضاه العامل وهو الأجر الكامل مضافاً اليه البدلات والعلاوات.

ب: الإستقالة وأثرها على مكافأة نهاية الخدمة:

نصت المادة 42/2 على أنه “استثناء مما ورد في البند (1) أعلاه يحق للعامل إذا استقال من عمله خلال السنوات الخمس الأولى ثلث مكافئة نهاية الخدمة، وثلثي مكافئة نهاية الخدمة إذا كانت الاستقالة خلال السنوات الخمس التالية، ويستحق المكافئة كاملة إذا أمضى عشر سنوات أو أكثر في العمل.”

سبق وأشرنا ان المادة 45 تعتبر القاعدة الأساس في احتساب مكافأة نهاية الخدمة وإن الإستثناء الوحيد عليها هو ما جاء بالبند الثاني من المادة 42 أعلاه ضمن الفئات والفترات الزمنية المنصوص عليها، ولوضوح النص فإنه لا داعي لنا للإسهاب في شرحه، ويؤكد ذلك ما جاء بقرار المحكمة الدستورية رقم 7 لعام 2018 بخصوص كيفية احتساب بدل مكافأة نهاية الخدمة لأغراض الإنضمام الى الضمان الإجتماعي بحيث اعتمدت المادة (45) كقاعدة اساس لإعطاء مكافأة نهاية الخدمة وبناءً عليه اقرت شهر عن كل سنة للعمال المنضمين الى الضمان الإجتماعي.

وهنا تجدر الإشارة الى أن المادة 42/1 قد حددت مجموعة من الحالات التي يجوز للعامل ترك العمل بناءً عليها بعد اشعار صاحب العمل حيث جاء فيها (1 -يجوز للعامل ترك العمل بعد إشعار صاحب العمل مع احتفاظه بحقوقه القانونية بما فيها مكافأة نهاية الخدمة وما يترتب له من حقوق ، وذلك في أي من الحالات الآتية: أ. تشغيله في عمل يختلف في نوعه أو درجته اختلافا بينا عن العمل الذي اتفق عليه بمقتضى عقد العمل، إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك ولمدة مؤقتة منعا لوقوع حادث أو في حالة القوة القاهرة. ب. تشغيله بصورة تدعو إلى تغيير مكان إقامته. ج. الثبوت بتقرير طبي صادر عن اللجنة الطبية إن استمراره في عمله يشكل خطرا على حياته. د. اعتداء صاحب العمل أو من يمثله على العامل أثناء العمل أو بسببه بالضرب أو التحقير).

والميزة هنا أن العامل في حال تحققت هذه البنود أو أحدها يتحصل على بدل مكافأة نهاية خدمة كاملة أي شهر على كل سنة قضاها في العمل على اساس المادة (45) سالفة الذكر.

ويلاحظ على هذه المادة انها اوجبت على العامل إعطاء شهر بدل اشعارلصاحب العمل، في حين ان المادة 40 أعطت لصاحب العمل صلاحية فصل العامل ودون إشعار بالرغم من تطابق عدد من البنود التي تشكل انتهاكات في كلتا المادتين! ونحن نرى أن العدالة والمنطق يقتضي توحيد الإجراءات وخصوصاً الإجراء الخاص بالإشعار في كلتا المادتين.

ج- الفصل التعسفي:

بالرغم من ان المشرع الفلسطيني قد تناول احكام الفصل التعسفي وخصوصاً ضمن المواد (أنظر 46، 47، 48) إلا أنه لم يضع تعريفاً صريحا وواضحا له في حين اكتفى بالقول ضمن المادة 46/3 انه “يعتبر تعسفياً انهاء عقد العمل دون وجود اسباب موجبة لذلك”، في حين نصت المادة (39) على 3 حالات غير مبررة لإنهاء العقد وردت على سبيل الحصر حيث جاء فيها “لا يمكن اعتبار الحالات التالية بوجه الخصوص من الأسباب الحقيقية التي تبرر إنهاء العمل من قبل صاحب العمل:- 1 .الانخراط النقابي أو المشاركة في أنشطة نقابية خارج أوقات العمل، أو أثناء العمل إذا كان ذلك بموافقة صاحب العمل. 2 إقدام العامل على طلب ممارسة نيابة تمثيلية عن العمال، أو كونه يمارس هذه النيابة حاليا أو مارسها في الماضي 3. إقدام العامل على رفع قضية أو مشاركته في إجراءات ضد صاحب العمل بإدعاء خرق القانون، وكذلك تقديمه لشكوى أمام الهيئات الإدارية المختصة.” ، وعليه فإن اي فصل ثبت انه ارتبط بأي بند من البنود المذكورة يعتبر فصلاً تعسفياً بوضوح الإشارة والنص.

من جانبها فقد تطرقت محكمة النقض الفلسطينية في اكثر من قرار الى الفصل التعسفي، ومن القرارات من عالجهتا المحكمة يقع ضمن نظرية التعسف في استخدام الحق الواردة في المادة 66/2 من القانون المدني الأردني والمادة 91 من مجلة الأحكام العدلية (انظر نقض مدني 182/2004)، من جانب آخر فقد اعتمدت بعض قرارات محكمة النقض على حصر الفصل التعسفي بالحالات التي تخرج من تطبيق احكام المادة 40 و 41 من قانون العمل على سبيل الحصر (انظر نقض فلسطيني رقم 94/2009).

وبراينا فإنه وبالنظر الى مواد قانون العمل الفلسطيني نجد ان هنالك عدد من المواد التي نصت على انهاء أو انتهاء العلاقة التعاقدية (او على الاقل اشارت بصورة غير مباشرة لها) ومنها المادة 35 و 36 و37و 38 و 39 و 40 و 41، 42 وافترض المشرع الفلسطيني ان يكون هنالك توافق قانوني ما بين انهاء او انتهاء العلاقة التعاقدية وما بين نصوص قانون العمل ذات العلاقة وعليه فانه يمكننا القول ان اي انهاء للعلاقة التعاقدية بشكل لا يتفق واحكام تلك المواد يمكن ان يكون تعسفا في استخدام الحق من قبل صاحب العمل وبالتالي اعتبار الفصل فصلاً تعسفياً.

وفي هذا الصدد بقي أن نشير الى ان المشرع الفلسطيني قد وضع مجموعة من الإشتراطات والمعايير لإنهاء خدمات العمال وخصوصاً ضمن المواد (40 ، 41) بحيث نصت المادة 40 المذكورة على 9 بنود يجوز لصاحب العمل فصل العامل فيها في حال ارتكب اي من المخالفات التسعة التي جاءت فيها ضمن اجراءات مسبقة منها الاانذار أو ابلاغ الجهات المختصة بالحادث خلال 48 ساعة ..الخ، وفي المقابل اشترطت المادة (41) والخاصة بانهاء عقد العمل لأسباب فنية أو خسارة إشعار الوزارة بذلك (وهي وزارة العمل). وهنا لا بد من الإشارة الى وجوبية تحقق تلك الاشتراطات وإن عدم التزام صاحب العمل بتطبيقها يرتب بطلان الإجراء الذي يمكن أن يكلف صاحب العمل بدل فصلاً تعسفياً.

وبالمتابعة فقد ثارت مجموعة من التساؤلات حول تطبيق تطبيق المواد 40 و 41 المذكورتين، فهل يستحق العامل المفصول ضمن المادة 40 مكافأة نهاية الخدمة خاصةً ان المشرع لم ينص على استحقاقها في متن هذه المادة؟ وهل يوجد دور لوزارة العمل وبالتحديد الإدارة العامة للتفتيش وحماية العمل عن طريق دوائرها واقسامها المنتشرة في جميع محافظات الوطن بالرقابة على تطبيق تلك المواد (40،41)؟.

بنظرة سريعة الى المادة (40) نجد ان المشرع بدأ فيها بالقول ” لصاحب العمل إنهاء عقد العمل من طرف واحد دون إشعار مع حقه في مطالبة العامل بكافة الحقوق الأخرى عند ارتكابه أيا من المخالفات التالية:…”، ونلاحظ جلياً أن إرادة المشرع اتجهت الى حرمان العامل بدل الإشعار واعطت الحق لصاحب العمل المتضرر في مطالبة العامل بكافة الحقوق الأخرى (وعلى سبيل المثال العطل والضرر) دون حرمانه من مكافأة نهاية الخدمة، وبرأينا لو أراد المشرع ذلك لنص صراحة على حرمان العامل منها لكنه اكتفى فقط بحرمان العامل بدل الإشعار واعطت الحق لصاحب العمل المتضرر في مطالبة العامل بكافة الحقوق الأخرى (وذلك على سبيل الحصر) وبرأينا فإن تطبيق هذا التوجه من شأنه تحقيق حماية وعدالة أكثر للعامل وخصوصا ان هنالك بنود “مرنة” وردت في المادة 40 يمكن ان يتوسع فيها بعض اصحاب العمل ويسهبوا في تحليلها وتطبيقها مما يجرد النص من المبررات التي وضع من أجلها وعلى سبيل المثال البند (9) من المادة 40 والذي جاء فيه ” اعتدائه بالضرب أو التحقير على صاحب العمل أو على من يمثله أو على رئيسه المباشر ” فمفهوم التحقير مرن ويمكن التوسع به بشكل كبير يمكن أن يؤدي الى استغلال هذا النص بطريقة غير سليمة وغير عادلة من بعض أصحاب العمل وبالتالي زعزعة العلاقات التعاقدية. وبدورها فقد اكدت محكمة النقض الفلسطينية في اكثر من قضية هذا التوجه واشارت الى عدم حرمان العامل المفصول بموجب المادة 40 من مكافأة نهاية الخدمة في العديد من قراراتها.

أما عن دور دوائر التفتيش وحماية العمل فانه وبالرغم من قول البعض انه لا يوجد اي صلاحية للتفتيش للرقابة على تطبيق هذه المواد، إلا أننا نرى انه جانب هذا الرأي خطأ كبير حيث انه وبالرجوع الى احكام المواد (110 وحتى 115) والخاصة بصلاحيات واختصاصات التفتيش نلاحظ ان المشرع قد أكد وبوضوح تام على صلاحية التفتيش خاصة في متابعة تطبيق تشريعات العمل خاصة ما يتعلق بشروط وظروف العمل بكافة الوسائل المشروعة بما في ذلك استقبال الشكاوى والبلاغا (المادة 10/1) وجاءت هذه المادة شاملة ووافية لجميع مواد قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة (2000)م ولم تخصص او تستثني مادة معينة منه، وبراينا فان هذا يعطي التفتيش صلاحيات واسعة في متابعة تطبيق احكام القانون ومنها المواد 40 و 41 واعداد تقرير بذلك بحيث يتم استخدامه داخلياً ومع الجهات الرسمية الأخرى ذات العلاقة وفي ذلك إرساءً وتطبيقاً للعدالة مفهوماً وممارسة، اضف الى ذلك اعتماد عدد من القرارات القضائية على شهادة او تحقيق / تقارير دوائر التفتيش في مدى صحة تطبيق احكام هذه المواد.

ومن جانب آخر فقد ثارت مجموعة تساؤلات حول هذا الموضوع اهمها التفسيرات التي تشعبت ما بين المشتغلين بالقانون حول عدد الاشهر التي يستحقها العامل عن فصله تعسفيا فمنهم من قال ان ارادة المشرع اتجهت لاعطاء العامل اربعة شهور فقط عن فصله تعسفيا ومنها من قال ان ارادة المشرع اتجهت لاعطاء العامل شهرين عن كل سنة قضاها بالعمل بشرط الا يزيد مقدار التعويض الخاص بالفصل التعسفي عن مدة سنتين (ما يعادل 24 شهر)، ومن جانبنا فإننا نرجح الإتجاه الذي يذهب الى اعطاء العامل شهرين عن كل سنة قضاها بالعمل بشرط الا يزيد مقدا-ر التعويض الخاص بالفصل التعسفي عن عن مدة سنتين (ما يعادل 24 شهر) وبراينا هذا هو الفهم الواضح والصريح لنص المادة 47 من قانون العمل وان اي تفسير آخر يخرج عن ذلك انما هو راي يخالف ارادة المشرع الصريحة والجليه في هذا الموضوع، وهذا ما اكدته محكمة النقض الفلسطينية ومنها ما جاء بقرارها بتاريخ 1-7-2010 بالطعون رقم 656/2018 و 808/2018 حيث جاء فيه ” اما اقوال الطاعنة بأن المحكمة خالفت ارادة المشرع وغايته بخصوص تفسير حكم المادة (47) من القانون سالف الذكر وكان عليها ان تحكم (المطعون ضدها) بما يساوي اجر اربعة اشهر عن مدة عملها لديها، وفي هذا نقول أن اختصاص المحكمة تطبيق النص بغض النظر عن كماله او نقصه لا سيما عندما يكون واضحا وصريحا وليس لها الانقاص منه او الزيادة عليه بصرف النظر عن اتفاقها مع مضمون ما جاء فيه او لمخالفتها لمغالاة حكمه او لغير ذلك والا قفزت عن اختصاصاتها باعتبارها الجهة التي تطبق القانون وليست الشارعة له والا كان قضاءها قد وقع خلافاً للقانون وحيث ان المحكمة تطبق النص سالف الاشارة بما ينسجم مه وضوح عبارته وصراحة دلالته فإن حكمها يكون والحالة هذه جاء تطبيقاً سليماً للقانون مما يكون ما وجه اليه من هذه الناحية وحرياً بالرد”.

وهنا نضيف ان العامل المحكوم له بفصل تعسفي يستحق بالإضافة الى ما ذكر في هذا الموضوع اعلاه كامل حقوقه القانونية الأخرى ومنها بدل مكافأة نهاية الخدمة، وهذا ما أكدته المادة (47) حين بدأت بالقول ” مع احتفاظه بكافة حقوقه القانونية الأخرى ، يستحق العامل …الخ”. وهذا ما أكدته القرارات القضائية وخصوصاً الصادرة عن محكمة النقض ايضاً في هذا الشأن.

واخيرا بقي أن نقول أن المادة (48) أوضحت الطريقة الحسابية لمكافأة وتعويض العاملين بالقطعة أو العمولة، حيث نصت على أنه ” تحتسب مكافئة نهاية الخدمة وتعويض الفصل التعسفي للعامل بالقطعة أو بالعمولة على أساس متوسط أجره الشهري في مدة السنة الأخيرة”.

د- هل يستحق العامل بعقد عمل محدد المدة مكافأة نهاية خدمة:

عالج قانون العمل الفلسطيني عقود العمل محدة المدة من خلال المادة (25) حيث نصت على أنه “لا يجوز أن تزيد المدة القصوى لعقد العمل محدد المدة لدى نفس صاحب العمل بما في ذلك حالات التجديد عن سنتين متتاليتين”. ويستفاد من هذا النص توافر عدة عناصر تم توضيحها من خلاله فالنص اجاز بوضوح تام امكانية اجراء علاقات تعاقدية عمالية لفترة محددة، وعلى صعيد آخر لم تحدد المادة فترة زمنية للعقد الواحد، واخيراً اشترطت الا تزيد مدد التجديد عن سنتين متتاليتين.

وعودة على سؤالنا المطروح حول استحقاق العامل بعقود عمل محدد المدة لمكافأة نهاية الخدمة نقول ان المشرع الفلسطيني قد أجاب بصورة واضحة وجلية لا تدعو الى الشك على هذا الأمر حيث نصت المادة (27) من قانون العمل على أنه:
“يتمتع العاملون بعقود عمل محددة المدة بمن فيهم العاملون بموجب عقد عمل عرضي أو عقد عمل
موسمي بنفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات التي يخضع لها العاملون بعقود عمل غير محددة المدة
في ظروف مماثلة مع مراعاة الأحكام الخاصة بالعمل لمدة محددة أو عرضية أو موسمية”

وعليه فان العاملين بعقود عمل محددة المدة سواءً كان عقد عمل عرضي أو عقد عمل موسمي يستحقون مكافاة نهاية الخدمة بالإضافة الى جميع الحقوق الأخرى التي يستحقها العاملون بعقود عمل غير محددة المدة في ظروف مماثلة.

ويدفعنا هذا لتوضيح تساؤل آخر حول استمرار عقد العمل ما بعد السنتين ؟ وهنا نقول ان استمراد العلاقات التعاقدية في عقود العمل محددة المدة ما بين العمال واصحاب العمل الى ما بعد انتهاء مدة السنتين المنصوص عليها في المادة (25) يوجب قانوناً تحول العقد من عقد محدد المدة الى عقد غير محدد المدة بحكم وقوة القانون وذلك ان المادة المذكورة بدأت ب “لا يجوز…” وبالتالي هي قاعدة آمرة لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على مخالفتها وأن أي إنهاء أو إنتهاء للعقد يخضع هنا (استمرار التعاقد لأكثر من سنتين) الى الحالات الخاصة بعقود عمل غير محددة المدة والتي سبق وتم شرحها في بداية هذه الدراسة (انظر في ذلك الى قرار محكمة النقض الفلسطينية رقم 94/2010 بتاريخ 14/7/2010).
هـ- استمرار نفاذ العقد بعد تغير صاحب العمل:
نص قانون العمل الفلسطيني رقم رقم (7) لسنة (2000)م الى بقاء عقد العمل نافذاً حتى لو تغير صاحب العمل ضمن حالات نقل ملكية المشروع أو بيعه أو اندماجه أو انتقاله بطريق الإرث حيث نصت المادة (37) منه على أنه ” يبقى عقد العمل نافذا حتى لو تغير صاحب العمل بسبب نقل ملكية المشروع أو بيعه أو اندماجه أو انتقاله بطريق الإرث، ويظل صاحب العمل الأصلي والجديد مسئولين بالتضامن مدة ستة أشهر عن تنفيذ الالتزامات الناجمة عن العقد ومستحقة الأداء قبل تاريخ التغيير، وبعد انقضاء الستة أشهر يتحمل صاحب العمل الجديد المسؤولية وحده”.
نلاحظ ان هذه المادة يتوفر فيها مجموعة من العناصر والمحددات، حيث نصت على حالات تغير صاحب العمل على سبيل الحصر، إضافة الى انها أبقت صاحب العمل القديم والجديد مسؤولين بالتضامن مدة ستة اشهر عن تنفيذ الالتزامات الناجمة عن العقد ومستحقة الاداء قبل التغيير، اضافة الى تحميل صاحب العمل الجديد وحده لجميع هذه الالتزامات بعد انقضاء الستة اشهر.
و- قانونية توقيع العمال على مخالصات مكافأة نهاية الخدمة وهم على رأس عملهم:

يذهب بعض أصحاب العمل إلى القيام بتوقيع عمالهم على مخالصات سنوية تتضمن حصول العامل على بدل مكافأة نهاية الخدمة، ويعوز البعض اتخاذ مثل هذا الإجراء للتخفيف عن كاهل اصحاب العمل بقيمة الأتعاب الإجمالية، كما يعوز البعض الآخر ذلك إلى قيام بعض أصحاب العمل بالتحايل لعدم إعطاء العمال تلك الحقوق مستغلين وجودهم على راس عملهم داخل المنشأة.
وبالنظر إلى قانون العمل الفلسطيني وخصوصاً المادة (45) منه فإننا نلاحظ وبشكل واضح وجلي أن المشرع اشترط انتهاء العلاقة التعاقدية ما بين العامل وصاحب العمل حتى ينشأ الحق ببدل مكافأة نهاية الخدمة والحصول عليه، وبذلك فإنه لا يجوز قانوناً إعطاء العامل بدل مكافأة نهاية الخدمة وهو على رأس عمله، وبرأينا فإن في تطبيق ذلك ميزة وحماية لطرفي الإنتاج على حد سواء حيث:

* يشكل حماية للعامل من اي تحايل خلال الحياة الوظيفية يمكن ان يقوم به صاحب العمل.
* يشكل حماية لصاحب العمل حيث أن إعطاء صاحب العمل للعامل بدل مكافأة نهاية الخدمة شهر/السنة بشكل سنوي يشكل إجحاف بحقه شخصياً!! وعلى سبيل المثال يمكن ان يقوم صاحب عمل بإعطاء العامل بدل المكافأة شهر/السنة لمدة 4 سنوات ومن ثم يستقيل العامل، هنا يكون صاحب العمل قد أعطى ذلك العامل أكثر من حقه حيث يستحق في هذه الحالة ثلث مكافأة نهاية الخدمة وليست كاملة بموجب المادة 42/2 سالفة الذكر.
* يشكل ايضا حماية للعامل حيث أن العامل عند نهاية خدمته يستحق أجر شهر عن كل سنة قضاها في العمل على أساس آخر أجر تقاضاه، وهنا يمكن أن يبدأ العامل براتب بسيط لكنه يتضاعف مرات ومرات بعد مرور خمس سنوات على سبيل المثال وبالتالي يكون صاحب العمل قد أجحف في حقه بإعطاءه بدل المكافأة في السنوات السابقة على أجره القديم.

وعودة على سؤالنا في حال تم توقيع العامل على مخالصة تتضمن مكافأة نهاية الخدمة وهو على رأس عمله فما هو مصيرها؟ هنا يمكننا القول أن صاحب العمل يكون قد خالف القانون وأن المبالغ التي قام بدفعها تكون أقرب للعلاقة المدنية (دائن – مدين) ولا دخل لها بقانون العمل، وأما في حال صورية المخالصة بمعنى توقيع العامل دون دفع اي مبالغ فإن وبموجب القضاء الفلسطيني يمكن إبطالها وبالتالي لا ترتب أي أثر سواء ما ورد فيها بمكافأة نهاية الخدمة أم الحقوق العمالية الأخرى. ونضيف أخيراً أن القانون المدني -مصادر الإلتزام- أشار إلى مبطلات التصرف (عيوب الإرادة) ألا وهي الغبن /التغرير/الغش/ التدليس / والإكراه، ونضيف هنا ان الإكراه يمكن أن يكون مادي ويمكن أن يكون معنوي. وبشكل عام فإن أي تصرف أو توقيع من قبل العامل على مخالصات يشوبه أي عيب من عيوب الإرادة يجعل التصرف باطلاً ولا يرتب أي أثر.

ونضيف أخيراً أن المادة (6) من قانون العمل الفلسطيني نصت على عدم جوازية تنازل العامل عن حقوقة الوردة في القانون حيث جاء فيها ” تمثل الأحكام الواردة في هذا القانون الحد الأدنى لحقوق العمال التي لا يجوز التنازل عنها، وحيثما وجد تنظيم خاص لعلاقات العمل تنطبق على العمال أحكام هذا القانون أو أحكام التنظيم الخاص أيهما أفضل للعامل”. وفي هذا حماية أكثر للعامل حتى من نفسه.

نأمل أن نكون قد أحطنا بكافة الجوانب القانونية والقضائية المتعلقة بهذه الدراسة، كما نأمل أن تحقق الفائدة المرجوة لجميع المشتغلين بالقانون تطبيقاً لنصوصه وتحقياً للعدالة، وبما ينعكس إيجاباً على دور وزارة العمل الفلسطينية ورسالتها في حفظ الحقوق القانونية لأصحابها وبما يسهم في التقليل من الإشكاليات والنزاعات العمالية التي يمكن أن تبرز خلال وبعد حياة العامل الوظيفية عن طريق رفع الكفاءة والمعرفة المتعلقة بقانون العمل من اطراف الإنتاج الثلاث.
– تتحدث الدراسة وتعبر عن الرأي القانوني للكاتب فقط .
– جميع الحقوق محفوظة .