حملة ع كيفك
الرئيسية / أفكار / وثيقة الجماجم… التستر والخداع وإخفاء الجرائم في السياسة الإسرائيلية بقلم: عيسى قراقع

وثيقة الجماجم… التستر والخداع وإخفاء الجرائم في السياسة الإسرائيلية بقلم: عيسى قراقع

 بعد 37 عاماً من ارتكاب عملية اعدام متعمدة وعن سبق إصرار بحق اسيرين فلسطينيين من سكان قطاع غزة عام 1984 على يد جهاز الأمن الإسرائيلي وبأوامر من الحكومة الإسرائيلية، أعيد نشر وقائع هذه الجريمة التي هزت العالم من خلال الكشف عن وثيقة سميت وثيقة الجماجم، وهي وثيقة فضحت سياسة الاعدامات الميدانية والقتل والتعذيب والتستر الرسمي عن الكثير من الجرائم الخطيرة.

بتاريخ 12 نيسان 1984 استطاعت مجموعة فدائية من اختطاف باص إسرائيلي يحمل رقم 300 مسافراً من تل أبيب الى عسقلان، وأعلن الفدائيون ان هدفهم اطلاق سراح اسرى من داخل السجون الإسرائيلية، وعند وصول الحافلة الى دير البلح هوجم بوابل من اطلاق الرصاص والقنابل تحت اشراف وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك موشي ارنس و رئيس هيئة الأركان موشي ليفي وخلال حكومة شمعون بيرس، وبعد 10 ساعات من الهجوم على الباص استشهد اثنين من المجموعة الفدائية هما: جمال قبلان 18 سنة، ومحمد أبو بركة 18 سنة، بينما القي القبض على كل من مجدي أبو جامع وصبحي أبو جامع.

الصحافة الإسرائيلية في ذلك الوقت كشفت ان الاسيرين الذين ألقى القبض عليهما احياءً اقتيدا الى مزرعة قريبة من المكان وتم تعذيبهما بطريقة تقشعر لها الابدان، حطمت جماجمهما بآلات حادة على يد رجال المخابرات الإسرائيلية وبتوجيهات من رئيس الشاباك آبراهام شالوم مما أدى الى استشهادهما.

وثيقة الجماجم التي سميت بهذا الاسم بسبب القيام بتكسير جماجم الاسرى وتعرضهم لضرب همجي انتقامي، فضحت الأكاذيب الكثيرة لمحاولات تزوير الحقائق والوقائع حول مقتل اسيرين بدم بارد وبتعليمات من جهات عليا امنية وسياسية في حكومة إسرائيل.

وثيقة الجماجم التي اعدها رجال المخابرات في ذلك الوقت استخدمت كوسيلة للضغط والابتزاز على الحكومة الإسرائيلية من اجل تبرئتهم من الجريمة والإفلات من لجان التحقيق التي شكلت حينها تحت ضغط الرأي العام، وقد نجحت هذه الوثيقة بإجبار الحكومة الإسرائيلية ورئيس دولة إسرائيل الخضوع للتهديد وإصدار أوامر بالعفو عن رجال المخابرات الذين حطموا جماجم الاسيرين وقتلوهما بطريقة وحشية.

وثيقة الجماجم لها أهمية تاريخية وسياسية وقانونية كونها تكشف للمرة الأولى عن محتوى تفاصيل كثيرة لعشرات جرائم الاغتيال التي نفذتها حكومة إسرائيل بحق الفلسطينيين والعرب، علاوة على فتح جرائم التعذيب والتنكيل واختفاء مطاردين وعن اعدامات تعسفية جرت لمجرد الاشتباه وبدون أي سبب، واعتبرت وثيقة الجماجم شهادة إسرائيلية متفجرة ارتعبت منها الحكومات الإسرائيلية والتي أمرت بقبرها ودفنها خوفا من الملاحقة والمسائلة والفضائح الأخلاقية والإنسانية، وان نشر هذه الوثيقة سيلحق بإسرائيل كارثة مرعبة، لهذا جرت صفقة البراءة للمجرمين وحمايتهم والتستر عليهم مقابل عدم نشر الوثيقة.

عندما تقرأ وثيقة الجماجم تدرك تماما كيف قتل آلاف المدنيين الفلسطينيين وفجرت بيوتهم، وكيف أعدم مناضلين بعد القاء القبض عليهم، وترى فيها رائحة التعذيب العنيف في اقبية التحقيق وتعرض الاسرى لأشكال خطيرة ومميتة من الضرب والاعتداءات والاهانات والمعاملة القاسية، خاصة ان الوثيقة تضم أسماء فلسطينيين اعتقلوا واختفوا او قتلوا في نطاق خطط سرية تبناها جهاز الشاباك الإسرائيلي، وتضم مناطق تم تفخيخها قتل بسببها مواطنون فلسطينيون.

تقول الوثيقة أن بحوزتها قائمة بأسماء الضحايا وتفاصيل العمليات السرية وان المخابرات الإسرائيلية حصلت على موافقة الحكومة باستخدام وسائل وحشية لمواجهة الفلسطينيين وتنفيذ عمليات اغتيال وتصفيات في فلسطين وخارجها تحت ذريعة الامن، ودون اية رقابة وكل ذلك بمصادقة الحكومات الإسرائيلية.

الوثيقة تؤكد كيف تتصرف دولة الاحتلال كدولة فوق القانون تمارس الإرهاب الرسمي بحق الفلسطينيين، وتضرب بعرض الحائط كل المواثيق الإنسانية والدولية، دولة فوق القانون تعتبر قتل الفلسطينيين مسألة عادية وروتينية ومتحصنة بالحماية الرسمية والتشجيع من قبل الحكومة الإسرائيلية وبقدرتها على التضليل واختلاق روايات كاذبة.

وثيقة الجماجم هي المنهجية الإسرائيلية المستمرة في التعامل مع الفلسطينيين، هي روح بربرية إسرائيلية ترى كل فلسطيني هدفا للقتل ويجب تحطيم جمجمته وحياته، هي سياسة إخفاء الحقائق والدلائل وطمسها والتحايل على القانون، انها سياسة التزوير التي تقودها حكومة إسرائيل كدولة عصابة ومافيا وبدون أي رادع.

وثيقة الجماجم أكدت ان رجال الأمن الإسرائيليين محررون من الأعراف والقوانين والأخلاق عندما يلقى القبض على أي اسير او عندما يعطون التصاريح باستخدام التعذيب الذي يؤدي الى القتل، هم المحكمة والجلاد في آن معاً.

وثيقة الجماجم هي الطبقة السميكة السرية في جهاز المخابرات الذي يتحكم بسياسة الحكومة وبالقضاء: الأحكام الرادعة في المحاكم العسكرية، الاعتقالات الإدارية التعسفية، الاعدامات خارج نطاق القضاء، التنكيل بجثث الشهداء الفلسطينيين واحتجازها وغيرها من الممارسات التي تجعل من رجال المخابرات هم الادعاء والمحامي والقاضي ومنفذ الحكم في الوقت نفسه.

وثيقة الجماجم تظهر أسباب اغلاق آلاف الملفات والشكاوى المقدمة من مؤسسات حقوق الانسان حول جرائم وانتهاكات ارتكبت بحق فلسطينيين، فأغلبية هذه الشكاوى لا يتم النظر فيها، وإذا ما عوقب أي إسرائيلي فهي ليست أكثر من عقوبات شكلية تأديبية، ويبقى المجرمون طلقاء وكثيرا ما يحصلون على الأوسمة والنياشين ويتم الاحتفاء بهم كأبطال قوميين.

وثيقة الجماجم هي الوجه البشع المتعفن لدولة بلا قانون وبلا اخلاق، هي هذا القناص الذي يقتل الأطفال، وهي ذلك الطيار الذي يلقي أطنان القنابل فوق رؤوس السكان، وهي مجموعات الإرهاب اليهودي التي تعتدي على الفلسطينيين واملاكهم واماكنهم المقدسة، القتل والخطف والحرق والتي تلقى التأييد والدعم من المستويات الرسمية والأمنية.

وثيقة الجماجم هي لجان التحقيق الصورية التي تتشكل أحيانا حول أي جريمة تفضحها وسائل الاعلام، لجان تخدع القانون الدولي والعدالة الإنسانية، تطمس الحقائق وتحول الضحايا الى مجرمين وتنقذ المتورطين في الجريمة.

وثيقة الجماجم تقول: ان القتل أصبح مباحاً والتعذيب والمعاملة المهينة وقتل الاسرى أصبح مباحا دون ان يترتب على ذلك مسائلة او معاقبة أي أحد، وان بالإمكان تزوير شهادات الشهود او اجبارهم على الادلاء بشاهدات زور وبهتان وخداع المحققين والقضاة.

وثيقة الجماجم هي مدونة السلوك والنظام القانوني السائد في دولة إسرائيل والتي يقودها وحوش مفترسة تبطش وتستبيح حياة وارواح الفلسطينيين، تنطلق من غاباتها الكثيفة لتحطم جماجم الناس وتستمتع بالقتل وتلذذ بسحق أجساد المعتقلين، تمارس طقوس الموت بمباركة الحاخامين المتطرفين، وحوش نسمع اصواتها في الشوارع وفي البيوت وفي الحقول وعلى الحواجز وفي السجون وفي أحلام الأطفال الصغار، كوابيس تكشف القناع عن دولة تدعي ان سلاحها طاهر وانها الأكثر ديمقراطية في الشرق الأوسط، دولة مشبعة بالكراهية ورائحة الدم، بالعنصرية المقيتة، تنشر الموت هنا وفي كل بقاع الأرض.

شركة كهرباء القدس