الشريط الاخباري

انتخابات بلدية بيت لحم 2026: ازدحام القوائم وتفكك المعنى بقلم سامي مرة

نشر بتاريخ: 18-04-2026 | أفكار
News Main Image

قد نبدو انتخابات بيت لحم لعام 2026 مشهدًا ديمقراطيًا حيًا: 73 مرشحًا، خمس قوائم انتخابية، ونحو 22 ألف ناخب. ورغم أن عدد القوائم أقل من الدورة السابقة، فإن خفض نسبة الحسم من 7% إلى 5% رفع فرص عبور معظمها لنسبة الحسم، ما يجعل النتائج إلى حدّ كبير متوقعة سلفًا اذا تم تحليل التوزيع الاجتماعي. أما نسبة المشاركة، فمرجّح أن تبقى ضمن حدود متواضعة، وإن ارتفعت نسبيًا عن السنوات السابقة بفعل النظام الانتخابي الجديد والقائمة المفتوحة. لكن خلف هذا المشهد يبرز سؤال محوري: هل نحن أمام تعددية سياسية حقيقية ومنافسة برامجية قادرة على إحداث تغيير تقوده قوى المجتمع المدني، أم أمام إعادة إنتاج لشرذمة اجتماعية بأدوات ديمقراطية يتم توظيفها لغايات فردية؟

المناظرة الانتخابية قدّمت جزءًا مهمًا من الإجابة. فرغم التباين المحدود بين المتحدثين، بدا مستوى الطرح العام ضعيفًا بنيويًا. معظم الإجابات جاءت عامة، مفصولة عن الواقع، وتفتقر إلى فهم دقيق للتحديات الفعلية التي تواجه البلدية. غابت الأولويات التنفيذية والرؤية المتكاملة لإدارة الموارد وتحسين جودة الخدمات وتعزيز موقع المدينة اقتصاديًا وسياحيًا وبعيدا عن أي توجهات استراتيجية يمكن الوثوق بها. بل إن بعض الاجابات عكست التباسًا في فهم دور البلدية وادواتها وحدود صلاحياتها ضمن منظومة الحكم المحلي. ما عُرض لم يكن برامج بقدر ما كان عناوين، ولم يكن حلولًا بقدر ما كان وعودًا. وهذا لا يعكس فقط ضعف الأداء في المناظرة، بل يكشف خللًا أعمق في الجاهزية لتولّي الشأن العام.

في هذا السياق، لم تعد البرامج الانتخابية معيارًا حقيقيًا للاختيار ولا تعبيرًا عن التزام فعلي. التجربة السابقة ما زالت حاضرة في الذاكرة: تراجع في الأداء المؤسسي، ضعف في تنظيم الأسواق، مديونية متراكمة، ارتفاع في الكلفة التشغيلية، وأزمة مستمرة في إدارة ملف النفايات. يضاف إلى ذلك إرث المحاصصة والصراعات الداخلية والترهّل الإداري، إلى جانب ممارسات توظيف خارج الاحتياجات الفعلية، وشغور مواقع قيادية أساسية — كالمدير الهندسي والمالي ومدير البلدية — لفترات طويلة دون حسم. في ظل هذا الواقع، تراجعت القدرة المؤسسية إلى حدّ تدخّل الحكم المحلي في بعض الصلاحيات، في مؤشر واضح على فقدان جزء من الاستقلالية الإدارية. كما تراجع تصنيف البلدية لدى صندوق إقراض وتطوير البلديات، ما انعكس مباشرة على حجم المخصصات، وحدّ من القدرة على تنفيذ مشاريع تطويرية كانت تشكّل رافعة للمدينة. ومع ذلك، يشارك اكثر من نصف أعضاء المجلس السابق في هذه الانتخابات بخطاب “تغييري” يتناقض مع حصيلتهم السابقة، ما يحوّل الوعود إلى إعادة صياغة للمعادلة نفسها.

شكل القوائم، في هذا السياق، لا يعكس بالضرورة تنوعًا صحيًا بقدر ما يكشف أزمة اجتماعية. غياب الدور الفاعل للأحزاب والمؤسسات، رغم الانتماءات السياسية الكامنة، ترك فراغًا ملأته العائلة والمنطقة والطائفة والعشيرة، وأعاد تشكيل الاصطفاف على هذا الأساس وتحوّلت القائمة إلى امتداد اجتماعي والترشح لمباركة عشائرية او حمائلي لا إلى إطار حزبي مبني على برنامج وكفائات. هذا التحوّل لا يضعف فقط جودة التمثيل، بل ينعكس لاحقًا على أداء المجلس، حيث تصبح القرارات نتاج توازنات لا سياسات عامة. ويمكن، في هذا السياق، استحضار ما طرحه توماس هوبز عن ميل الجماعات، في غياب إطار منظم وقوي، إلى الانكفاء نحو مصالحها الضيقة بحثًا عن الأمان. ما نعايشه اليوم ليس انهيارًا كاملًا، لكنه ينطوي على ملامح تنافس غير منظم تتحكم فيه الاعتبارات الضيقة أكثر من الرؤية العامة. وهذا ما يضعف فكرة “العقد الاجتماعي” التي يفترض أن تقوم عليها العلاقة بين المجتمع وممثليه.

إلى جانب ذلك، برزت اتجاهات فردية واضحة، حيث يسعى كثير من المرشحين للوصول إلى مواقع القرار كمدخل لبناء نفوذ وشبكات علاقات، لا ضمن مشروع جماعي متماسك. كما أن ظاهرة القوائم الرديفة لا تعكس اختلافًا في الرؤية بقدر ما تعكس تعدد مسارات الوصول. وفي هذا السياق، تغيب المعايير التي أشار إليها جون لوك في ربط الشرعية بقدرتها على حماية الصالح العام وإدارة الموارد بكفاءة، لتتحول العملية الانتخابية إلى اداة لإعادة توزيع النفوذ أكثر من كونها أداة للحكم الرشيد.

نظام القوائم المفتوحة، الذي كان يُفترض أن يمنح الناخب قوة أكبر في ترتيب المرشحين داخل القائمة وعدد المقاعد للقائمة الواحدة، أدّى عمليًا إلى تفكيك القوائم من الداخل. لم يعد التنافس بين القوائم فقط، بل داخلها أيضًا، حيث يسعى كل مرشح لتحالفات داخل القائمة الواحدة تزيد من فرصته الفردية وتقدمه داخل القائمة، حتى لو كان ذلك على حساب الانسجام العام. هذا النمط من التنافس — الذي ظهر بوضوح في الخطاب الانتخابي وطريقة تقديم المرشحين لأنفسهم — يضعف قدرة القوائم على العمل كفريق بعد الفوز، ويهدد بتحويل المجلس إلى ساحة صراعات داخلية وتقاسم النفوذ، لا أداة لإدارة المدينة. وهذا يعني مزيدًا من التراجع في جودة الخدمات، وتآكل الثقة العامة، والابتعاد عن أي نموذج حكم محلي فعّال.

أما الناخب، فرغم امتلاكه نظريًا قدرة أكبر على التأثير، فإنه عمليًا محكوم بشبكة من الاعتبارات الاجتماعية. في ظل نتائج متوقعة ومجزأة، يميل إلى التصويت للأقرب اجتماعيًا لا للأكثر كفاءة. وهكذا يُعاد إنتاج النخبة نفسها، حتى في ظل خطاب انتخابي يدّعي التغيير. وهذا يتقاطع مع طرح جان جاك روسو حول تحوّل الإرادة العامة إلى مجرد مجموع إرادات فردية متفرقة، تفقد معها العملية الديمقراطية معناها كإطار لتحقيق الصالح المشترك. فيقف المواطن بين خيارات محدودة: مقاطعة الانتخابات لعدم جدوى العملية الانتخابية، الورقة البيضاء كفعل احتجاج كما يطرح البعض، المشاركة كخيار واقعي ضمن هامش محدود للتغير وحسابات فئوية. في المجمل، يظل العامل المشترك هو تراجع الثقة — ليس فقط بالمرشحين — بل بجدوى العملية الانتخابية نفسها.

تتجه التوقعات نحو مجلس بلدي موزّع بين الخمس قوائم، مع صعوبة تحقيق أي قائمة ورديفتها لأغلبية. في هذا الواقع، لن تكون نتائج الصندوق هي الحاسمة، بل ما سيليها من تحالفات وتفاهمات — وربما صفقات — قد تعيد إنتاج المحاصصة، بما في ذلك سيناريو تناوب الرئاسة، رغم الخطاب الرافض له. الفجوة بين ما يُقال وما يمكن أن يحدث ليست تفصيلًا، بل سمة بنيوية في هذا المشهد.

في الخاتمة، هذه الانتخابات ليست مجرد استحقاق دوري، بل اختبار لطبيعة العلاقة بين المجتمع والبلدية. هل هي علاقة تعاقد على الصالح العام، أم مجرد إعادة توزيع للمصالح والنفوذ داخل المجتمع نفسه؟ الإجابة ليست مقتصرة على نتائج صندوق الاقتراع وحده، بل في وعي المجتمع وقدرته على فرض ادوات مسائلة فعالة، وفي استعداد النخب القادرة على التقدّم والانخراط في الشأن العام، وفي مراجعة قانون انتخابات الهيئات المحلية بما يسهم في تطوير مفهوم المجتمع المدني والتعددية بدل تكريس انقساماته وتعزيز الفئوية.

شارك هذا الخبر!