رام الله / PNN/ يأتي المؤتمر الثامن لحركة فتح في لحظة سياسية وتنظيمية دقيقة، تتداخل فيها التحديات الوطنية العامة مع أسئلة داخلية تتعلق ببنية الحركة، وآليات اتخاذ القرار، ومستقبل البرنامج السياسي، إضافة إلى إشكاليات التمثيل والتجديد والخلافات الداخلية. وفي هذا السياق، أجرينا حوار خاصا مع عضو المجلس الثوري لحركة فتح د. عبد الله كميل.
المؤتمر الثامن وإعادة تشكيل البنية القيادية
يرى كميل أن المؤتمر الثامن لا يمكن التعامل معه بوصفه استحقاقًا دوريًا تقليديًا، بل باعتباره لحظة مفصلية لإعادة بناء البنية التنظيمية الداخلية للحركة. فالإشكالية، من وجهة نظره، لا تكمن فقط في الأشخاص أو الأسماء، بل في طبيعة العلاقة بين المؤسسات القيادية داخل الحركة، حيث برز خلال السنوات الماضية تداخل في الصلاحيات بين اللجنة المركزية والمجلس الثوري والمجلس الاستشاري، الأمر الذي انعكس على كفاءة اتخاذ القرار.
ويؤكد أن المطلوب اليوم هو إعادة تعريف هذه العلاقة على أسس مؤسسية واضحة، بحيث تتحول الأطر القيادية إلى منظومة متكاملة لا تتداخل فيها الصلاحيات، بل تتكامل ضمن رؤية واحدة. ويضيف أن المؤتمر يجب أن يشكل نقطة تحول في ضبط آليات العمل الداخلي، بما يعزز الفاعلية ويحد من الفردية في القرار.
البرنامج السياسي بين الثوابت والتطوير
وفيما يتعلق بالبرنامج السياسي، يوضح كميل أن حركة فتح لا تعيش حالة مراجعة للثوابت الوطنية، بل حالة نقاش حول أدوات تنفيذ هذه الثوابت في ظل المتغيرات السياسية المعقدة. فالثوابت المتعلقة بالحقوق الوطنية الفلسطينية والهوية السياسية للحركة ليست محل نقاش، لكنها تحتاج إلى أدوات عمل جديدة تتناسب مع الواقع الحالي.
ويشير إلى أن الجمود في أدوات العمل السياسي يمكن أن يحد من قدرة الحركة على الفعل والتأثير، لذلك فإن التحديث المطلوب لا يمس جوهر المشروع الوطني، بل يركز على تطوير آليات العمل السياسي والنضالي بما ينسجم مع التحولات الإقليمية والدولية، ويمنح الحركة قدرة أكبر على الحركة والمبادرة.
الشباب وتجديد النخبة القيادية
يتوقف كميل عند ملف الشباب بوصفه أحد أهم تحديات المرحلة، مشيرًا إلى أن كثافة الترشح للمواقع القيادية تعكس في جانب منها حيوية داخلية، لكنها في الوقت ذاته تطرح سؤالًا جوهريًا حول طبيعة التغيير داخل الحركة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في عدد المرشحين، بل في ضمان أن لا تتحول العملية إلى إعادة إنتاج للنخبة ذاتها بوجوه مختلفة.
ويؤكد أن التجديد الحقيقي يتطلب اعتماد معايير واضحة تقوم على الكفاءة والقدرة على القيادة، وليس فقط على الاعتبارات التنظيمية التقليدية. كما يشدد على أهمية تعزيز مبدأ التداول القيادي، بما يسمح بإتاحة الفرصة لدماء جديدة قادرة على تطوير الأداء التنظيمي والسياسي للحركة.
إدارة المؤتمرات السابقة والشفافية التنظيمية
فيما يتعلق بالانتقادات التي طالت المؤتمرين السادس والسابع، يقر كميل بوجود ملاحظات داخلية حول آليات الإدارة، لكنه يضع ذلك ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة العمل التنظيمي في حركة كبيرة ومعقدة مثل فتح. ويشير إلى أن التحدي الأساسي لم يكن فقط في الإجراءات، بل في طبيعة المركزية في اتخاذ القرار وضعف بعض أدوات الرقابة الداخلية.
ويؤكد أن المؤتمر الثامن يجب أن يشكل محطة لتصحيح هذه الاختلالات، من خلال تعزيز الشفافية، وتوسيع قاعدة المشاركة في اتخاذ القرار، وتقوية الدور المؤسسي للأطر التنظيمية المختلفة، بما يحد من الفردية ويعزز التوازن داخل بنية الحركة.
الانقسام الفلسطيني وإمكانية الشراكة الوطنية
حول ملف الانقسام، يرى كميل أن الأزمة الفلسطينية لم تعد مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل أصبحت أزمة بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني. ويؤكد أن موقف حركة فتح ثابت من حيث المبدأ في ضرورة إنهاء الانقسام، لكن ذلك يتطلب إرادة سياسية مشتركة وآليات تنفيذ واضحة، وليس مجرد تفاهمات عامة.
ويشير إلى أن أي شراكة مستقبلية يجب أن تقوم على أساس وحدة النظام السياسي الفلسطيني ومرجعية واحدة للقرار الوطني، بما يضمن إعادة بناء البيت الفلسطيني على أسس شراكة حقيقية وليس تقاسم نفوذ.
الخلافات الداخلية ووحدة الحركة
يتناول كميل ملف الخلافات الداخلية داخل حركة فتح من زاوية حرص الحركة على وحدتها التنظيمية، مؤكدًا أن هذه الخلافات يجب أن تُدار داخل الأطر الرسمية وليس خارجها. ويرى أن وحدة الحركة ليست مجرد شعار سياسي، بل هي شرط أساسي لاستمرار دورها الوطني.
ويضيف أن معالجة الخلافات، بما في ذلك الملفات المرتبطة بالتيارات التنظيمية، يجب أن تتم عبر الحوار الداخلي والمؤسسات التنظيمية، بعيدًا عن أي معالجات خارجية أو جزئية قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بدل معالجته.
القرار الوطني والعلاقة مع الدول العربية
يشدد كميل على أن مبدأ استقلال القرار الوطني الفلسطيني يمثل قاعدة أساسية في فكر حركة فتح، ولا يمكن التنازل عنه تحت أي ظرف. وفي الوقت ذاته، يوضح أن الحركة تنتهج سياسة الانفتاح على الدول العربية والإسلامية، وتسعى إلى بناء علاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والدعم السياسي، دون أن يتحول ذلك إلى تدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني.
ويؤكد أن قوة الحركة تاريخيًا ارتبطت بقدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها، مع بناء شبكة علاقات عربية ودولية داعمة للقضية الفلسطينية دون ارتهان سياسي.
الإصلاح الداخلي وتعديل النظام الداخلي
في ما يتعلق بالإصلاحات المقترحة على النظام الداخلي، يوضح كميل أن هناك رؤية شاملة تهدف إلى تطوير البنية التنظيمية للحركة بشكل جذري، وليس فقط إدخال تعديلات شكلية. وتشمل هذه الرؤية منع تضارب المصالح في العملية الانتخابية، وتعزيز مبدأ الانتخاب بدل التعيين، وإعادة تنظيم العلاقة بين المجلس الثوري واللجنة المركزية بما يضمن وضوح الصلاحيات.
كما تتضمن التعديلات استحداث مفوضيات متخصصة تعنى بملفات الأسرى والشهداء، والمرأة، والشباب، والانتخابات، إضافة إلى تشكيل هيئة للتعبئة والتنظيم تهدف إلى تعزيز التنسيق الداخلي ورفع كفاءة الأداء التنظيمي. ويؤكد كميل أن الهدف من هذه التعديلات هو الانتقال بالحركة نحو نموذج أكثر مأسسة وشفافية.
سيناريوهات المؤتمر الثامن
في قراءته للمستقبل، يطرح كميل احتمالين أساسيين لمخرجات المؤتمر الثامن: الأول يتمثل في نجاح المؤتمر في إحداث نقلة نوعية في البنية التنظيمية والسياسية للحركة، بما يعيد ترتيب البيت الداخلي ويعزز فاعليته، بينما يتمثل الثاني في بقاء المؤتمر ضمن حدود التوازنات القائمة دون إحداث تغيير جوهري في بنية القرار.
لكنه يميل إلى أن طبيعة المرحلة والضغوط الداخلية والخارجية تدفع باتجاه الإصلاح التدريجي، وإن كان ذلك سيبقى مرهونًا بقدرة الحركة على اتخاذ قرارات جريئة داخل المؤتمر.
يخلص عبد الله كميل إلى أن المؤتمر الثامن لحركة فتح يمثل لحظة اختبار حقيقية لقدرة الحركة على إعادة بناء نفسها في ظل تحديات سياسية وتنظيمية معقدة. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بإدارة الخلافات أو توزيع المواقع، بل بقدرة الحركة على تطوير أدواتها وتجديد بنيتها الداخلية دون المساس بثوابتها الوطنية.
ويؤكد أن النجاح الحقيقي للمؤتمر لن يقاس فقط بنتائجه التنظيمية، بل بقدرته على نقل حركة فتح من مرحلة إدارة الواقع إلى مرحلة صناعة الفعل السياسي، بما يعيد لها حضورها ودورها في الساحة الفلسطينية.