الشريط الاخباري

هل تتكبّد المنطقة أثماناً باهظة في سبيل مصالح ترامب الخاصة؟ د. سنية الحسيني

نشر بتاريخ: 16-07-2026 | أفكار
News Main Image

اتهم عديدون إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأنها شنّت الحربعلى إيران من أجل إسرائيل، التي لم تخفِ رغبتها المعلنة في جرالولايات المتحدة معها إليها، بينما فشلت في جر الإدارات السابقة لها. وتدفع دول المنطقة منذ ذلك الوقت تبعات تطورات تلك الحربوقرارات ترامب بخصوصها، سواء في إطار علاقاتها الإقليمية المتبادلةأو الأمن الإقليمي عموماً أو حتى في الاستقرار الأمني الداخلي لبعضمنها. وتبدو معادلة الحرب ضد إيران أكثر تعقيداً على المنطقة فيضوء شخصية ترامب، القادم من عالم المال والأعمال، الذي يتقن فنعقد الصفقات وتعظيم المكاسب الاقتصادية أكثر بكثير من اعتمادالمقاربات التقليدية في السياسة والدبلوماسية. يثير ترابط تلك القضاياتساؤلاً جوهرياً: هل كانت قرارات ترامب خلال هذه الحرب محكومةبالاعتبارات السياسة فقط، أم أن هناك مصالح اقتصادية وشخصيةلترامب تلعب دوراً في توجيهها، وجاءت على حساب استقرار دولالمنطقة؟


تثبت البيانات أن تصريحات ترامب وقراراته الخاصة بالحرب على إيران،والهدن التي ارتبطت بها، أثّرت على حراك السوق واتجاهاته. فقداستفاد عدد من شركات الدفاع وارتفعت أسهمها مع بداية الحرب. كمارفع التصعيد أو التهديد بضرب إيران أسعار النفط وأسهم شركاتالطاقة، ما أثر على مؤشرات أسعار أسهم شركات الطيران والنقلوالتكنولوجيا. على العكس، خفض الترويج للهدن والمفاوضات أسعارأسهم شركات الطاقة، ورفع أسهم شركات متخصصة في مجالاتأخرى. ويمتلك ترامب أسهماً في شركات دفاع وتكنولوجيا وطاقة تتأثربقراراته التي تتعلق بمجريات الحرب على إيران.


يمتلك ترامب علاقة مالية رسمية ومعلنة بسوق الأسهم، ولم يتخلَعنها عندما وصل للسلطة، كما جرى العرف مع الرؤساء الذين سبقوه. وقد أوصى مكتب الأخلاقيات الحكومية ترامب في بداية حقبتهالرئاسية الأولى بالتخلص من مصالحه المالية المتعارضة مع التزاماتهالرئاسية. واختار الرؤساء السبعة الذين سبقوه، بعد صدور قانونأخلاقيات الحكومة في العام ١٩٧٨، الذي يطالب الرؤساء بالإفصاح عنالمصالح المالية والمعاملات الخاصة بهم، إما بيع تلك المصالحالمتعارضة مع مسؤولياتهم الرئاسية، وإما وضعها في صندوق أعمى، لايعرف عن تفاصيل معاملاته بالمطلق طوال سنوات الولاية. وتؤثرالقرارات والتصريحات السياسية الرسمية في الولايات المتحدة علىمناخ السوق وأسعار الأسهم. ويتابع ترامب سوق الأسهم ويعتبرهمقياساً مهماً يعكس نجاح حقبته الرئاسية.


ويحتفظ ترامب بشركة عامة باسمه، ومحافظ تحتوي على سنداتوأسهم. وتقع قيمة الأسهم في صندوق ترامب الاستثماري التي أفصحعنها عندما وصل للسلطة ضمن أعلى فئة موجودة في الولاياتالمتحدة، والتي تتخطى الخمسين مليون دولار. ويعتبر ترامبالمستفيد الوحيد من الصندوق، ويستمر الصندوق بالاحتفاظ بحقشراء وبيع الأسهم، خلال حقبة ترامب الرئاسة. ورغم تصريح ترامب أنهناك من يدير المعاملات في صندوقه، إلا أن مديراً سابقاً في مكتبالأخلاقيات الحكومية يؤكد أن ترتيبات ترامب المالية لا تقترب منمفهوم الصندوق الأعمى المتعارف عليه. ويتعامل صندوق ترامبالاستثماري مع شركات تختص بالعملات الرقمية والبنوك والذكاءالاصطناعي والتكنولوجيا والرقائق والطاقة والدفاع، مثل أبل وتسلاوإنفيديا للرقائق وبوينغ وشركة الدفاع لوكهيد مارتن. وتتأثر مصالحتلك الشركات الكبرى في الولايات المتحدة بقرارات إدارة ترامب،كقراراتها التي ارتبطت بالتعريفات الجمركية وحظر الاستيراد والحربوالهدنة، الأمر الذي يخلق تقاطعاً واضحاً في المصالح. ونفذ صندوقترامب خلال الربع الأول من العام الجاري فقط أكثر من ٣٦٠٠ عمليةشراء وبيع لأسهم في تلك الشركات. وتكشف الإفصاحات الرسميةلترامب ضخامة التداول واتساع الملكية، لكنها لا تكشف بدقة مقدارالأرباح من تجارة الأسهم.


خلال الحرب، تأثر السوق بتصريحات ترامب، حتى وإن لم تكن تعكسسياسات واقعية ارتبطت بتلك التصريحات. فقد ساد نمط ربط التهديدالشديد بارتفاع أسعار النفط وانخفاض قيمة أسهم الشركات الأخرى،ثم مهلة إضافية أو الحديث عن المفاوضات تبدل المعادلة في السوق. أدى تصريح ترامب في التاسع من آذار الماضي حول التقدم في الحرببشكل أكبر من المتوقع لانخفاض سعر النفط وارتفعت أسعار أسهمالشركات الأخرى. كما أدى إعلانه في ٢٣ من الشهر نفسه لتأجيل ضربمنشآت الطاقة في إيران إلى هبوط أسعار النفط لحوالى ١٥ في المائة. إلا أن ما يثير الشك أن هناك جهات غير معروفة باعت عقود نفطكبيرة، قبل دقائق من إعلان ترامب تأجيل الضربة، الذي أدى لانخفاضفوري لأسعار النفط. وفي السابع من نيسان، وقبل إعلان ترامب عنهدنة لمدة أسبوعين بساعات قليلة، تم بيع عقود نفط بنفس الطريقةالسابقة، وبقيمة مضاعفة تقريباً، وبعد إعلانه هبطت أسعار النفطبحوالى ١٥ في المائة. هذه مجرد أمثلة دفعت الخبراء للمطالبةبالتدقيق في احتمال تسريب معلومات رسمية. ويحظر على موظفيالسلطة التنفيذية في الولايات المتحدة في ظل قانون تضارب المصالحالانخراط في معاملات حكومية تؤثر على مصالحهم الخاصة، وإناستثنى من ذلك الرئيس ونائبه. كما تحظر قوانين الأوراق الماليةالتداول أثناء حيازة معلومات جوهرية سرية.


أفشلت الولايات المتحدة الاتفاق مع إيران، وأحبطت كل الجهودالتفاوضية والدبلوماسية معها في ظل سياسات متناقضة أرستها طوالفترة الحرب. لقد نص اتفاق وقف إطلاق النار الإطاري في مطلعه علىوقف إطلاق النار في الجبهات المشتعلة بما فيها لبنان. ورغم أنإسرائيل لم تكن طرفاً في الاتفاق، إلا أن إدراج لبنان في أول بنودالاتفاق، وعلاقة التحالف والصداقة الإستراتيجية بين البلدين، والشراكةبينهما في شن الحرب على إيران، يفهم منه تلقائياً إقرارها بما اتفقعليه حليفها. كما يعد رفض الولايات المتحدة الإفراج عن الأموالالإيرانية المحتجزة، واشتراط صرفها في مجالات معينة يتعارض معبنود الاتفاق التي أكدت على بدء الإفراج الفوري عن تلك الأموال، ولمتحدد مجالات صرفها. كما يعد التبدل الذي طرأ على مسار السفن فيمضيق هرمز بإيعاز من الولايات المتحدة خرقاً إضافياً لهذا الاتفاق منقبل الولايات المتحدة، وأنتج ذلك اختلالاً في العلاقة العُمانية الإيرانية.


لطالما فشلت مساعي الولايات المتحدة بإبعاد سلطنة عُمان عن إيران،فوصفت العلاقات الإيرانية العمانية بالودية، وشكلت السلطنة حجرزاوية مهماً في الوساطة بين إيران ودول الخليج. في الاتفاق الأخيرلوقف إطلاق النار نجحت الولايات المتحدة عبر اتفاق وقف إطلاق النارفي وضع البلدين الشريكَين في موقف تصادمي بمضيق هرمز، بعدتفعيل مسقط الخط الجنوبي للمضيق وفق الرغبة الأميركية، دوناتفاق مع إيران. وجاء الاتفاق وفق واقع ثبتته الحرب، يقوم على تشغيلالخط الشمالي الذي يمر بالقرب من إيران، ولم ينص الاتفاق على غيرذلك. كما نص الاتفاق على أن إدارة المضيق تكون بالتعاون بين عُمانوإيران، ولم تذكر واشنطن في ذلك السياق.


من الصعب تجاهل التحولات الخطيرة في العلاقات الإقليمية وحتىالداخلية لدول المنطقة التي جاءت كنتيجة لحرب ترامب ونتنياهو علىإيران، على غير مصالح وتطلعات دول المنطقة المعلنة. بعد عقود علىالمساعي الدبلوماسية والسياسية لرأب الصدع بين دول مجلسالتعاون الخليجي وإيران، والتي تكللت في السنوات الأخيرة بالنجاح،عادت التوترات بين الجارات وبشكل أكثر تعقيداً. استهدفت إيرانعسكرياً دول الجوار الخليجي خلال هذه الحرب، في تصعيد غيرمسبوق، بحجة استهداف القواعد العسكرية الأميركية التي تشن عدواناًعليها. ما خلق اختلالاً جوهرياً في موازين تلك العلاقات التي ترسختطويلاً.


لم تسلم العلاقات العراقية - الكويتية الحذرة من التدهور بسبب حربترامب ونتنياهو على إيران. بقيت الخلافات الحدودية المائية بينالبلدين في إطار سياسي قانوني لم يخرج عن حدود الأمم المتحدة. إلاأن الحرب أرست تحركات عسكرية قادمة من العراق للكويت، بحجةضرب إيران للتواجد الأميركي في الكويت، في تطاول غير مسبوق منذالحرب العراقية على الكويت، وخلط للأوراق لغير صالح الإقليم.


لم تسلم لبنان وسورية من تبعات سياسة ترامب، فقد اشترط علىلبنان نزع سلاح «حزب الله»، رغم أنه لم يكن طرحاً جديداً داخلالدولة اللبنانية، إلا أنه ربط ذلك بالانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان،ما أثار الكثير من الجدل والخلافات الداخلية في لبنان. كما اعتبرترامب أن سورية يمكنها محاربة «حزب الله» بدلاً من إسرائيل، فيطروحات كارثية تضر بأمن الإقليم ومستقبله.


ليس من الصعب على الدول معرفة مصالحها، فإن تتبعت إعلامهافقط تستشف أهدافها ومصالحها. ينقل إعلام دول الخليج أخبارالحرب على إيران من منطلق خطورتها على اقتصادها ومواردها. ويركزالإعلام الإيراني على عدم النية بالاستسلام، رغم عدم الرغبة في استمرارالحرب. ويتبنى الإعلام الإسرائيلي مقاربة استمرار تواجد الخطر الإيراني،وعدم القبول بالهدنة والاتفاقيات والمفاوضات. ويهتم الإعلام الأميركيبقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام الإقليمي وتحقيق مصالحالولايات المتحدة بأقل كلفة. ويتابع الإعلام الأوروبي الحرب من خلالعدسة الاستقرار الدولي، وتطور النظام المتعدد الأقطاب. وليس منمصلحة الدول العربية أن تبقى أسيرة لأجندات ومصالح دول أخرى،حتى وإن كان من بينها الولايات المتحدة.

شارك هذا الخبر!