غزة /PNN / بينما كانت الحرب في قطاع غزة تحاصر الإنسان بالخوف والإصابة والنزوح، وجد الطبيب البيطري معتصم قدورة نفسه أمام معاناة أخرى لا تقل قسوة في صمتها: حيوانات مريضة ومصابة تحتاج إلى العلاج، فيما كانت الأدوية والتحصينات البيطرية تختفي تدريجيًا من متناول الأطباء.
لم يتوقف قدورة عن العمل خلال الحرب، رغم أن معظم الأطباء البيطريين غادروا، ورغم النقص الحاد في الأدوية والمعدات والكهرباء. وفي شمال القطاع، أصبح منزله ملاذًا لأصحاب الحيوانات الذين لم يجدوا مكانًا آخر يلجأون إليه.
كان الناس يأتون إليه طلبًا للمساعدة، وهو يحاول أن يفعل ما يستطيع بما توفر لديه، حتى عندما كانت الأدوات الطبية التي اعتاد استخدامها قد اختفت، وحتى عندما اضطر في بعض الحالات إلى الاستعانة بأدوية بشرية أو استخدام أدوية بيطرية قديمة لم يعد لها بديل.
يقول قدورة إن اختياره دراسة الطب البيطري بدأ من رغبته في التخصص في مجال كانت الحاجة إليه كبيرة، فالتحق بدراسة الطب البيطري في الأردن من خلال منحة الفاخورة.
لكن الحرب غيّرت طبيعة مهنته، وحوّلت الطبيب الذي اعتاد العمل في عيادة مجهزة إلى شخص يبحث أولًا عن الدواء، ثم عن وسيلة لتقديم العلاج.
عملية قيصرية على طاولة منزلية
من بين الحالات التي لا ينساها قدورة خلال الحرب، قطة جاءت بها صاحبتها وهي تواجه صعوبة في الولادة.
لم تكن هناك عيادة مجهزة، ولا كهرباء مستقرة، ولا مخزون كافٍ من أدوية التخدير. كان لديه فقط بعض المتبقيات التي استطاع الاحتفاظ بها.
ومع ذلك، قرر إجراء عملية قيصرية للقطة على طاولة داخل منزل عائلته.
كانت الظروف بعيدة عن أي غرفة عمليات طبيعية، لكن لم يكن هناك وقت لانتظار ظروف أفضل.
اختارت صاحبة القطة أيضًا عدم إزالة رحمها خلال العملية، في ظل تراجع أعداد القطط التي بقيت في المنطقة بعد الحرب.
نجت القطة، ونجت صغارها.
ولم تتوقف قصتها عند ذلك. يقول قدورة إن القطة أصبحت بخير، وإنها الآن حامل مرة أخرى.
بالنسبة للطبيب، لم تكن تلك العملية مجرد حالة بيطرية ناجحة، بل كانت واحدة من اللحظات التي شعر فيها أن عمله لا يزال قادرًا على منح الحياة فرصة، حتى في مكان أصبحت فيه الحرب تحاصر كل أشكال الحياة.
طبيب يعمل بما تبقى
يقول قدورة إن نقص الأدوية والتحصينات البيطرية أصبح من أكبر التحديات التي تواجه الأطباء في غزة.
ويشير إلى أن إدخال التحصينات البيطرية، ولا سيما تلك التي تحتاج إلى التبريد، لم يعد متاحًا بالكميات المطلوبة، فيما تراجعت كميات الأدوية إلى مستويات لا تكفي لتلبية احتياجات الحيوانات.
وفي بعض الأحيان، يحاول العاملون في المجال إدخال كميات محدودة من الأدوية مع المسافرين، لكن ما يصل بهذه الطريقة لا يغطي الاحتياجات.
ومع استمرار النقص، اضطر قدورة إلى استخدام ما تبقى لديه من أدوية، بما فيها أدوية قديمة أو منتهية الصلاحية، عندما لا يكون هناك بديل آخر.
يقول إن بعض الحيوانات ماتت بسبب عدم توفر الأدوية، وإن الأطباء يقفون أحيانًا عاجزين أمام حيوانات مصابة بأمراض فيروسية لا يملكون الوسائل الكافية لعلاجها.
ويقول إن غياب التحصينات لا يعني فقط صعوبة علاج الحيوانات الموجودة، بل يفتح الباب أمام انتشار أمراض وفيروسات جديدة.
الثروة الحيوانية التي دمرتها الحرب
لم تترك الحرب الثروة الحيوانية في غزة بمعزل عن آثارها.
يقول قدورة إن قطاع الدواجن تعرض لخسائر هائلة، بينما تراجعت أعداد الأغنام بدرجة كبيرة، وأصبحت العجول شبه غير موجودة.
أما الحيوانات الأليفة، فقد اختفى جزء منها مع العائلات التي غادرت مناطقها، بينما أصبح جزء آخر مشردًا بعد فقدان أصحابه أو نزوحهم.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح دور الطبيب البيطري أكثر أهمية، لكن الأدوات التي يحتاجها للقيام بعمله أصبحت أقل توفرًا.
يقول قدورة إنه عاد إلى عمله بعد الحرب لأن الحاجة إليه أصبحت أكبر، خصوصًا مع مغادرة عدد كبير من الأطباء البيطريين.
وفي شمال القطاع، بقي عدد قليل من المتخصصين، بينما كان هو واحدًا ممن يواصلون استقبال الحالات.
حين اختفت أدوات الجراحة بقيت الحاجة
خلال الحرب، لم يقتصر عمل قدورة على علاج الحيوانات.
كان يساعد المواطنين أيضًا في تقطيب الجروح وتقديم ما يستطيع من إسعافات، بينما كان يحاول في الوقت نفسه الاستمرار في علاج الحيوانات.
لكن الأدوات الجراحية التي كان يعتمد عليها اختفت خلال الحرب، والكهرباء لم تكن متوفرة بصورة منتظمة، فيما كانت الأدوية تتناقص يومًا بعد آخر.
ورغم ذلك، استمر في إجراء التدخلات الجراحية عندما كانت هناك فرصة لإنقاذ حيوان.
يقول إن ما دفعه إلى الاستمرار هو شعوره بأن الناس بحاجة إليه.
"ما يجعلني أستمر هو خدمة المواطنين"، يقول قدورة.
وبالنسبة له، فإن العودة إلى علاج الحيوانات لم تكن عودة إلى مهنة فحسب، وإنما محاولة للقيام بالدور الذي اختاره لنفسه منذ أن بدأ دراسة الطب البيطري.
الحاجة ليست إلى الأدوية فقط
لا يرى قدورة أن حل الأزمة يقتصر على توفير الأدوية.
ويطالب بتوفير التحصينات البيطرية، وخصوصًا التحصينات التي تحتاج إلى التبريد، وبتوفير ثلاجات ومصدر كهرباء مستقر لحفظها بطريقة آمنة.
كما يدعو إلى وجود مختبرات متخصصة لرصد الأمراض الوبائية التي يمكن أن تصيب الحيوانات وتؤثر في صحة الإنسان، مؤكدًا أن غياب المراقبة المخبرية يجعل اكتشاف الأمراض والسيطرة عليها أكثر صعوبة.
ويأمل في تفعيل برامج المسح والرصد للأمراض الحيوانية، لأن حماية الحيوانات، في نظره، جزء من حماية المجتمع نفسه.
طبيب في زمن الحرب
اليوم، لا يملك قدورة عيادة تعج بالأدوية والمعدات كما كان يحلم عندما اختار تخصصه.
لديه ما تبقى من أدوية، وبعض الأدوات، وخبرة اكتسبها خلال سنوات الدراسة والعمل، وإصرار على ألا يترك الحيوانات التي يأتي بها أصحابها طلبًا للمساعدة.
يقول إنه طبيب بيطري، وإن مهمته هي علاج الحيوانات، ولذلك عاد إلى عمله بما توفر لديه، حتى في أصعب الظروف.
في غزة، حيث أصبحت الأدوية نادرة، والكهرباء حلمًا متقطعًا، والمعدات الطبية ضحية للحرب، يواصل قدورة عمله من مساحة صغيرة داخل منزله.
يعالج جرحًا هنا، ويساعد حيوانًا على الولادة هناك، ويحاول إنقاذ حيوان مصاب بما تبقى لديه من دواء.
وفي وقت أصبحت فيه الحرب تهدد الإنسان والحيوان معًا، يصر الطبيب البيطري الغزاوي على أن إنقاذ حياة حيوان لا يزال فعلًا يستحق المحاولة.
لأن مهمته، كما يقول، لم تتغير: أن يعالج بما يملك، وأن يستمر في خدمة الناس والحيوانات، حتى عندما لا يبقى لديه سوى القليل.