رام الله /PNN/ تبدأ كثير من المبادرات الشبابية بأفكار طموحة تسعى إلى خلق فرص عمل وتعزيز الإنتاج المحلي، لكنها سرعان ما تصطدم بعقبات تهدد قدرتها على الاستمرار، أبرزها محدودية التمويل، وغياب الاحتضان طويل الأمد، وصعوبة الوصول إلى الأسواق، إلى جانب القيود والإجراءات البيروقراطية، وفي المشاريع الزراعية، اعتداءات المستوطنين والقيود على الوصول إلى الأراضي والمياه.
وفي حلقة من برنامج "صوت الشباب"، عبر شبكة وطن الإعلامية، عرضت منسقة المشاريع في مركز العودة فاتن عصاعصة، ورئيس جمعية "أرض وزرع" التعاونية في بورين غسان النجار، تجارب ميدانية لمبادرات شبابية، تحدثا خلالها عن التحديات التي تواجهها منذ لحظة ولادة الفكرة وحتى محاولة تحويلها إلى مشروع منتج ومستدام.
التمويل المحدود يهدد استمرارية المشاريع
وقالت عصاعصة إن أفكار المشاريع الشبابية غالبًا ما تنطلق من احتياجات حقيقية لدى الشباب، لكن المشكلة تكمن في أن التمويل المتاح يكون في بعض الأحيان محدودًا ومشروطًا ومرتبطًا بفترة زمنية محددة.
وأضافت أن "العصب المالي هو العصب الأساسي للمشروع"، مشيرة في الوقت نفسه إلى أن الظروف الأمنية تؤثر بشكل مباشر في تنفيذ المشاريع وتحقيق أهدافها ضمن الخطط الموضوعة مسبقًا.
وأوضحت أن مركز العودة يعمل على تمكين الشباب والنساء، إلا أن السؤال الأساسي يبقى: كيف يمكن ضمان استمرارية هذا التمكين بعد انتهاء فترة التمويل التي قد لا تتجاوز سنة أو سنتين؟
"بيت الشباب".. مشروع تغيّر مكانه تحت ضغط الاقتحامات
وتحدثت عصاعصة عن تجربة "بيت الشباب"، وهي مساحة ثقافية تقوم على مفهوم الاقتصاد التضامني الاجتماعي، وتهدف إلى توفير فضاء للشباب والنساء لتحويل أفكارهم إلى مشاريع وأنشطة إنتاجية.
لكن المشروع تعرض لانتكاسة بسبب الظروف الأمنية؛ إذ قالت إن المساحة كانت موجودة قرب مخيم طولكرم، وتعرضت المنطقة لاقتحامات متكررة من قبل جيش الاحتلال، قبل أن تصبح منطقة عسكرية مغلقة، ما أدى إلى تعطيل المشروع لنحو ثمانية أشهر.
وأشارت إلى أن الانتهاكات لم تقتصر على إغلاق المنطقة، بل شملت اقتحام المكان وتكسير محتوياته وفقدان بعض المواد والمعدات، ما أدى إلى توقف عدد من المشاريع التي كانت في بداياتها.
"أرض وزرع": بدأنا بخمسة شباب ووصلنا إلى 25 عضوًا
من جهته، قال غسان النجار إن فكرة جمعية "أرض وزرع" التعاونية انطلقت عام 2020، في ظل ظروف اقتصادية وسياسية صعبة، بهدفين رئيسيين: حماية الأرض من الاستيطان، وتعزيز الاقتصاد الوطني لدى الشباب.
وأوضح أن التعاونية بدأت بخمسة أشخاص، ووصل عدد أعضائها اليوم إلى 25، بينهم 17 شابة وثمانية شبان، مشيرًا إلى أن غالبية المشاركين من خريجي الجامعات الذين لم يجدوا فرص عمل.
وقال النجار إن التعاونية لا تنظر إلى نفسها باعتبارها "مشروعًا" فقط، بل باعتبارها فكرة تسعى إلى الاستمرار، مضيفًا أن الزراعة بالنسبة للشباب المشاركين ليست مجرد وسيلة للإنتاج، وإنما وسيلة للبقاء في الأرض ومقاومة محاولات السيطرة عليها.
غياب الاستراتيجيات الداعمة..
وانتقد النجار ما وصفه بغياب استراتيجية واضحة لدعم المشاريع الزراعية والمزارعين في المناطق المستهدفة، قائلًا إن الحديث عن "تعزيز صمود المزارعين" لا ينعكس، بحسب تجربته، على الأرض.
وأضاف: "في بورين لا أرى أن أحدًا يعزز صمودنا، أرى أننا نعزز صمود بعضنا".
وأشار إلى أن التعاونية تواجه اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الأراضي، إضافة إلى صعوبات الوصول إلى المياه، معتبرًا أن المشروع تحول من مشروع اقتصادي إلى "مشروع نضالي" يحتاج بدوره إلى دعم حكومي ومؤسساتي.
الاستيطان وتكاليف المياه يضاعفان كلفة الزراعة
ولم تقتصر التحديات على التمويل، إذ تحدث النجار عن صعوبة الحصول على المياه الزراعية، والقيود المرتبطة بمد خطوط المياه، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإجراءات والخدمات المرتبطة بها.
كما أشار إلى أن الاستيطان الرعوي يمثل تحديًا يوميًا للمزارعين في المنطقة، في ظل ما وصفه بغياب أدوات كافية لحماية الأراضي.
وقال إن محدودية الموارد العامة تزيد صعوبة دعم المزارعين، مشيرًا إلى أن ميزانية وزارة الزراعة، بحسب ما ذكر، تقل عن 1%، وانتقد آليات الاستفادة من بعض المشاريع الممولة من الجهات المانحة.
"جذور الشمس".. مستوطنات وقيود أجبرت التعاونية على نقل مشروعها
وكشفت عصاعصة عن تجربة أخرى لتعاونية "جذور الشمس" الزراعية الشبابية، التي اضطرت إلى نقل بيت بلاستيكي كانت تستخدمه في منطقة قرب طولكرم، بعد أن أُبلغت بأن المنطقة ستصبح عازلة في ظل الظروف الأمنية.
وقالت إن التعاونية خسرت زراعات كانت قائمة، واضطرت إلى البحث عن مساحة جديدة وإعادة بناء مشروعها.
وأضافت أن التعاونية لم تكن مساحة زراعية فقط، بل كانت أيضًا مكانًا يلتقي فيه الشباب ويعملون معًا.
غياب الدعم الحكومي.. واحتياجات النازحين تزيد التحديات
وقالت عصاعصة إن الدعم الحكومي للمبادرات التي تعمل عليها غير متوفر، مشيرة إلى أن المؤسسات الحكومية نفسها تواجه عجزًا ماليًا وصعوبات في توفير احتياجات النازحين الأساسية.
وفي المقابل، أوضحت أن المؤسسات المدنية والجهات المانحة تحاول أحيانًا تعديل بنود الموازنات لتغطية احتياجات جديدة فرضتها الظروف، مثل تكاليف نقل المستفيدين من المناطق التي نزحوا منها.
التسجيل والترخيص.. رحلة بيروقراطية قد تستمر ثمانية أشهر
وفي جانب آخر من التحديات، تحدث النجار عن الصعوبات التي واجهتها "أرض وزرع" خلال تسجيل الجمعية رسميًا، مشيرًا إلى أن إجراءات التسجيل استغرقت نحو ثمانية أشهر، وأن ملف الجمعية مر بمراحل متعددة.
وقال إن الملف شمل نحو 300 ورقة، معتبرًا أن المرور عبر الإجراءات الأمنية كان من أبرز العوائق التي واجهت عملية التسجيل.
وأضاف أن تفاوت مدة تسجيل الجمعيات يثير تساؤلات، مشيرًا إلى وجود جمعيات جرى تسجيلها خلال شهر أو شهرين، بينما استغرق تسجيل جمعيته ثمانية أشهر.
"لا نريد مليون شيكل".. الشباب يريدون مساحة للعمل
وقال النجار إن المطلوب من الحكومة، في المرحلة الحالية، ليس بالضرورة تقديم مبالغ مالية ضخمة، بل إزالة العقبات أمام المبادرات الشبابية ومنحها مساحة للعمل.
وأضاف: "أنا مش طالب من الحكومة تيجي تعطيني مليون شيكل عشان أوقف مشروعي... أنا طالب من الحكومة ما تحطلي عراقيل، وتعطيني على الأقل المساحة التي أستطيع العمل على أرض الواقع".
من جهتها، قالت عصّاعصة إن مجموعات شبابية وجمعيات تواجه قيودًا في منح التراخيص وتسهيل التسجيل، إضافة إلى صعوبات مرتبطة بفتح الحسابات البنكية، مشيرة إلى أن بعض المؤسسات الشبابية تواجه أيضًا تأخيرًا في الإجراءات المرتبطة بالبحث الأمني.
أفكار موجودة.. لكن الاستمرارية تحتاج منظومة دعم
وتظهر التجارب التي عرضها المشاركون أن التحدي أمام المبادرات الشبابية لا يرتبط فقط بقدرة الشباب على ابتكار الأفكار، بل بقدرتهم على الوصول إلى التمويل، والتسجيل والعمل ضمن بيئة إدارية مناسبة، والوصول إلى الأسواق، والحصول على الدعم والاستمرارية.
وفي المشاريع الزراعية، تتداخل هذه التحديات مع عوامل إضافية، من بينها الاستيطان والقيود على الأرض والمياه، ما يجعل استمرار بعض المبادرات مرتبطًا بقدرتها على التعامل مع بيئة اقتصادية وأمنية شديدة الصعوبة.
وبينما يواصل شباب وشابات العمل في تعاونيات ومبادرات إنتاجية، يبقى السؤال الذي طرحته الحلقة حاضرًا: كم مبادرة شبابية يمكن أن تستمر وتتحول إلى مشاريع منتجة لو حصلت على التمويل والاحتضان وإزالة العقبات في الوقت المناسب؟