الشريط الاخباري

ترامب والعالم: عودة السياسة إلى عريّها الأول وصال أبو عليا

نشر بتاريخ: 04-01-2026 | أفكار
News Main Image

فنزويلا نموذجًا، ومكيافيللي شاهدًا، والسيادة في قفص الاتهام

لم يعد ما يقوم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في العالم مجرّد “سياسةخارجية” بالمعنى التقليدي، بل يمكن اعتباره تحولًا بنيويًا في منطق ممارسةالقوة، حيث تُنزع السياسة من أقنعتها الأخلاقية والقانونية، وتُعاد إلى أصلهاالعاري: الفعل، والصدمة، وفرض الأمر الواقع.

قضية فنزويلا، وما أُثير حول مصير رئيسها نيكولاس مادورو، ليست حدثًامعزولًا، بل علامة كاشفة على هذا التحول. سواء ثبت أن مادورو اعتُقل، أوسُلِّم عبر خيانة داخلية، أو أن ما جرى ما يزال حرب روايات، فإن الدلالةالسياسية أعمق من الوقائع نفسها.

أولًا: ترامب ليس شذوذًا عن النظام الدولي… بل انكشافه

اعتاد الخطاب الليبرالي تصوير ترامب كحادث طارئ أو انحراف عن “القيمالغربية”. لكن القراءة الأعمق تُظهر العكس: فترامب لا يهدم النظام الدولي، بليكشف جوهره بعد سقوط الزخارف، وهنا يستعاد نيقولا مكيافيللي بقوة، لاكمنظّر للدهاء فحسب، بل كفيلسوف للواقع، بقوله: "على الأمير أن يتعلّمكيف لا يكون طيبًا، وأن يستخدم ذلك عند الضرورة".

 

كما أن ترامب لا يحاول التوفيق بين القوة والقانون، ولا يبرّر القوة بالقيم، بليفصل بينهما جذريًا: القوة تمارس أولًا، القانون يُستدعى لاحقًا، والأخلاقتُستخدم إن لزم الأمر كخطاب. بهذا المعنى، ترامب هو مكيافيللي بعد نهايةالنفاق.

 

ثانيًا: فنزويلا وحالة الاستثناء – كارل شميت حاضرًا

يقول كارل شميت: "السيّد هو من يقرّر في حالة الاستثناء" وما يفعلهترامب هو تعميم حالة الاستثناء عالميًا: حيث لا حرب مُعلنة، لا تفويض دولي، لا إجماع أممي، ومع ذلك، تُنفَّذ الأفعال ثم تُعاد كتابة القواعد بعدها.

 

فنزويلا هنا لا تُعامَل كدولة كاملة السيادة، بل كـمساحة استثناء: نظام معزول، اقتصاد منهك، نخبة حاكمة متصدّعة. وعندما تتآكلالسيادة من الداخل، تصبح قابلة للتعليق من الخارج.

 

ثالثًا: من هوبز إلى ترامب – عودة العالم إلى "حالة الطبيعة"

في فلسفة توماس هوبز، السياسة تبدأ من حقيقة قاسية: "حرب الجميع ضدالجميع"، فالنظام الدولي الليبرالي حاول، لعقود، تأجيل هذه الحقيقة عبرالمؤسسات والقانون الدولي. إلا أن ترامب لا يؤمن بهذا التأجيل. فهو يتصرّفوكأن العالم عاد إلى الغابة:

الردع المباشر، الرسائل الصادمة، إخضاع الخصم نفسيًا قبل ميدانيًا.

في هذا السياق، لا تُستخدم فنزويلا كعدو متكافئ، بل كـمثالترهيبي: من يخرج عن النظام، يُترك حتى ينهار… ثم يُلتقط في لحظةضعفه.

 

رابعًا: فرضية التسليم والخيانة – قراءة غرامشية

إذا صحّت فرضية أن مادورو سُلِّم من داخل النظام، فنحن أمام تطبيق دقيقلفكرة أنطونيو غرامشي عن الأزمات التاريخية: "الأزمة تحدث عندما لايستطيع القديم أن يموت، ولا يستطيع الجديد أن يولد"، في هذهاللحظات: تفقد النخب ثقتها برأس النظام، وتفقد الجماهير إيمانها بالخطاب، ويصبح الخارج قادرًا على التدخل دون غزو.

ترامب في هذه الحالة يعرف كيف يستثمر الخيانة، حيث لا يسقط الأنظمة منالخارج، بل يعجّل انهيار توازناتها الداخلية.

 

خامسًا: تهشيم الشرعية – ماكس فيبر في الخلفية

يميّز ماكس فيبر بين: الشرعية القانونية، الشرعية التقليدية، الشرعيةالكاريزمية. وهنا ترامب يضرب هذه الأنواع الثلاثة معًا: لا يعترف بشرعيةالقانون الدولي، يسخر من الكاريزما الثورية، ولا يحترم تقاليد الدبلوماسية، بليستبدلها بشرعية واحدة: هي شرعية الفعل الناجح، بعنى إن نجح الفعل، يصبح مبررًا، وإن فشل، يُمحى من السردية.

 

سادسًا: نهاية عصر “التمثيل” – من فوكو إلى الواقع

في الفلسفة السياسية الحديثة، الدولة تمثّل شعبها وتمارسالعنف باسمه. أما في منطق ترامب، فالشعوب تغيب عن الحساب، وتُخاطَب النخب فقط. فنزويلا، في هذا المنطق، ليست مأساةشعب، بل ملف إدارة أزمة. وهنا نستحضر ميشيل فوكو: السياسةلم تعد إدارة حياة الشعوب، بل إدارة انهيارات الدول.

 

الخلاصة: عالم بلا أقنعة

ما يفعله ترامب في العالم – وفنزويلا نموذجًا – ليس سياسة عدوانية عابرة، بل: إعادة تعريف للسيادة، والشرعية، وحدود القوة، بعد انتهاء عصر الأقنعةالأخلاقية.

نحن أمام عالم: أقل نفاقًا، أكثر عنفًا، وأكثر صدقًا في قسوته. وفي هذاالعالم، لا يصبح السؤال: من معنا؟ بل السؤال الأخطر:

كيف نبني قوة داخلية لا تُباع ولا تُسلَّم حين تحين لحظةالاستثناء؟ وهو سؤال لا يخص فنزويلا وحدها…بل كل كيان يظن أنالخطاب يحميه حين تتصدّع الجدران من الداخل.

شارك هذا الخبر!