الشريط الاخباري

لو كنتُ سانتا كلوز هذا العام بقلم وصال أبو عليا

نشر بتاريخ: 05-01-2026 | أفكار
News Main Image

لو كنتُ سانتا كلوز هذا العام، لما حملت أكياس الهدايا المألوفة، بل كنتسأحمل صمتًا عميقًا، ونداءً للأجساد المرهقة التي لم تجد الراحة منذ عقود.

كنتُ لأمسك بالوقت من طرفيه، لأعيد ترتيب ما تبقّى من العام في غزة، حيث الخراب يكتب وجوده على جدران المدارس، على أكتاف الأطفال الذينيعرفون معنى الخوف قبل أن يعرفوا معنى اللعب.

 

لو كنتُ سانتا كلوز، لوقفت عند أبواب البيوت المهدمة في القدس، أستمع لصدى الأرواح بين حجارتها القديمة، وأهمس للأطفال الذينأصبحوا ينظرون إلى السماء كمن يسأل عن معنى العدالة: "أنتمهنا، وهذه المدينة باقية بكم."

كنتُ لأرى الشوارع كوعي حي، كل زقاق فيها يذكرني بما قاله باشلار عنالذاكرة:

"العتبة التي تفصل بين زمنين، حيث يصبح الألم فعل وجود."

 

كنتُ سأجلس على عتبات باب العامود، وأوزّع على حجارتها قدرة إضافيةً علىالصمود، وعلى الأزقة ضوءا يشتعل كلّما عبر فيها جندي غاضب.

ولو وصلت طولكرم وجنين ورام الله، حيث البيوت تُهدم، والمخيمات تصنع منالخراب مأوى، كنتُ سأجمع كل هشاشة البشر في قبضة واحدة، وأخبرهم: "الخطر موجود، لكن الوعي أقوى من الخراب."

كنتُ لأتذكر كلمات كامو: "في قلب الشتاء، هناك صيف لا يُقهرداخلنا"… هذا الصيف الذي يطفو من عيون الأطفال، من عزيمة النساء، منصمت الرجال الذين ما زالوا يقفون رغم كل شيء.

 

لو كنتُ سانتا كلوز، لقرأت على الشهداء أن حضورهم لم يمت، وأن الألمليس فقدًا فقط، بل لغةٌ وجودية، تعلّمنا كيف نكون أحياءً في عالم يُصرّ علىاختبارنا.

كنتُ لأرى في الخراب نصًا فلسفيًا، كما يرى نيتشه في الألم طريقًا للامتلاء، لا للانهزام. كنتُ لأتلمس في الغياب حضورًا، وفي الدمار معنى، وفيالحزن وعيًا.

 

كنتُ سأحمل معهم مرايا صغيرة، لأريهم أن النجاة ليست حياة، بل فهمٌ عميقللوجود، وأن الصمود ليس اختيارًا، بل تجربة مستمرة للفلسفة الحية: كيفنكون، ونحن محاطون بما يحاول مسحنا من الوجود؟

 

ولو كان لي أن أختم، لقلتُ: العام الجديد ليس وعدًا. بل مساحة فارغة، صفحةصافية، فرصة لنرى أنّنا ما زلنا هنا. وأنّنا، رغم كل الخراب، رغم كل الحزن، رغم كل النزف، قادرون على خلق معنى في كل ثانية تمرّ على هذه الأرض.

 

أنا لستُ سانتا كلوز حقًا…

لكني امرأة، تقف على أطراف هذا العام، تمسك بالأسئلة كما تمسك الأرض، وتتعلم أن البقاء، في زمنٍ يختبر كل شيء، ليس بطولة؛ بل صيرورةمتواصلة للوعي، وحيثما الوعي موجود، هناك حياة، هناك ضوء، هناكصيف لا يُقهر، ولو في قلب الشتاء.

شارك هذا الخبر!