غزة -PNN- قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية في تقرير لها إن الحرب في غزة تخلق جيلاً جديداً من الصم، موضحةً أن تحقيقاً أجرته جمعية محلية أظهر أن 35 ألف طفل وبالغ فقدوا قدرتهم على السمع جزئياً أو كلياً، خلال عامين من الحرب، التي اندلعت بعد هجوم حركة “حماس” في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وأشارت الصحيفة الفرنسية إلى أنه في عائلة أبو عمرو لا أحد يتقن لغة الإشارة، ولذلك يضطر الوالدان، وهما في حالة عجز تام، إلى الصراخ للتواصل مع ابنتهما دانا، البالغة من العمر 12 عاماً، والتي أصبحت صمّاء.
وشقيقتها الصغرى ألينا، البالغة من العمر أربع سنوات، هي الوحيدة التي تمكنت من إقامة رابط معها عبر التحدث مباشرة في أذنها.
وقال الأب زياد، البالغ من العمر 52 عاماً، لـ“لوموند” عبر الهاتف: “أصبحت ألينا مترجمتنا، وإلا فنحن لا نفهم شيئاً من احتياجات دانا. إنها معاناة كبيرة”. مع العلم أن إسرائيل ما تزال تمنع دخول الصحافة إلى قطاع غزة، تشير الصحيفة.
وأوضحت “لوموند” أن دانا لم تولد صمّاء، لكن ما حصل معها يعود إلى الانفجار العنيف الذي وقع في بداية شهر سبتمبر/أيلول الماضي عندما استُهدف المبنى المقابل لغرفتها في مدينة غزة مباشرة بصواريخ إسرائيلية. ويقول والدها: “الانفجار كان عنيفاً جداً، وقد اقتلع باب غرفتها وتطايرت النوافذ”.
نجت الفتاة من الموت، غير أن أسرتها لاحظت خلال الأيام التالية تغيراً في سلوكها، إذ لم تعد تتفاعل كما في السابق ولم تعد تفهم ما يقال لها.
اصطحبها والداها إلى مختصين في جمعية “أطفالنا” للصم، وهي جمعية رائدة في هذا المجال في غزة منذ عام 1992، ويواصل موظفوها، البالغ عددهم 132، عملهم، رغم تدمير المقر الرئيسي للجمعية داخل القطاع.
ونقلت “لوموند” عن المختصين قولهم: “بسبب شدة الانفجار، تضرر العصب السمعي بشكل خطير، وربما دُمّر كلياً. فهي تعاني من فقدان سمع شديد جداً”.
كما نقلت “لوموند” عن الدكتور رمضان حسين، اختصاصي السمعيات العامل مع الجمعية، قوله إن فقدان السمع قد ينتج عن إصابات في الرأس أو الرقبة، أو عن أضرار دماغية تؤدي إلى تمزق طبلة الأذن وإصابات في الجهاز السمعي، كما قد ينجم أيضاً عن التعرض لموجات صوتية قوية دون أن يتعرض الشخص لإصابة جسدية مباشرة، مؤكداً أن هذه الاضطرابات السمعية غالباً ما تكون غير قابلة للعلاج.
كما تحدثت “لوموند” عن حالة طفل يدعى أيان لم يكن عمره سوى خمسة أيام عندما سقط صاروخ إسرائيلي ليلاً على بُعد متر واحد من الخيمة التي كانت تقيم فيها عائلته، ما أدى إلى قذفه ودفنه تحت الرمال. ونقلت عن والدته صفاء قولها عبر الهاتف: “تمكنا من العثور عليه بفضل قدميه اللتين كانتا ظاهرتين. كان في حالة سيئة جداً، واعتقدنا أنه سيموت”. وكانت قد اضطرت إلى النزوح في اليوم التالي لولادتها في مايو/أيار إلى المنطقة الساحلية في المواصي بخان يونس بعد توغل إسرائيلي في شرق المدينة.
نجا الطفل، لكن بعد أربعة أشهر لاحظت والدته خللاً في سلوكه، إذ قالت: “كانت الحركات فقط تجذب انتباهه، وليس الأصوات. عندما كنت أشغّل له أغاني الأطفال على الهاتف كان يتفاعل، لكن بمجرد أن أخفي الشاشة لا يعود يتفاعل. كررت التجربة عدة مرات وفهمت أن هناك مشكلة”.
وأوضحت “لوموند” أن التشخيص كان صادماً، حيث تبين أن نسبة سمع أيان معدومة تماماً، وأنه يحتاج بشكل عاجل إلى جهاز سمعي، وربما إلى زراعة قوقعة، وإلا فإنه سيعاني من تأخر كبير في النمو. وأضافت أن عائلته، كما هو حال عائلة دانا، اصطدمت باستحالة الحصول على هذه الأجهزة بسبب استمرار منع دخول جزء من المعدات الطبية والأدوية نتيجة القيود التي تفرضها إسرائيل، ولا سيما على المواد التي تعتبرها ذات “استخدام مزدوج” مدني وعسكري، مشيرةً إلى أن المساعدات المسموح بدخولها حالياً تقتصر في الغالب على المواد الغذائية.
ونقلت الصحيفة الفرنسية عن الدكتور حسين قوله: “منذ نحو عام لم يدخل أي جهاز سمعي إلى قطاع غزة، وحتى من يملك جهازاً لن يتمكن قريباً من استخدامه بسبب نفاد البطاريات التي يُمنع إدخالها أيضاً”. وأضافت أن النقص لا يقتصر على الأجهزة فقط، بل يشمل أيضاً أدوات التشخيص، ومختبرات تصنيع القوالب السمعية المخصصة، وغرف العمليات، حيث إن جزءاً كبيراً من البنية التحتية اللازمة لعلاج اضطرابات السمع دُمّر بفعل الهجوم الإسرائيلي.
كما أشارت “لوموند” إلى أن عدداً كبيراً من المتخصصين غادروا القطاع في الأشهر الأولى من الحرب، عندما كان معبر رفح لا يزال مفتوحاً. وقد حذر فادي عبد، مدير جمعية “أطفالنا”، من أن الوضع مرشح لمزيد من التدهور بسبب الاكتظاظ، وانعدام النظافة في مخيمات النازحين، وسوء التغذية، وغياب الرعاية الصحية الأولية، موضحاً أن التهابات بسيطة مثل التهابات الأذن قد تؤدي إلى فقدان دائم للسمع إذا لم تُعالج في الوقت المناسب.
ونقلت الصحيفة الفرنسية أيضاً عن الدكتور حسين قوله إن النزوح القسري، والقصف المستمر، والمجاعة، ونقص الأدوية هي جملة مشاكل تؤثر على المرأة الحامل والجنين، وقد تؤدي إلى ولادة أطفال يعانون من إعاقات، لا سيما السمعية.
كما أن غياب الأجهزة المناسبة يحرم الجيل الجديد من الأطفال ذوي الإعاقة السمعية من المشاركة في الأنشطة المدرسية ومن الاستفادة من الدعم النفسي والاجتماعي، توضح “لوموند”.