ليس في فلسطين مكان للعنصرية، وليس هناك مدينة في فلسطين لم تحتفل بأعياد الميلاد المجيدة. فهذه المناسبة ليست مجرد عيد ديني يخص المسيحيين فحسب، بل هي مناسبة وطنية يشترك في إحيائها جميع الفلسطينيين بمحبة وسلام. وفي هذا العام، أبدع المسيحيون الفلسطينيون في تنظيم الاحتفالات بعد عامين من الانقطاع بسبب حرب الابادة الجماعية في قطاع غزة، حيث جرى كل شيء بانسيابية وأمان تام، مع حضور رسمي بارز ومشاركة السلطة الوطنية الفلسطينية، وعلى رأسهم الأخ حسين الشيخ، نائب رئيس دولة فلسطين، في قداس منتصف الليل للطوائف الشرقية والغربية.
كان التنظيم مثالياً، وأشارت كل تفاصيل الاحتفالات إلى حرص عال على الترتيب والجمال، فيما بدا الحدث جليًا في وجوه المشاركين، بمن فيهم السياح الأجانب الذين حضروا خصيصًا لإحياء هذه المناسبة. لم تكن هذه المرة الأولى التي يحيي فيها الفلسطينيون المسيحيون عيد الميلاد، لكنها كانت استثنائية لخصوصيتها: مشاركة البلديات المسيحية في استقبال الوفود الوطنية والأجنبية، وإشعال شجرة الميلاد بكل اقتدار، واحتفال المسيحيين والمسلمين سويًا، في رسالة واضحة للعالم تقوم على الوحدة الوطنية والمحبة والسلام، والتحرر من الاحتلال.
لقد شهدت هذه الاحتفالات بنفسي في مدينة بيت لحم، مدينة السلام: الشوارع مضاءة بألوان زاهية، والمطاعم مليئة بالمحتفلين، وأشجار الميلاد تتلألأ في الشوارع والبيوت. لم تمنع برودة الجو أو الأمطار المواطنين من تبادل الزيارات العائلية والاحتفال بموسيقى الكشافة التي اجتاحت شوارع بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا. كان الجميع فرحًا بالعيد، عيد فلسطين جميعًا، عيد السيد المسيح الفلسطيني الكنعاني بكل فخر.
تعتبر فلسطين نموذجاً حياً على وحدة شعبها، مسلمين ومسيحيين، الذين شاركوا عبر التاريخ في النضال ضد الاحتلالات، بدءًا من الصليبيين وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي الحالي. وقد وثق الباحث إبراهيم فوزي عودة هذه الوحدة في كتاباته عن بيت لحم خلال الفترة الصليبية، وكتب الأدباء الفلسطينيون المسيحيون مبكراً مثل خليل السكايني عن مناهضة الاستعمار واستقلال فلسطين. كما شهدت هذه الأرض أيضًا تضحيات كبيرة قدمها المسيحيون الفلسطينيون، فلا ننسى اوائل الشهداء المسيحيين في ثورة البراق، ولا ننسى أعمال وكتابات نجيب نصار في صحيفة الكرمل عام 1908 للتحذير من مخاطر المشروع الصهيوني على استقلال الشعب الفلسطيني.
على النقيض، يعاني المسيحيون داخل الخط الأخضر من مظاهر عنصرية واضحة من قبل الحكومات الإسرائيلية اليمينية والمستوطنين المتطرفين، حيث يُصنّفون كأقلية منفصلة عن جذورهم العربية، ويُحرمون من المخصصات المالية المتساوية، وتنتَهك مقدساتهم الدينية، ويتعرض رجال الدين المسيحيون في كثير من الأحيان للاعتداءات الجسدية واللفظية.
في الواقع، أن ما تؤكده هذه الاحتفالات في فلسطين هو أن المجتمع الفلسطيني خالٍ من العنصرية بين أبنائه، وأن هذه العنصرية لا تنشأ إلا في سياقات الاحتلال والاستعمار، حيث تُستغل مفاهيم التفوق العرقي والفصل العنصري ضد “الآخر”. على العكس، فإن الدولة الفلسطينية، التي عملت بجهد كبير على ترسيخ وتجسيد الهوية الوطنية والدولة الفلسطينية على ارض الواقع ، تعامل المسيحيين كجزء أصيل من النسيج الوطني، الشريك في الدم، والهوية، والنضال، والتنمية.
وفي النتيجة النهائية، فإنه يمكننا القول بأن احتفالات عيد الميلاد في فلسطين ليست مجرد مناسبة دينية، بل هي رسالة وطنية حيّة، تؤكد أن الوحدة الوطنية والمحبة والتضامن بين المسلمين والمسيحيين هي السمة الأصيلة للشعب الفلسطيني. في فلسطين، لا مكان للعنصرية، ولا فرق بين أبناء الوطن في النضال أو الاحتفال؛ فالشعب كله، بمسلميه ومسيحييه، يثبت أن الهوية الوطنية الفلسطينية أقوى من أي سياسات فصل أو اضطهاد، وأن فلسطين تبقى مثالًا حيًا للعيش المشترك والحرية والسلام والتحرر.