الشريط الاخباري

من بورين إلى الشاشة العربية: حكاية المخرج بشار النجار مع الدراما

نشر بتاريخ: 18-01-2026 | محليات , ثقافة وفنون , PNN مختارات , قناديل من بلدي
News Main Image

رام الله /PNN/ وصال أبو عليا - من قرية بورين جنوب نابلس، حيث تتجاور الحقول مع ثقل الجغرافيا السياسية، خرج المخرج الفلسطيني بشار النجار حاملاً حلمًا بدا في بداياته أكبر من المكان، لكنه كان متجذرًا فيه بعمق. في بيئة ريفية صنعت وعيه البصري والإنساني، تشكّلت علاقته الأولى بالحكاية، لا بوصفها ترفًا فنيًا، بل كضرورة للنجاة والقول.

بشار النجار 37 عامًا، درس الإعلام في درجة البكالوريوس، ويُكمل اليوم  دراسته في مرحلة الماجستير في السينما والتلفزيون.

لم يكن دخوله إلى عالم  الصورة مباشرة عبر الدراما، بل بدأ مسيرته المهنية في الإعلام، حيث عمل منتجا مع إحدى الوكالات، وشارك في إنتاج أفلام وثائقية، تقارير وبرامج تلفزيونية ، غير أن الحلم الحقيقي ظل مؤجلًا: "الانتقال من نقل الواقع إلى  صناعته دراميًا".

من الإعلام إلى الدراما: خطوة محفوفة بالمخاطر

يؤكد النجار أن عام 2013 شكّل نقطة التحول في مسيرته، حين أخرج أول أعماله الدرامية، مسلسل "لا تصدقوا خلف لو حلف" لم يكن العمل  مجرد تجربة أولى، بل إعلان الفلسطينية دخول إلى مساحة شديدة الوعورة: الدراما ، في ظل شُحّ التمويل، وغياب البنية الإنتاجية، وانعدام الاحتضانالمؤسسي.

وتوالت بعدها الأعمال:"الأغراب، كفر اللوز- الجزء الأول، أولاد المختار، سوق ربع مركزي، أم الياسمين، وصولًا إلى مشروعه الأبرز نزيف التراب بأجزائه الثلاثة" الذي شكّل ذروة نضجه الفني والإنساني.

الريف بوصفه رافعة جمالية وإنتاجية

كانت البيئة الريفية التي نشأ فيها بشار النجار ركيزة أساسية في تجربته. لمتكن مجرد خلفية مكانية، بل عنصر قوة حقيقي مكّنه من السيطرة على مفردات  العمل الدرامي: من الأدوات، إلى الإكسسوارات، إلى طبيعة الشخصيات والعلاقات في ظل غياب التمويل، تحوّل القرب من البيئة إلى حلّ إنتاجي ذكي، وإلى مصدر أصالة فنية في آن، وفقا للنجار.

يؤمن النجار أن الإبداع الحقيقي يولد من القرب، وأن المخرج حين يشتغل على  بيئة يعرفها، فإنه لا يكررها، بل يعيد اكتشافها. ومع تراكم التجربة، بدأ الجمهور يلتفت إلى وجود حاجة فعلية لدراما فلسطينية تعبّر عنه خارج القالب الإخباري والخطابي.

التعلم بالممارسة وبناء الفريق

لم يعمل بشار النجار في المسرح بشكل مباشر، لكنه أدرك مبكرًا أهميته في بناء الممثل والوعي الإخراجي، حيث استعان بعدد من المسرحيين، أبرزهم  الأستاذ سعيد سعادة، المدرب والمخرج المسرحي، الذي شكّل حضوره في البروفات والورشات محطة تعليمية حقيقية للنجار، سواء على مستوى إدارة  الممثل أو اختيار الطاقات التمثيلية.

هكذا، وبالتجربة، راكم فريقًا من الممثلين تطوّروا معه من عمل إلى آخر، وشاركوا في إنتاج المسلسلات، السبوتات، والأفلام القصيرة والطويلة. ومع الوقت، بدأت البيئة المحلية والمجتمع الريفي نفسه يشاركان في دعم الإنتاجات الاولى ، ما لفت انتباه قنوات وشركات ومستثمرين آمنوا بالفريق وبالتجربة.

دراما تنحاز للواقع لا للزمن المنفصل عنه

في اختياره للقصص، ينطلق بشار النجار من قناعة أخلاقية قبل أن تكون فنية: الدراما يجب أن تكون منسجمة مع المزاج الجمعي. ففي أزمنة الحرب أو الانتفاضة، لا يمكن تقديم عمل كوميدي منفصل عن الألم العام. لذلك جاءت أعماله، مثل "كفر اللوز"و"أم الياسمين" و"نزيف التراب"، إما محاكاة مباشرة للأحداث الواقعية، أو قراءة درامية للواقع العربي والفلسطيني في لحظته التاريخية.

حضور عربي وتواصل دولي

يقول النجار بوضوح: "الدراما الفلسطينية اليوم وضعت بصمتها عربيًا  ". قد يكون الحضور لا يزال محدودًا دوليًا، لكنه في توسّع مستمر، بدليل تواصل مؤسسات دولية لطلب ترجمة بعض الأعمال. وعربيًا، استطاعتهذه الدراما نقل القضية الفلسطينية خارج القالب الإخباري، لتُقدَّم كحياةإنسانية كاملة، بتناقضاتها وتفاصيلها اليومية.

خلال مشاركاته في المهرجانات والزيارات العربية يؤكد النجار أنه لمس اتساع قاعدة  الجمهور العربي، وازدياد الاهتمام بالسرد الفلسطيني بوصفه سردًا انسانيا لا استثنائيًا.

تحديات النص والتقنية: طموح رغم القسوة

لا يخفي بشار النجار إدراكه لثغرات التجربة، وعلى رأسها غياب كتّاب النصوص المتخصصين وثقافة الكتابة الدرامية، ما يحدّ من تعقيد الشخصيات. ومع ذلك، يحاول وفريقه تطوير هذا الجانب، والابتعاد عن النمطية التي استهلكتها الدراما العربية.

تقنيًا، يسعى النجار في كل عمل إلى تطوير أدواته البصرية، رغم أن كثيرًامن إنتاجاته كانت ذاتية، وهنا يشير إلى أنه في مسلسل "أم الياسمين"،باع مركبته الخاصة ليستكمل العمل، في فعل يلخّص علاقته بالسينما: شغف يتقدّم على الحسابات.

حلم مفتوح على العالم

اليوم، يقف بشار النجار عند مفترق طموح واضح: أن يكون مخرجًا فلسطينيًا له بصمة عربية وعالمية. يدرك أن اختلاطه بالأعمال العربية وزياراته لمواقع الإنتاج ليست رفاهًا، بل ضرورة لفهم شروط الصناعة، وللارتقاء بتجربته. لكنه يعترف في الوقت ذاته بحاجته لفريق إنتاج محترف يحرره من أعباء الإدارة، ويمنحه مساحة أوسع للتركيز على الإخراج بوصفه فعله الجمالي الأساسي.

من بورين، حيث وُلد الحلم بين الحقول والذاكرة، إلى شاشات عربية تزداد اتساعًا، يواصل بشار النجار مسيرته بإيمان عميق: أن الدراما الفلسطينية ليست مشروع موسم، بل مسار طويل من الصبر، والتجربة، والصدق مع الذات والناس.

تم اعداد وإنتاج هذه القصة ضمن مشروع خطوات بتمويل من الاتحاد الأوروبي

شارك هذا الخبر!