الشريط الاخباري

التوجيهي الجديد في فلسطين" من امتحان مصيري إلى مسار تعليمي عادل وإنساني لبناء المستقبل بقلم د عماد سالم

نشر بتاريخ: 18-01-2026 | أفكار
News Main Image

التوجيهي الجديد في فلسطين" من امتحان مصيري إلى مسار تعليمي عادل وإنساني لبناء المستقبل

دليل وطني شامل ومبسط للطلبة وأولياء الأمور من الصف العاشر حتى الثاني عشر

بقلم الدكتور عماد سالم
خبير في التعليم والتدريب المهني والتقني وسوق العمل وسياسات التعليم

التوجيهي بين الإرث الثقيل وحتمية التغيير

على مدار عقود طويلة، شكّل امتحان الثانوية العامة (التوجيهي) في فلسطين محطة قاسية في الذاكرة الفردية والجماعية، ليس فقط بوصفه اختباراً تعليمياً، بل باعتباره حدثاً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً تتجمّد عنده حياة الطالب والأسرة والمجتمع لأسابيع طويلة. وقد اختُزلت اثنتا عشرة سنة من التعليم في امتحان واحد، وفرصة واحدة، ونتيجة واحدة، غالباً ما كانت تحدد مستقبل الطالب الأكاديمي والمهني بشكل حاد.

في ظل التحولات المتسارعة في العالم، وتغير طبيعة سوق العمل، وارتفاع نسب البطالة بين الخريجين، وتراجع قدرة النظام التعليمي التقليدي على استيعاب الفروق الفردية، أصبح التغيير ضرورة لا خياراً. ومن هنا جاء نظام التوجيهي الجديد في فلسطينكتحول بنيوي في فلسفة التقييم والتعليم، يهدف إلى الانتقال من منطق “الامتحان المصيري” إلى منطق “المسار التعليمي التراكمي”.

هذا المقال يقدّم قراءة شاملة، واضحة، ومبسطة للنظام الجديد، مع تركيز خاص على الصفوف العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، من حيث المواد، وآليات التقييم، والمسارات، وصولاً إلى توصيات عملية تهم الطلبة وأولياء الأمور وصنّاع القرار.

التحول الجوهري في فلسفة التوجيهي

يقوم التوجيهي الجديد على انتقال عميق في الرؤية التربوية، يتمثل في:

• الانتقال من امتحان واحد مصيري إلى تقييم تراكمي موزّع على عامين.

• التحول من ثقافة الحفظ والتلقين إلى ثقافة الفهم وبناء المهارات.

• استبدال الفروع التقليدية الفضفاضة بمسارات تخصصية واضحة.

• الانتقال من فرصة واحدة قاسية إلى فرص متعددة للتحسين والتعويض.

هذا التحول لا يهدف فقط إلى تخفيف الضغط النفسي، بل إلى تعزيز العدالة التعليمية، ومنح كل طالب فرصة النجاح وفق قدراته الحقيقية واستعداده الأكاديمي.

الصف العاشر… سنة التوجيه وبناء القرار

رغم أن الصف العاشر لا يدخل في حساب معدل التوجيهي، إلا أنه أصبح سنة محورية في النظام الجديد.

ماذا يدرس الطالب في الصف العاشر؟

يدرس الطالب مجموعة شاملة من المواد الأساسية، تشمل:

( اللغة العربية، اللغة الانجليزية، الرياضيات، العلوم، التكنولوجيا،الدراسات الاجتماعية، التربية الاسلامية،مهارات حياتية ومهنية ).

لماذا الصف العاشر مهم؟

• تُستخدم نتائجه كمرجعية لتحديد أهلية الطالب لبعض المسارات العلمية في الصفوف اللاحقة.

• يساعد على اكتشاف ميول الطالب وقدراته بعيداً عن ضغط الامتحان الوزاري.

• يشكّل الأساس لأي قرار أكاديمي أو مهني لاحق.

الرسالة التربوية الأساسية:
الصف العاشر لم يعد سنة عابرة، بل سنة توجيه هادئ ومصيري، تتطلب جدية دون تهويل أو خوف.

ثالثاً: الصف الحادي عشر… دخول تدريجي ومدروس إلى التوجيهي

في الصف الحادي عشر يبدأ الطالب فعلياً بالانخراط في منظومة التوجيهي، ولكن بطريقة ذكية تخفف العبء وتوزع الجهد.

المواد الدراسية

يدرس الطالب حوالي 8 مواد أسبوعياً داخل المدرسة.

المواد الوزارية المحتسبة في المعدل (40%)

يتقدم الطالب لامتحان وزاري في 4 مواد مشتركة:

(التربية الاسلامية، اللغة العربية، اللغة الانجليزية، المهارات الرقمية)

وتشكّل نتائج هذه المواد 40% من المعدل النهائي للتوجيهي.

المواد المدرسية

تشمل مواد مثل:

( الرياضيات، العلوم العامة، تاريخ وجغرافيا فلسطين، التربية البدنية وغيرها)

وهذه المواد:

• يُشترط النجاح فيها للانتقال.

• تُقيّم مدرسياً فقط.

• لا تدخل في حساب المعدل الوزاري.

الهدف التربوي:
بناء قاعدة معرفية متينة، وتخفيف الضغط المبكر، وتعويد الطالب على التقييم التراكمي.

الصف الثاني عشر… التخصص الحقيقي مع الحفاظ على شمولية التعليم

في الصف الثاني عشر يصل الطالب إلى مرحلة الحسم الأكاديمي، لكن دون إلغاء الدور التربوي الشامل للمدرسة.

تقسيم المواد

يدرس الطالب حوالي 8 مواد أسبوعياً، موزعة على:

4 مواد وزارية تخصصية مرتبطة بالمسار المختار، تدخل في المعدل بنسبة 60%.

4 مواد مدرسية للثقافة العامة، يُشترط النجاح فيها دون احتسابها في المعدل.

في الصف الثاني عشر يدرس الطالب حوالي 8 مواد أسبوعياً، وهي موزعة بشكل واضح ومقصود لتحقيق التوازن بين التخصص وشمولية التعليم، على النحو التالي:

أولاً: المواد الوزارية التخصصية (4 مواد – تدخل في المعدل بنسبة 60%)

هذه المواد تختلف باختلاف المسار الذي يختاره الطالب، وهي التي يُمتحن فيها امتحاناً وزارياً مركزياً، وتُحتسب علاماتها في معدل التوجيهي المؤهل للجامعة.

1- مسار العلوم الصحية

(الرياضيات،الكيمياء،الاحياء،الفيزياء)

مخصص لطلبة الطب، الصيدلة، التمريض، والمهن الصحية.

2- مسار العلوم والهندسة

(الرياضيات،الكيمياء،الحاسوب،الفيزياء)

مخصص للهندسة، التكنولوجيا، والعلوم التطبيقية.

3- مسار اللغات والعلوم الإنسانية

(اللغة العربية (متقدم)، اللغة الإنجليزية (متقدم)، التاريخ، الرياضيات)

مخصص للقانون، الإعلام، الآداب، العلوم الاجتماعية.

4-  مسار العلوم المالية والإدارية

(الإدارة والاقتصاد، الرياضيات المالية، المحاسبة، اللغة الإنجليزية (متقدم) )

مخصص لإدارة الأعمال، المحاسبة، الاقتصاد، الريادة.

5-  المسار الشرعي

( اللغة العربية (متقدم)، القرآن الكريم وعلومه، الحديث الشريف، التاريخ الإسلامي )

مخصص للعلوم الشرعية واللغة العربية.

هذه المسارات التعليمية… نهاية التشعيب وبداية الوضوح

ألغى النظام الجديد التقسيم التقليدي (علمي/أدبي)، واستبدله بخمسة مسارات واضحة تم استعراضها

هذا التقسيم:

• يقلل التشتت والاختيارات العشوائية.

• يقرب الطالب من تخصصه الجامعي مبكراً.

• يحد من الفشل والتعثر الجامعي لاحقاً.

ثانياً: المواد المدرسية للثقافة العامة (4 مواد – لا تدخل في المعدل)

هذه المواد مشتركة بين جميع الطلبة تقريباً بغض النظر عن المسار، وتُقيّم مدرسياً فقط، ويُشترط النجاح فيها للتخرج، دون احتساب علاماتها في معدل التوجيهي.

تشمل غالباً:

التربية الإسلامية، اللغة العربية أو اللغة الإنجليزية (غير المتقدمة)،  التربية الوطنية / الدراسات الاجتماعية، التربية الرياضية أو مهارات حياتية / مهارات مهنية

الهدف منها:

• الحفاظ على شمولية التعليم.

• بناء القيم والهوية والثقافة العامة.

• عدم ظلم الطالب في معدله الجامعي بمواد غير تخصصية.

الخلاصة التربوية

في الصف الثاني عشر:

الجامعة تنظر فقط إلى 4 مواد وزارية تخصصية(60%)

المدرسة تبقى مسؤولة عن بناء الإنسان المتكامل عبر 4 مواد مدرسية

وهكذا يحقق النظام الجديد توازناً دقيقاً بين:
- عدالة التقييم
- التخصص المبكر
- والبعد التربوي الشامل

وبذلك يتحقق توازن دقيق بين:

• عدالة التقييم المرتبط بالقبول الجامعي.

• الحفاظ على الثقافة العامة والقيم التربوية.

شروط الالتحاق بالمسارات… عدالة وقاية لا إقصاء

ربط بعض المسارات العلمية بنتائج الصف العاشر يهدف إلى:

• حماية الطالب من اختيار مسار لا يتناسب مع قدراته.

• رفع جودة المخرجات التعليمية.

• الانتقال من منطق الرغبة المجردة إلى الاختيار الواعي والمسؤول.

شهادة الثانوية العامة المدرسية… بُعد إنساني واجتماعي

من أبرز الإضافات في النظام الجديد استحداث شهادة الثانوية العامة المدرسية لكل من:

• أنهى الصف الثاني عشر بنجاح مدرسياً، حتى إن لم يتقدم للامتحان الوزاري.

وهذا يضمن:

• عدم ضياع سنوات الدراسة.

• تخفيف الوصم الاجتماعي للفشل.

• فتح بدائل مثل التدريب المهني، أو إعادة التقديم، أو دخول سوق العمل.

مع التأكيد أن:

شهادة التوجيهي الوزارية شرط للالتحاق بالجامعة.

نظام التحسين والفرص الثانية

يوفّر النظام:

• دورتين امتحانيتين سنوياً.

• إمكانية تحسين علامتين فقط كحد أقصى.

وهو توازن واعٍ بين:

• الجدية الأكاديمية.

• والعدالة النفسية والاجتماعية.

كيفية احتساب المعدل النهائي

يُحتسب المعدل وفق معادلة واضحة:
(معدل مواد الصف الحادي عشر × 40%) + (معدل مواد الصف الثاني عشر × 60%)

وهي معادلة:

• تشجع الجدية والاستمرارية.

• تنهي ثقافة “كل شيء في سنة واحدة”.

توصيات استراتيجية لضمان نجاح النظام

لتحقيق الأثر الحقيقي للتوجيهي الجديد، تبرز مجموعة من التوصيات المتكاملة:

1. تعزيز التوعية المجتمعية الشاملة
تنفيذ حملات توعوية وطنية للطلبة وأولياء الأمور والمعلمين، لشرح فلسفة النظام، وآليات التقييم، والمسارات، والحد من الإشاعات وسوء الفهم.

2. تأهيل المعلمين والإدارات المدرسية
تطوير برامج تدريب متخصصة في التعليم التراكمي، والتقييم المدرسي العادل، والإرشاد الأكاديمي والمهني.

3. تعزيز الإرشاد الأكاديمي والمهني المبكر
إدماج الإرشاد ابتداءً من الصف العاشر لمساعدة الطلبة على اختيار المسار المناسب لقدراتهم وميولهم.

4. ضبط جودة التقييم المدرسي
وضع أطر رقابية واضحة لضمان عدالة وموضوعية التقييم في المواد غير الوزارية، والحفاظ على مصداقية الشهادة المدرسية.

5. ربط المسارات بسوق العمل والتعليم المهني والتقني
تعزيز التكامل بين التوجيهي، والتعليم والتدريب المهني والتقني، واحتياجات سوق العمل، والحد من النظرة الدونية للمسارات المهاراتية.

6. عدم اختزال قيمة الطالب في المعدل الجامعي فقط
ترسيخ ثقافة تحترم التعدد في المسارات والنجاح، وتقدّر المهارات والكفاءة والإبداع.

7. مراجعة دورية للنظام وتطويره المستمر
اعتماد آلية تقييم وطنية دورية تعتمد على البيانات الميدانية والتغذية الراجعة لتطوير النظام باستمرار.

وفي الختام التوجيهي الجديد… فرصة وطنية تحتاج إلى وعي جماعي

التوجيهي الجديد في فلسطين ليس نظاماً مثالياً، لكنه يمثل نقلة نوعية في التفكير التربوي، ومحاولة جادة لإعادة بناء العلاقة بين التعليم، والطالب، وسوق العمل. نجاحه لا يتوقف على القوانين والتعليمات، بل على وعي الطلبة، ودور الأسرة، وكفاءة المدرسة، ومسؤولية المجتمع والإعلام.

وإذا ما أُحسن فهمه وتطبيقه، يمكن أن يتحول التوجيهي من كابوس سنوي إلى جسر آمن نحو الجامعة، أو التدريب المهني، أو العمل الكريم، وبما يخدم الفرد والمجتمع الفلسطيني على حد سواء.

شارك هذا الخبر!