رام الله /PNN/ رغم أن الشباب يشكلون أكثر من 60% من المجتمع الفلسطيني، ما يزال حضورهم في رئاسة الهيئات المحلية محدودًا وخجولًا، وغالبًا رمزيًا. هذا الواقع كان محور نقاش موسّع في برنامج صوت الشباب عبر شبكة وطن الإعلامية، بمشاركة رئيسة بلدية بيت لقيا أريج عاصي، والناشط الشبابي محمد بشير، حيث جرى تفكيك أسباب هذا الغياب، ومناقشة دور القانون والأحزاب والثقافة المجتمعية في إعادة إنتاج الإقصاء الشبابي عن مواقع القرار المحلي.
أرقام تكشف الفجوة
بحسب بيانات لجنة الانتخابات المركزية للانتخابات المحلية عام 2021، لم تتجاوز نسبة تمثيل الشباب الفائزين 19.4% في المجالس القروية و16% في المجالس البلدية، فيما لم تتجاوز نسبة الشباب الفائزين بالتزكية 24%. أرقام تعكس فجوة كبيرة بين الوزن الديمغرافي للشباب ومكانتهم في القيادة المحلية.
الاقتصاد والبطالة يقودان العزوف
وأكدت رئيسة بلدية بيت لقيا، أريج عاصي، أن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع معدلات البطالة تدفع الشباب إلى ترتيب أولوياتهم نحو تأمين مصدر دخل على حساب الانخراط في العمل العام، مشيرة إلى أن “الاستقرار المعيشي يسبق التفكير بالمشاركة السياسية، خاصة في ظل حملات انتخابية تتطلب جهدًا ووقتًا وموارد مالية.”
الاحتلال والسياسة يعمّقان الإحباط
من جانبه، رأى الناشط الشبابي محمد بشير أن الواقع بعد السابع من أكتوبر خلق حالة خوف إضافية من المشاركة، في ظل الاعتقالات والتضييق، إضافة إلى وجود شروط سياسية وقانونية على العملية الانتخابية وصفها بأنها "ُقصي قطاعًا واسعًا من الشباب، وتدفعهم إلى العزوف بدل الانخراط".
العائلية تُفرغ المجالس من مضمونها
واتفق الضيفان على أن هيمنة الاعتبارات العائلية والعشائرية على الانتخابات المحلية تُحوّل المجالس إلى مجالس تمثيل عائلي لا خدماتي، ما يُضعف ثقة الشباب بالمؤسسات المحلية، ويدفعهم للبحث عن مساحات بديلة للتعبير عن طاقاتهم، غالبًا خارج قراهم ومدنهم.
تجربة أريج عاصي… نموذج قابل للتكرار?
استعرضت عاصي تجربتها في رئاسة بلدية بيت لقيا منذ أواخر العشرينيات من عمرها، مؤكدة أنها واجهت تشكيكًا واسعًا بسبب سنّها وكونها امرأة، إلا أن "العمل الميداني والإنجازات الملموسة كانا المفتاح لكسب ثقة المجتمع". واعتبرت أن وجود مجلس شبابي فعّال يغيّر من أولويات العمل البلدي نحو الأطفال، والشباب، وذوي الإعاقة، ويُدخل مفاهيم الإدارة الحديثة.
الأحزاب… غياب التجديد يعمّق الفجوة
انتقد المتحدثان أداء الأحزاب الفلسطينية، مؤكدين أن بقاء القيادات نفسها لعقود دون تجديد فعلي يُضعف ثقة الشباب، ويدفع كثيرين إلى تبنّي خطاب الاستقلال السياسي أو العزوف عن العمل الحزبي. كما شدد بشير على ضرورة ترسيخ الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب، وتخصيص نسب إلزامية للشباب والنساء في مواقع القيادة.
تعديل القانون خطوة مهمة… لكنها غير كافية
ورحّب الضيفان بتعديل قانون الانتخابات بخفض سن الترشح من 25 إلى 23 عامًا، ورفع الكوتة النسائية إلى 30%، معتبرين ذلك تطورًا إيجابيًا، لكنه غير كافٍ وحده. وأكدوا أن غياب كوتة شبابية، واستمرار الشروط السياسية على الترشح، يحدّان من الأثر الحقيقي لهذه التعديلات.
هل الكوتة الشبابية هي الحل؟
طرحت الحلقة فكرة تخصيص كوتة شبابية في الهيئات المحلية، على غرار الكوتة النسائية، لضمان حد أدنى من تمثيل الشباب في المجالس ورئاستها. واعتبر المتحدثان أن الكوتة يمكن أن تكون مرحلة انتقالية ضرورية لكسر الحواجز الثقافية وفتح المجال أمام قيادات شابة جديدة.
رسالة للشباب والمجتمع
وجهت أريج عاصي رسالة للشباب دعتهم فيها إلى عدم التخلي عن حقهم في المشاركة والترشح، مؤكدة أن "العمل العام مسؤولية وطنية، والشباب هم عماد المجتمع الفلسطيني"، فيما دعا محمد بشير المجتمع المحلي إلى إعادة بناء ثقته بالشباب، والتعامل معهم كواقع قيادي لا كخزان انتخابي أو هامش استشاري.
وخلصت الحلقة إلى أن خفض سن الترشح إلى 23 عامًا خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها ما لم تُرافق بإصلاحات قانونية أوسع، وتغيير ثقافي عميق، وتجديد حقيقي في الأحزاب والمؤسسات المحلية. فتمكين الشباب من القيادة ليس ترفًا سياسيًا، بل شرط أساسي لتجدد المجتمع وبناء نظام محلي أكثر عدالة وفاعلية واستجابة لاحتياجات الناس.