الشريط الاخباري

حنين حميد : امرأة تصنع نكهة القرية وتحفظ تراث المطبخ الفلسطيني من عابود إلى كل البلاد

نشر بتاريخ: 22-01-2026 | أقتصاد , ثقافة وفنون , PNN مختارات , قناديل من بلدي
News Main Image

رام الله / PNN/ وصال أبو عليا - بدأت جذور الحكاية في قرية عابود شمال غرب رام الله، حيث تحتفظ البيوت الحجرية بذاكرة العائلة، لتشرع حنين حميد برحلتها التي ستصبح اليوم إحدى أجمل قصص التمكين الريفي. ترعرعت حنين في أسرة تعتزّ بالطبخ التقليدي، وتعتبر وصفات الجدّات جزءًا من الهوية التي لا يجوز التفريط بها. كان عبق "السماق" و"الزعتر البلدي" ورائحة الخبز الساخن ينساب من مطبخ بيتها ليشكل أول مدرسة في حياتها.

كبرت حنين وهي ترى كيف كانت والدتها وجدّتها تُحوِّلان الطعام إلى حكاية، وإلى مساحة يجتمع فيها أفراد العائلة. شيئًا فشيئًا، لم يعد الطبخ بالنسبة لها عملاً منزليًا أو مهارة جانبية، بل صار شغفًا متجذّرًا، وإحساسًا بالمسؤولية تجاه إرث لا بُدّ من استعادته وصيانته من الاندثار.

تأسيس “مطبخ الختيارة”: من حلم صغير إلى علامة محلية

تقول حنين حميد: "من هذا الارتباط العميق بالتراث، وُلدت فكرة مطبخ الختيارة". ولم يكن المشروع سهلاً في بداياته؛ فقد انطلق من مطبخ منزلي بسيط، بإمكانات متواضعة، وبإصرار عالٍ على أن الأصالة قادرة على شق طريقها مهما كانت الظروف، هذا ما أكدته حنين التي بدأت بصناعة الأكلات التراثية مثل المفتول، المجدرة، المعجنات البلدية، والكعك، ومع الوقت بدأت الطلبات تتزايد على منتجاتها.

كان نجاح المشروع في بداياته قائمًا على عاملين: الطعم الأصيل الذي يعيد للأهالي ذاكرة البيوت الأولى، والثقة التي بنتها حنين مع المجتمع المحلي.  

وتؤكد حنين أنه بدعم نساء القرية اللواتي التحقت بهنّ في فريق العمل، تجسّد المشروع كمساحة عمل نسوية قائمة على التعاون، والتعلّم، والتطوير المستمر. وأصبح "مطبخ الختيارة" نموذجًا لمشروع يعتمد على التراث لكنه يعمل بروح معاصرة، ويمثّل المرأة الفلسطينية التي تسعى لتغيير واقعها وواقع مجتمعها من خلال عمل منتج ومستدام.

إدارة برؤية جديدة: تطوير الوصفات وتوسيع المساحات

لم تكن حنين مجرد طاهية ماهرة، بل قائدة تعرف كيف تدير العمل. فقد عملت على تنظيم الإنتاج، ووضع خطة لتطوير الوصفات بما يلائم احتياجات السوق دون التنازل عن الأصالة. فمثلاً، أدخلت تحسينات جديدة على بعض الأطباق، وابتكرت توليفات جديدة تمزج بين المذاقات الفلسطينية وكماليات العصر، مما منح منتجاتها تميزًا إضافيًا.

كما أولت اهتمامًا كبيرًا لعمليات التسويق، فبدأت بتطوير هوية بصرية بسيطة للمطبخ، وتوسيع طرق التوصيل، والتواصل مع فعاليات مجتمعية عبر البازارات والأنشطة المحلية. ومع مرور الوقت، بدأ مشروعها يتحول إلى عنوان ثابت لكل من يبحث عن الأكلات التراثية بنكهتها الحقيقية.

الدخول إلى مجال الألبان والأجبان التقليدية

ومع ازدياد الطلب وثقة الزبائن، تؤكد حنين أنها خطت خطوة مفصلية في تطوير مشروعها؛ فقد توسعت إلى إنتاج الألبان والأجبان بطريقة منزلية تقليدية تعتمد على اللبن البلدي، والجبنة العربية، واللبنة المكبوسة، والجميد.

هذا التوسع لم يكن مجرد إضافة جديدة في قائمة المنتجات، بل كان نقلة نوعية رفعت من مستوى المشروع، وفتح مجالاً جديدًا للتنويع والتوزيع. فقد رأت حنين أن منتجات الألبان والأجبان ليست جزءًا من التراث فحسب، بل حاجة غذائية يومية يمكن للمشروع أن يلبيها بجودة عالية وطعم أصيل.

تقول حنين إن صناعة الجبنة البلدية تتطلب "يدًا تعرف الطريق"، وإن الحفاظ على النكهة التقليدية هو سر نجاحها، ولهذا تعمل يوميًا على مراقبة الجودة، وتطوير آليات إنتاج آمنة، مع الحفاظ على الطابع البلدي الذي يميّز منتجات القرية.

أثر اجتماعي يتسع: تمكين المرأة الريفية وتثبيت الهوية الغذائية

لم يكن مشروع حنين مجرد تجارة أو مبادرة منزلية، بل صار منصة تمكين نسوية ورافعة اقتصادية للعديد من نساء القرية. فقد وفّر فرص عمل مرنة لربات بيوت يبحثن عن مصدر دخل دون الاضطرار إلى ترك أسرهن، كما ساعد في نقل مهارات تقليدية من جيل إلى آخر.

أصبح "مطبخ الختيارة" مساحة يتعلّم فيها الجيل الجديد معنى الانتماء إلى الأرض والطعام، وكيف يمكن للمرأة الريفية أن تكون صانعة للتنمية، وحامية للهوية، ومحرّكة للاقتصاد المحلي.

من خلال حنين، أثبتت القرية أن المشاريع الصغيرة قادرة على خلق تغيير حقيقي، وأن المرأة الفلسطينية عندما تتوفر لها الإمكانات تتحول إلى قوة منتجة وملهمة.

رؤية مستقبلية 

تمضي حنين اليوم بخطوات واثقة نحو تحويل مشروعها إلى علامة غذائية فلسطينية أوسع انتشارًا، وتسعى لإطلاق خط إنتاج خاص يحمل اسم "الختيارة" لمنتجات الألبان والأجبان والمأكولات التراثية. كما تطمح إلى المشاركة في معارض وطنية ودولية لعرض منتجات القرية التي تحمل نكهة الأرض الفلسطينية وتراثها العريق.

حنين حميد ليست مجرد امرأة تعمل في الطبخ، بل قصة إصرار، ومرآة لنساء ريفيات يُجدن تحويل الإرث إلى عمل، والعمل إلى نجاح، والنجاح إلى أثر يفيض على العائلة والمجتمع والوطن.

تم اعداد وإنتاج هذه القصة  ضمن مشروع خطوات بتمويل من الاتحاد الأوروبي

شارك هذا الخبر!