ملخص: يتناول هذا المقال دور الفكر الإيجابي بوصفه أداة نفسية–اجتماعية فاعلة في مواجهة السلبيات المجتمعية، وبناء القدرة الذاتية لدى الأفراد في ظل الأزمات المتراكمة. ويُبرز المقال العلاقة بين الفكر والسلوك، وأثر الإيجابية الواعية في تعزيز المرونة النفسية، وتنمية المهارات، وتحفيز الحراك المجتمعي، مع التأكيد على أهمية التعاضد الاجتماعي والثقة بالله كمرتكز أساسي للصمود والتحوّل الإيجابي*
يُعدّ المجتمع كيانًا ديناميكيًا متغيّرًا، يتكوّن من شبكة معقّدة من الأفراد الذين يحملون منظومات فكرية وسلوكية متباينة، تتأثر بالسياق الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي، وبالتجارب الفردية والجماعية المتراكمة. ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال المجتمع في صورة إيجابية أو سلبية مطلقة، بل النظر إليه بوصفه محصلة تفاعل مستمر بين أنماط متعددة من التفكير، يتقدّم فيها البناء أحيانًا، ويتراجع تحت ضغط الأزمات أحيانًا أخرى.
*ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يُفهم السلوك الإنساني على أنه نتيجة مباشرة لعملية الإدراك والتفسير المعرفي للأحداث*، حيث لا يؤثر الحدث بذاته بقدر ما يؤثر المعنى الذي يمنحه الفرد له. وعندما تتكاثف الأزمات الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، ترتفع احتمالية انتشار الفكر السلبي بوصفه آلية دفاع نفسية تهدف إلى التبرير أو التنفيس الانفعالي. غير أن الخطورة تكمن في تحوّل هذا النمط من استجابة مؤقتة إلى بناء معرفي دائم، يُنتج سلوكيات الانسحاب، والعجز المتعلّم، وفقدان الدافعية، ويقود في النهاية إلى إضعاف القدرة على التكيّف الإيجابي.
ومع استمرار هذه الحالة، قد تتحول السلبية إلى ثقافة جمعية تُعاد إنتاجها عبر الخطاب اليومي والعلاقات الاجتماعية وأنماط التنشئة، ما ينعكس سلبًا على الإحساس بالمسؤولية الفردية والجماعية. وتشير الأدبيات النفسية إلى أن هذا المسار يؤدي إلى تآكل رأس المال النفسي والاجتماعي، ويضعف الثقة الداخلية بين الأفراد، ويحدّ من قدرة المجتمع على الصمود أمام التحديات.
في المقابل، يبرز الفكر الإيجابي بوصفه خيارًا معرفيًا واعيًا، لا حالة انفعالية عابرة أو تفاؤلًا ساذجًا. *فالإيجابية العلمية* لا تقوم على إنكار الواقع أو التقليل من حدة الأزمات، بل على إعادة تفسيرها ضمن إطار يسمح بالفعل، والتعلّم، والتطوير. ويُعد هذا النمط من التفكير أحد المحددات الرئيسة للصحة النفسية، إذ يرتبط بالمرونة النفسية، والقدرة على حل المشكلات، وضبط الانفعالات، وتعزيز الدافعية الداخلية.
*وتؤكد دراسات علم النفس العملي أن الأفراد الذين يتبنون فكرًا إيجابيًا واقعيًا يكونون أكثر قدرة على تحويل الضغوط إلى محفزات للنمو*، واستثمار التجارب السلبية في بناء خبرات حياتية تعزّز الكفاءة الذاتية والشعور بالقدرة. وبهذا المعنى، لا يقتصر أثر الفكر الإيجابي على حماية الفرد نفسيًا، بل يمتد ليؤثر في المحيط الاجتماعي من خلال نشر أنماط سلوكية قائمة على المبادرة، وتحمل المسؤولية، والعمل التشاركي.
كما *يلعب التعاضد المجتمعي* دورًا محوريًا في تعزيز هذا التوجه، إذ تؤكد نظريات الدعم الاجتماعي أن وجود شبكات قائمة على الثقة والتكافل الإنساني يُعد عاملًا حاسمًا في مواجهة الأزمات. ففي كل مجتمع، مهما اشتدت ظروفه، يظهر أفراد يمتازون بالطموح والالتزام، يعملون بصمت، ويحوّلون الأفكار البسيطة أو الهامشية إلى خطوات عملية واستراتيجيات فاعلة، مثبتين أن التغيير الحقيقي يبدأ من وعي الإنسان بذاته ودوره، لا من وفرة الإمكانات.
*ومن منظور التحول الاجتماعي*، تُعدّ الأزمات لحظات فاصلة تعيد تشكيل وعي المجتمعات، حيث تدفع الأفراد والجماعات إلى إعادة النظر في أولوياتهم وأنماط تفكيرهم وطرق تفاعلهم مع الواقع. وفي هذه المراحل، قد يدخل المجتمع في حالة من الحراك الإيجابي، تتولد فيها حلول مبتكرة لم تكن مطروحة سابقًا، ويتحوّل الضغط إلى فرصة لإعادة البناء على أسس أكثر نضجًا ووعيًا.
إن مواجهة السلبيات المجتمعية تبدأ من بناء القدرة الذاتية لدى الفرد، تلك القدرة التي تمكّنه من تطوير مهاراته، وتنمية إمكاناته، والحفاظ على توازنه النفسي في ظل المتغيرات. ويُعد هذا البناء عملية تراكمية تتطلب وعيًا ذاتيًا، وانضباطًا داخليًا، وإيمانًا عميقًا بجدوى الجهد والعمل المستمر. *وفي هذا السياق، تشكّل الثقة بالله ركيزة نفسية وروحية أساسية*، إذ تمنح الإنسان طمأنينة داخلية، وتخفف من وطأة القلق، وتعزز الإحساس بالمعنى، وتدعم القدرة على الصبر والمثابرة دون الوقوع في الاستسلام.
*وفي الخلاصة*، يمكن التأكيد أن الفكر الإيجابي ليس ترفًا فكريًا ولا خطابًا تحفيزيًا عابرًا، بل هو ضرورة نفسية واجتماعية، وأحد الشروط الجوهرية للنهوض الفردي والجماعي. فحين يختار الأفراد مواجهة السلبية بالوعي، وبناء ذواتهم بالعمل، وتعزيز سلوكهم بالإيمان، يتحوّل المجتمع تدريجيًا من ساحة الأزمات الي منطقة الإنجازات، ومن حالة التأثر السلبي إلى فاعل حقيقي في صناعة التحوّل والمستقبل للأفضل والغد المشرق.