الشريط الاخباري

أزمة غرينلاند وحدود التحرر الأوروبي بقلم د. سنية الحسيني

نشر بتاريخ: 23-01-2026 | أفكار
News Main Image

تتصاعد أزمة جديدة عبر الأطلسي، وهذه المرة تدور حول جزيرة غرينلاند الدنماركية. لا تكمن المعضلة في تفاصيل تلك الأزمة، بقدر ما تعكس تخبطاً أوروبياً في مواجهة حقبة جديدة، لا تشكل فيها الولايات المتحدة الحليف والشريك، بل المنافس وقد يكون العدو. يرفع تصاعد الأزمات وحدتها عبر الأطلسي تساؤلات عديدة، ليس فقط فيما يتعلق بشراكة استراتيجية غربية عبر الأطلسي طالت لعقود، بل بقواعد أيديولوجية ليبرالية، حكمت الثقافة والسياسة والاقتصاد الغربي، حول نظرية السلام الديمقراطي، وتحريم الحرب بين تلك الشعوب التي تتبناها. لم يكتف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتهديد اقتصادي وتجاري لحلفائه الغربيين، بل لجأ لتهديدتهم عسكرياً، عندما صرح بإمكانية اجتياح الجزيرة الدنماركية بالقوة، واضعاً حلفاءه وأعداءه دون تمييز تحت سهام ذات التهديد بالقوة المفرطة التي تمتلكها الولايات المتحدة، كوسيلة للضغط والإجبار. بالقوة، اختطف ترامب رئيس فنزويلا معتدياً على سيادتها، تماماً، كما اعتدى على سيادة إيران، موجهاً صواريخ بلاده لتدمير قدراتها، ويهدد اليوم بإزالتها عن وجه الأرض عبر التهديد النووي. وبالقوة، يفرض ترامب حلولاً على الفلسطينيين في غزة، في قضية لا تختلف دولة في العالم حول عدالتها، والظلم التاريخي الذي وقع على الفلسطينيين. فهل يشكل سلوك الولايات المتحدة الدولي مقدمة لسياسات إستراتيجية جديدة من قبل القوى القطبية الأخرى، خصوصاً الغربية؟

لم تكن تهديدات ترامب الأخيرة حول السيطرة على جزيرة غرينلاند في القطب الشمالي بالمفاجئة، فقد لمّح إلى ذلك منذ سنوات في ولايته الأولى، عندما طرح فكرة شرائها في العام ٢٠١٩، وأجرى محادثات غير رسمية مع الدنمارك حول ذلك. وعاد وهدّد بذلك خلال العام الماضي، بعد وصوله الثاني للحكم. وفي العقود الأخيرة، تزايد الاهتمام الجيوسياسي بمنطقة القطب الشمالي، وباتت الولايات المتحدة تتحدث صراحة حول أهمية غرينلاند.

وطالما شكلت هذه الجزيرة أهمية للولايات المتحدة، فمنذ القرن التاسع عشر، اعتبر وزير الخارجية الأميركي ويليام سيوارد أن شراء غرينلاند من الدنمارك سيكون خطوة إستراتيجية مفيدة، وفق المنطق التوسّعي، وكذلك الهيمنة على ممرات شمال الأطلسي، كلاعب رئيس في طرق التجارة القطبية المستقبلية، وكذلك منافسة قوى عظمى، وترسخ مكانتها العالمية، والذي جاء في إطار إستراتيجية شراء الأراضي في تلك الفترة. في العام ١٩١٠، تمت مناقشة اقتراح لتبادل أراضٍ يشمل غرينلاند مع الدنمارك. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في العام ١٩٤٦ عرضت الولايات المتحدة مرة أخرى وبشكل رسمي شراء غرينلاند من الدنمارك مقابل ١٠٠ مليون دولار، خلال عهد الرئيس هاري ترومان في بداية الحرب الباردة. وخلال الحرب العالمية الثانية بنى الجيش الأميركي قواعد عسكرية في غرينلاند، وفي العام ١٩٥١، وقعت الولايات المتحدة مع الدنمارك معاهدة دفاعية سمحت للأولى بالاحتفاظ بقواعد ووجود عسكري، وهو ما جعل الجزيرة نقطة دفاعية إستراتيجية على الدوام. فقد حرصت واشنطن، خلال صراعها مع الاتحاد السوفييتي، على تأمين مواقع في القطب الشمالي لمراقبة التحركات السوفييتية وتحصين قدراتها الدفاعية.

تكمن أهمية غرينلاند المعلنة اليوم بالنسبة للولايات المتحدة في موقعها الاستراتيجي، فهي تقع عند مدخل القطب الشمالي، بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتطل على المحيط المتجمد الشمالي وشمال الأطلسي، مما يجعلها حلقة وصل جوية وبحرية بين القارتين. لذلك تعتبر بوابة أو ممر استراتيجي للسفن وللغواصات التي تمر في شمال أوروبا، وحيوية لأمن الأطلسي. كما تقع الجزيرة في أعلى خطوط العرض الشمالية، فتشكل أقصر مسار للرحلات الجوية بين القارتين مقارنة بالطرق التقليدية. وتسخر الولايات المتحدة قاعدتهاالعسكرية في الجزيرة، لأغراض الرقابة على التحركات البحرية والجوية في القطب الشمالي، بالإضافة لدورها العسكري. ويعد ذلك الموقع من منظور عسكري أميركي ضروري أيضاً كخطوط محتملة لمسارات الصواريخ الموجه ضد الولايات المتحدة عبر القطب الشمالي. لذلك تعتبر الولايات المتحدة أن سيطرتها على مجال الجزيرة الجوي العسكري مهم للرصد المبكر والتصدي في حالة هجمات محتملة. وتمتلك الولايات المتحدة بالفعل قاعدة جوية رئيسية في الجزيرة تزرع فيها رادارات وأجهزة تتبع فضائية، للتحذير المبكر. من الناحية الاقتصادية، تزايدت أهمية الجزيرة مع ذوبان الجليد نتيجة لتغيّر المناخ، فأصبحت الطرق البحرية تمر عبر القطب الشمالي بشكل أسرع من المسارات التقليدية، الأمر الذي يقلل من زمن النقل التجاري بين أوروبا وآسيا وأمريكا. يأتي ذلك بالإضافة إلى توفر احتياطيات كبيرة من النفط، والغاز، والمعادن النادرة، كاليورانيوم ومعادن أرضية نادرة ضرورية للتكنولوجيا الحديثة.

يأتي تصرح ترامب الذي أطلقه حول أهدافه بالسيطرة على الجزيرة لمحاصرة نفوذ روسيا والصين في القطب الشمالي، في ظل عدم وجود عسكري أو أمني للبلدين حولها مثير للاستغراب، إلا أن موقع غرينلاند بالنسبة للولايات المتحدة وبالنسبة للقوى القطبية المنافسة لها الروسية والصينية قد يجيب على تلك التصريحات جزئياً. فالجزيرة تعد الأقرب جغرافيا في موقعها من الولايات المتحدة مقارنة بدول القارة الأوروبية نفسها التي تنتمي اليها الجزيرة، بالإضافة إلى أنها غير بعيدة عن الأراضي الروسية، ناهيك عن دورها الدفاعي وقي الإنذار المبكر. إلا أن الإجابة الأشمل قد تتعلق بمخططات ترامب الحالية، وتوجهاته نحو مهاجمة حلفاء روسيا والصين، والتي بدأت بالفعل في فنزويلا، وتمتد بتهديدات قائمة ضد إيران، في ظل انفتاح على سيناريو حرب أشمل، قد تحتاج الولايات المتحدة في حال حدوثها لتأمين نفسها، من هجمات محتملة.وتشير التطورات التالية لذلك بالفعل.

أشارت تقارير إعلامية غربية حديثة بتحرك مجموعة حاملة الطائرات الأمريكية "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى منطقة الشرق الأوسط، والتي رُصدت وهي تبحر مبتعدةً عن الفلبين، باتجاه المنطقة. كما شهدت المنطقة تعزيزات جوية عسكرية أميركية في الأيام الأخيرة، فغادرت ١٢ طائرة مقاتلة من طراز (F-15E Strike Eagle) من قاعدة (RAF Lakenheath) في بريطانيا باتجاه الشرق الأوسط. وتناقلت عدد من الصحف العالمية مؤخراً أخبار حول تحرك عدد من طائرات تزويد الوقود الجوي KC-135، وتسارع رحلات طائرات C-17 من بريطانيا للمنطقة، وهي طائرات عملاقة مخصصة لنقل كميات كبيرة من المعدات، والجنود، والمركبات الثقيلة. وتحدث ترامب كذلك عن تعزيزات إضافية يمكن أن تكون متجهة للمنطقة، تشمل طرادات ومدمرات صواريخ، بالإضافة إلى أسراب مقاتلات تابعة لسلاح الجو وأنظمة دفاع جوي صاروخي أرضية. وقد ذكرت تقارير سابقة نقل غواصة نووية متقدمة من نوع فرجينيا إلى القاعدة الأميركية في غرب المحيط الهادئ، وبالقرب من الصين. ويمكن اعتبار جميع تلكالتحركات الأميركية الأخيرة في إطار رفع الجاهزية في تلك المناطق. ويوجد في منطقة الشرق الأوسط حوالي ٣٠ ألف جندي أمريكي، في دول مثل قطر،والأردن، وسوريا، والعراق. وقد سربت معلومات حول اخلاء مؤقت لبعض الطائرات والأفراد من قاعدة العديد في قطر. 

تسببت تصريحات ترامب الأخيرة حول غرينلاند بأزمة سياسية مع حلفائه الغربيين، والتي اعتبروها انتهاك لسيادة الدنمارك والقارة الأوروبية برمتها. أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستفرض رسومًا جمركية بنسبة ١٠٪ على واردات من ثماني دول بما فيها فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا، بدءًا من مطلع الشهر المقبل، وسترتفع إلى ٢٥٪ في منتصف العام الجاري، إذا لم تقبل هذه الدول شراء أميركا لغرينلاند، التي اعتبر السيطرة الأميركية عليها قضية أمن قومي. مع تصعيد ترامب لأطماعه في غرينلاند، تقف أوروبا في جبهة موحدة ترفض أي تغيير في سيادة الجزيرة، وأي محاولة لضمها. وردت ثماني دول أوروبية من بينها فرنسا وألمانيا وبريطانيا في بيان مشترك ترفض فيه التهديد الأميركي بفرض رسوم جمركية تصاعدية على الدول التي تدعم سيادة الدنمارك وغرينلاند، معتبرة أنها «تقوض العلاقات عبر الأطلسي، وتهدد أمن الحلفاء، وقد تدفع العلاقات إلى تدهور خطير».
دعت فرنسا إلى تفعيل آليات الاتحاد الأوروبي لمكافحة الإكراه في حال نفذ ترامب تهديداته، وهي أداة تهدف لمنع الشركات الأميركية من الوصول إلى السوق الأوروبية المشتركة. كما ركز الرد الأوروبي على مطالب بتعزيز التعاون الأمني في المنطقة القطبية، والتحذير من خطر سياسة الولايات المتحدة على مستقبل «حلف الناتو»، والصراع بين الحلفاء. كما بدأت تطفو طروحات حول ردود اقتصادية ورسوم مضادة، في سبيل حماية السيادة الأوروبية من الأطماع الأميركية، التي باتت تمس الحلفاء الغربيين. لم يُصدّق الاتحاد الأوروبي على الاتفاقية الإطارية للتجارة مع واشنطن في تموز الماضي، بعد تصاعد المعارضة للاتفاقية في البرلمان الأوروبي على مدى أشهر، وبلغ ذلك الرفض ذروته يوم السبت عندما أعلنت أكبر كتلة سياسية في البرلمان الأوروبي، حزب الشعب الأوروبي المنتمي ليمين الوسط، بأنه لن يصوّت لصالح الاتفاقية في ظل تهديدات ترامب. وكان التكتل الأوروبي قد صاغ العام الماضي قائمة عقوبات جمركية تصل قيمتها لـ ٩٣ مليار يورو للرد على السياسات الأميركية. ومع أنها لم تنفذ، إلا أن القائمة تظل سلاحاً متاحاً إذا قرر القادة تبنيه في اجتماعهم المتزامن مع منتدى «دافوس» الإقتصادي القائم حالياً.

تشير تلك التطورات إلى شرخ داخل حلف الناتو، المؤسسة العسكرية الغربية الجماعية الأكبر والأقوى في العالم، ويصعد القلق الأوروبي من تداعيات على تماسك الحلف، وأثر ذلك على الأمن الأوروبي برمته. إن هذا يذكرنا بالأزمة التي افتعلها ترامب في فترة رئاسته الأولى حول تمويل «الناتو»، والتهديد بالانسحاب منه، وفرض على أعضائه رفع نسبة مساهمتهم في ميزانيته بـ ٥٪ من ميزانيات دولهم، لتخليص الولايات المتحدة من العبء المالي الأكبر، وهي الأزمة التي دقت ناقوس الخطر لدى الأوروبيين في تحالفهم مع الولايات المتحدة. وألحق ترامب ذلك بفرض رسوم جمركية على شركائه الغربيين، في بداية العام الجاري، ثم تراجع عنها بعد ذلك.

أثّرت تهديدات ترامب على الأسواق المالية، إذ انخفض مؤشر الدولار والأسهم الأميركية بينما صعدت قيمة سلع تنافسية مثل الذهب والفضة، ما يعكس انزعاج المستثمرين من احتمالات تصعيد تجاري أوسع. وعلى الرغم من قوتها العسكرية والاقتصادية، فإن للولايات المتحدة نقطة ضعف رئيسية، فهي تعتمد على الآخرين لسداد ديونها عبر عجز خارجي كبير». ويتجاوز الدَّين القومي الأميركي ٣٨ تريليون دولار، وسجلت البلاد عجزًا قدره ١.٧٨ تريليون دولار في عام ٢٠٢٥. تُعدّ أوروبا أكبر مُقرض للولايات المتحدة: إذ تمتلك الدول الأوروبية سندات وأسهماً أميركية بقيمة ٨ تريليونات دولار. كما يستمد الدولار قيمته من مكانة الولايات المتحدة، وليس مدعّماً بالذهب كالعملات الأخرى، الأمر الذي يعرّض قيمته للخطر، كلما اهتزت الثقة بالولايات المتحدة.

حذر وزير مالية فرنسا من أن محاولة أميركا السيطرة على غرينلاند ستؤدي إلى بحث أوروبا عن شركاء تجاريين ودعم بدائل متعددة الأطراف، وهو ما قد يفيد قيم التعاون مع «البريكس» مستقبلاً. فقد يفتح التوتر بين أوروبا والولايات المتحدة مجالًا للدول الأعضاء في «البريكس» لتعزيز استراتيجيتهم. و» البريكس» هي مجموعة اقتصادية عالمية تأسست في العام ٢٠٠٩، وتضم البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا، وتوسّعت لتشمل دولًا أخرى بعد ذلك. وتهدف المجموعة في الأساس لتعزيز التعاون بين الاقتصادات الناشئة وإعادة توازن النظام المالي العالمي بعيدًا عن الهيمنة الغربية والدولار الأميركي، وترسخ ذلك بسبب الأزمات الاقتصادية، وفرض العقوبات الأميركية والغربية على دول مثل روسيا وإيران وغيرها. تعتبر «البريكس» أن اعتماد نظم التجارة الدولية التقليدية على الدولار الأميركي كعملة احتياطية وسائدة للمعاملات الدولية يمثل عائقًا أمام نمو اقتصاد دولها، وتسبب في تعرّضها لصدمات اقتصادية، خصوصاً عند حدوث توترات جيوسياسة.

وطُرحت في «البريكس» خطط لتطوير “عملة مشتركة” أو منظومة للدفع عبر «البريكس»، لتقليل الاعتماد على الدولار واتجاه نحو تسويات مالية رقمية بالعملات الرسمية المحلية لدولها. وتتجه مجموعة «بريكس» إلى توسيع المدفوعات غير المرتبطة بالدولار، حيث تسعى دول المجموعة للابتعاد عن منظومة المراسلات المصرفية «سويفت»، التي تسيطر عليها الولايات المتحدة. وطرح البنك المركزي الهندي مؤخرًا ربط العملات الرقمية المركزية الرسمية الخاصة بدول «البريكس» لتسهيل التجارة والدفع عبر الحدود، الأمر الذي يقلل الاعتماد على الدولار تدريجيًا. وبينما لا يوجد إجماع بعد داخل «البريكس» بشأن العملة الموحدة، تقود كل من موسكو وبكين مبادرة «بريكس باي»، وهو نظام مراسلة للدفع الإلكتروني يُسهّل التجارة بين دول «البريكس» بعملاتها المحلية. ومن الجدير بالذكر أن تجارة السلع، وخاصة النفط، بعملات غير الدولار شهدت ارتفاعًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من محاولات «البريكس»، لا تزال العملة الأميركية محفوظة كأكبر عملة احتياطية عالمية، لكن حصتها في الاحتياطيات تنخفض عبر السنوات، الأمر الذي يعكس مؤشراً على تراجع تدريجي للهيْمَنة الكلية. وحذر ترامب دول «بريكس» من استبدال الدولار كعملة احتياطية مكرراً تهديده السابق بفرض رسوم جمركية كبيرة عليها. هل يتمكن «اليورو» وعملات دول «البريكس» من الحد من الاعتماد العالمي على العملة الأميركية، في ظل تصاعد التوترات العالمية التي يثيرها سلوك ترامب في المدى المنظور؟

 

شارك هذا الخبر!