الشريط الاخباري

حين يسبق القلب الخبر: مونولوج في حضرة الفقد بقلم وصال أبو عليا

نشر بتاريخ: 23-01-2026 | أفكار
News Main Image

لم أكن في البيت حين استشهد مناضل.

لكنّني كنت هناك، في اللحظة التي لا زمن لها، حيث القلب يسبق العقل، والروحتعرف قبل أن تُخبَر. هناك، انكسر شيء في صدري بلا سبب، كأنّ الاسمتعثّر داخلي قبل أن يُنطق، وكأنّ الوجود أرسل إشاراته الأولى قبل أن تُقالالحقيقة بصوتٍ عالٍ.

 

مناضل… لم يكن اسمه محايدًا، بل موقف، نبوءة صامتة، طريق يعرف نهايتهولا يتراجع. حمل الاسم، ولم يحمله، وكان له من اسمه نصيب كامل، كأنّ المعنىاختاره قبل أن يختار الحياة.

تصرّ الفلسفة على ترتيب الأشياء: عقل، ثمّ شعور، ثمّ معرفة. لكنّ الفقد يعيدترتيب الوجود. القلب يعرف قبل العقل، والجسد يصبح وعاءً لتلقي المعنى، لامجرد مادة. بعض الحقائق لا تُفهم، بل تُصيب.

 

حين جاء الخبر، لم تكن صدمة، بل توقيع على ما كان القلب يعرفه منذ البداية. لم أستطع أن أكون معه عند الرحيل، لم يُمنح لي ترف الوداع. لم أره على سريرالمشفى، ولم أتمكن من أن أمسك يده في اللحظات الأخيرة، حيث تُعرّفالنهاية، الإنسان على ذاته. كان الغياب أسرع من خطواتي، والموت أكثراستعجالًا من دموعي. شعرت بأنّ جزءًا مني اختفى مع جسده قبل أن أستطيعأن أقول له: أنا هنا، وأنّك لم تكن وحدك في العتمة الأخيرة.

أن أصل متأخرة إلى استشهاد أخي يعني أن الفعل الإنساني الأساسيانتُقص: حيث الحضور عند النهاية. ومن يُحرَم الوداع، يُحرَم ترتيب حزنه. فالألم يبقى مفتوحًا، بلا شكل نهائي، بلا طقس يغلقه.

في جيبه، وجدنا كُتيبًا صغيرًا: «دعوة إلى الجنة». حجمه كما الكف، لكنّه أثقلمن العالم. ووجدنا وصية بخط يده، كلمات بسيطة تحمل يقينًا لم نملكه نحنالأحياء. كأنّ الشهادة لم تكن نهايةً له، بل بدايةً لحياة أخرى، حياة تتجاوزالمكان والزمان.

 

ودّعته في جنازته.. وحين فتح عينيه، توقّف الزمن وصار كثافة. لا حياة ولا موت، بل منطقة رمادية تعلن هشاشة كل التعريفات. احتضنته، كآخر برهان ملموسعلى الحضور، ذاكرة مركّزة، وطن صغير، وصوت لم يكتمل. ثم أُبعدت عنه، لكنّ الفصل القسري بين الأخت وجسد أخيها بعد الرحيل ليس تنظيمًا، بل عنفوجودي يضاعف الفقد بدل أن يحتويه.

 

لسنوات، كانت أغنية «رجّع الخي» طقسًا يوميًا. موسيقاها لم تكن مجردلحن، بل ارتجاج في الصدر، تذكير بأنّ ما أريده مستحيل. كلماتها سؤال بلاجواب، ثقل يتجدد كل يوم، كأنّ الصوت يحفر في الروح ما لم يُكتب. كنتأستمع إليها لأتذكّر، لا لأتخفف، لأقاوم النسيان، لأعيد استحضار الغياب كيلا يتحول إلى عادة. بعض الموسيقى ليست عزاء، بل ذاكرة تعمل بكامل قوتها.

منذ ذلك اليوم، تغيّر معنى البيت، وتغيّر معنى الغياب. لم يعد فراغًا، بل حضورًاكثيفًا يعيد تشكيل التفاصيل الصغيرة. الغياب الوجودي لا يُمحى، بل يُعادترتيبه داخلنا، بالصوت، بالصمت، وبما لا يُقال.

 

مرت عشرون عامًا، لكنّ الاستشهاد لا يعرف الزمن الخطي. مناضل لم يمتدفعة واحدة؛ هو يموت في داخلي كلما حاولت أن أضعه في الماضي. ربمامفارقة الشهادة: أنّ الحياة البيولوجية تنتهي، بينما الزمن الأخلاقي لا نهاية له.

في فلسطين، لا يموت الشهداء مرة واحدة. هم ينتقلون من صورة إلى معنى، ومن اسم إلى ذاكرة جماعية، ومن حضور محدود إلى غياب كثيف يملأالتفاصيل. مناضل، ابن اسمه، لم يغب عن العالم، بل صار مقياسًا له.

 

أنا لا أبحث عنه في المكان، ولا أُنهيه في الذاكرة. أعيش معه في الداخلالمفتوح، حيث القلب يسبق الخبر، وحيث كُتيب صغير، ووصية مكتوبة بخط اليد، وأغنية واحدة قادرة على أن تهز القلب كما لو أنّ الاستشهاد حدث اليوم. وحيثالفقد ليس نهاية، بل شكل آخر من أشكال الوعي.

أخي لم يرحل..هو فقط سبقنا إلى معنى لا نحتمله بعد.

وأنا، بعد عشرين عامًا، ما زلت أتعلم كيف أعيش بعده، وكيف أشرح لنفسيقبل الآخرين أنّ بعض الأحضان تبقى معلّقة، لا لأنّها ناقصة، بل لأنّها أكبر منأن تنتهي.

شارك هذا الخبر!