الدوحة - PNN - تشهد منطقة الخليج مرحلة غير مسبوقة من الاستنفار العسكري والسياسي، في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، واتساع رقعة الحشود العسكرية القادمة بحرًا وجوًا، في مشهد يعيد إلى الأذهان أكثر الفترات حساسية في تاريخ المنطقة.
وباتت الأجواء مكتظة بالطائرات العسكرية، فيما تعج البحار بالمدمرات وحاملات الطائرات، وسط متابعة حثيثة من العواصم الخليجية لكافة السيناريوهات المحتملة.
ودخل الانتشار العسكري الأميركي في الخليج مرحلة متقدمة، مع وصول مجموعات بحرية كبيرة تضم حاملات طائرات ومدمرات وسفنًا قتالية ساحلية، إضافة إلى آلاف الجنود والمعدات الثقيلة. وتتمركز حاملة الطائرات الأميركية “أبراهام لينكولن” في نطاق عمليات قريب من الخليج، مدعومة بثلاث مدمرات مرافقة، بالتوازي مع وجود قطع بحرية أميركية أخرى في الخليج العربي وميناء البحرين، ما يشكّل طوقًا بحريًا واسعًا يعكس حجم الجهوزية لأي تطور مفاجئ.
وفي الجو، عززت الولايات المتحدة وجودها بسرب من مقاتلات “إف–15 إي سترايك إيغل”، في خطوة وُصفت بأنها تعزيز مباشر للقدرات القتالية. كما ازداد المشهد الجوي كثافة مع إعلان وزارة الدفاع البريطانية نشر مقاتلات “تايفون” في قطر، بطلب مباشر من الدوحة، ضمن ترتيبات دفاعية مرتبطة بتطورات الإقليم، في مؤشر على انتقال دول غربية إضافية إلى مربع الاستعداد الفعلي.
وبالتوازي، انطلقت فعاليات تمرين “أمن الخليج العربي 4” بمشاركة الأجهزة الأمنية والعسكرية لدول مجلس التعاون، في توقيت شديد الحساسية، حيث يركز التمرين على حماية المنشآت الحيوية وتأمين الحدود والتعامل مع التهديدات غير التقليدية، في رسالة تؤكد أن دول الخليج تتحرك ضمن إطار جماعي ومنسق لمواجهة أي ارتدادات محتملة.
ولم تقتصر التحركات العسكرية على الخليج فقط، إذ شهدت المنطقة تدريبات مشتركة بين سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، شملت وحدات برية وجوية، وهدفت إلى رفع مستوى التنسيق العملياتي والاستجابة السريعة، في ظل قناعة متزايدة بضرورة الجهوزية الشاملة على أكثر من جبهة.
وفي هذا السياق، قال المحلل السياسي السعودي علي الحارثي إن “ما يجري يتجاوز الاستعراض العسكري، ويدخل في إطار إعادة رسم قواعد الاشتباك”، مضيفًا أن دول الخليج تبعث برسائل ردع هادئة مفادها أن أمنها خط أحمر، وأن أي انفجار إقليمي ستكون كلفته عالية على الجميع.
من جانبها، رأت الباحثة الأردنية الأميركية أماني دياب أن الولايات المتحدة نقلت جزءًا كبيرًا من ثقلها العسكري إلى الخليج بهدف خلق ميزان ضغط حقيقي على طهران، مشيرة إلى أن الانتشار الحالي يحمل رسائل ردع، إلى جانب التلويح بخيارات قاسية في حال فشل المسارات السياسية.
أما الكاتب الصحافي في وكالة الأنباء الصينية “شينخوا” جيانغ مي، فاعتبر أن التحركات العسكرية المتزامنة تعكس تحوّل الخليج إلى مركز ثقل في صراع دولي أوسع، محذرًا من أن أي مواجهة واسعة ستنعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة.
وفي ظل هذه التطورات، رفعت دول خليجية عدة مستوى التنسيق الأمني، مع تكثيف المراقبة الجوية والبحرية، وإجراء مراجعات شاملة لخطط الطوارئ، وسط حديث عن اجتماعات أمنية مكثفة تركز على سيناريوهات متعددة، من بينها تعطّل الملاحة أو استهداف منشآت استراتيجية.
وتقف المنطقة اليوم عند مفترق حساس، تتقاطع فيه الحسابات العسكرية مع السياسة، فيما يبقى الخليج في قلب المعادلة، رافعًا أعلى درجات الجهوزية بانتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.