- *يتناول أثر الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على السلوك الفردي والجماعي.*
- *يسلّط الضوء على تراجع العلاقات الأسرية والاجتماعية في ظل هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي.*
- *يبرز مفهوم التغاضي وحفظ الود كقيمة أخلاقية ونفسية واجتماعية جامعة.*
- *يستند إلى نماذج واقعية ونصوص قرآنية وأحاديث نبوية تعزّز التضامن والتماسك المجتمعي.*
في ظل ما يتعرض له مجتمعنا الفلسطيني من ظروف حياتية واقتصادية قاسية، بات من الواضح أن الضغوط اليومية لم تعد محصورة في الجانب المعيشي فحسب، بل امتدت لتطال البنية النفسية والاجتماعية للأفراد، وأثّرت بصورة مباشرة في أنماط التواصل، ومستوى التماسك الأسري، ونوعية العلاقات الإنسانية. فقد أفرز هذا الواقع حالة من التوتر العام، وسرعة الانفعال، وما يمكن تسميته بـ *"العصبية الاقتصادية"* التي باتت تتحكم في ردود الفعل والسلوكيات اليومية داخل الأسرة والمجتمع.
ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، وتحولها إلى المصدر الرئيس لتلقي المعلومات دون تمحيص أو تدقيق، تراجعت ثقافة القراءة والتفكير النقدي، وتسللت إلى الوعي الجمعي نماذج غير إيجابية، أضعفت منظومة القيم، وأسهمت في توسيع الفجوة بين الأفراد، بل وداخل الأسرة الواحدة. فأصبح مشهد اجتماع الأسرة جسديًا، مع انشغال كل فرد بهاتفه المحمول، ظاهرة مألوفة قلّلت من الحوار، وأضعفت الروابط العاطفية، وأثّرت في مفهوم الإسناد والدعم المتبادل.
وفي الأسرة الفلسطينية، التي لا يتجاوز متوسط عدد أفرادها خمسة أشخاص، أسهم هذا الانشغال الرقمي في تراجع التفاعل الحقيقي، وفتح المجال أمام أفكار وسلوكيات وافدة، يتنافى بعضها مع القيم الأصيلة القائمة على الاحترام، والتكافل، وحب الآخر. وقد انعكس ذلك بصورة خاصة على فئة الشباب، حيث تحولت بعض النماذج غير المهنية وغير الأخلاقية إلى قدوات، في ظل غياب البدائل الإيجابية القادرة على التأثير والتوجيه.
وتزامن هذا الواقع الاجتماعي مع ضغوط اقتصادية متزايدة، وغلاء في المعيشة، وارتفاع في الأسعار، ما ضاعف الأعباء النفسية على ربّ الأسرة والأفراد عمومًا، وأدّى إلى تضخيم ردود الفعل تجاه مواقف بسيطة في جوهرها، سواء داخل البيت، أو في محيط العمل، أو في الفضاء العام. وهنا تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة إحياء قيم إنسانية أساسية، وفي مقدمتها التغاضي وحفظ الود.
*فالتغاضي* لا يعني التنازل عن الحقوق أو تبرير الخطأ، بقدر ما يعكس وعيًا أخلاقيًا ونضجًا نفسيًا يتيح للإنسان تجاوز الزلات العابرة، وفهم الضغوط التي قد تدفع الآخرين إلى سلوكيات لا يرضون عنها هم أنفسهم. وقد وجّهنا القرآن الكريم إلى هذا المعنى بوضوح في قوله تعالى:﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].
وفي تأكيد آخر على قيمة ضبط النفس وكظم الغيظ حفاظًا على العلاقات الإنسانية، يقول الله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134].
وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى في توجيهاته التربوية، فقال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).
ويتجلّى مفهوم إسناد المجتمع والتكافل الاجتماعي بوضوح في قوله ﷺ:«مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى» (رواه مسلم).
وفي واقعنا اليوم، تتجسد هذه القيم في ممارسات بسيطة لكنها عميقة الأثر؛ *كأن يتغاضى الجار عن زلة جاره، أو يعذر الأخ أخاه في لحظة انفعال، أو يساند الصديق صديقه بدل محاسبته في أوقات الضيق. فحفظ الود لا يُختبر في أوقات الرخاء فقط، بل تتجلى حقيقته في زمن الشدائد والأزمات*.
إن المجتمع الذي يُحسن أفراده إسناد بعضهم بعضًا، ويتعاملون بروح العفو والتسامح، هو مجتمع أقدر على الصمود، وأكثر قدرة على تجاوز الأزمات. وقد أكد الإسلام هذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].
*وفي الختام،* فإن التغاضي وحفظ الود ليسا مجرد سلوكيات أخلاقية عابرة، بل هما عبادة قلبية، وموقف إيماني، وخيار حضاري يعكس عمق الإيمان بالله، وحسن الظن بعباده. فحين يضيق الواقع، وتشتد الضغوط، ويعلو صوت الغضب والانفعال، يكون التغاضي هو الامتحان الحقيقي لنضج الإنسان، ويكون حفظ الود دليلًا على سمو الروح وقوة القيم لا ضعفها.
*إن الإيمان بأن الله مطّلع على القلوب*، وعليم بما في الصدور، يمنح الإنسان قدرة أعظم على العفو، ويزرع في النفس طمأنينة بأن ما نتركه لله يعوضنا عنه خيرًا. يقول الله تعالى: *﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، وهو وعد إلهي كفيل بأن يحوّل العفو من عبء نفسي إلى مصدر قوة وسكينة.*
وفي زمن تتكاثر فيه الجراح الفردية والجماعية، تبقى الرحمة هي الجسر الأمتن لعبور الأزمات، ويبقى الإسناد المتبادل هو السياج الحامي للمجتمع من التفكك والانهيار. وقد لخّص النبي ﷺ هذا المعنى بقوله: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ»، في إشارة عميقة إلى أن رحمة الإنسان بأخيه هي طريقه إلى رحمة الله.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الإيمانية والإنسانية تحتم علينا أن نكون دعاة وصل لا قطيعة، وبناة وعي لا مروّجي خصام، وحملة أمل لا أسرى يأس. فالمستقبل، وإن بدا مثقلًا بالتحديات، هو بيد الله وحده، واختياراته لعباده المؤمنين هي دائمًا للأصلح، وإن خفيت حكمتها عن العيون.
فلنحفظ الود ما استطعنا، ولنتغاضَ عن الزلات ما وسعنا، ولنسند بعضنا بعضًا ما حيينا، يقينًا بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا، وأن المجتمعات التي تتكئ على الإيمان، وتتحصن بالقيم، لا تنكسر رغم كل الظروف.
الكاتب الدكتور لؤي زعول دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي