الشريط الاخباري

الاستاذ خالد الصيفي.. خرج حيا ولم يخرج السجن من رئتيه بقلم عيسى قراقع

نشر بتاريخ: 01-02-2026 | أفكار
News Main Image

كل شيء فيه صادق، كالمخيم، كالمفاتيح والذكريات، وحبات المطر فوق النفوس الدافئة.
كل شيء فيه صادق، كالنبوءة، كالرصيف والبساطة، كالصلاة والعبادة، كل شيء فيه صادق، كالزيت والخبز والمقاومة، لغة الحياة، وكبرياء الموت والإرادة.
الاستاذ خالد: 
لم يفرجوا عنك لأنهم اقتنعوا ببراءتك، ولا لأن ما يسمى الملف السري تبين أنه أكبر خديعة لاعتقال الآلاف من الاسرى وزجهم في الاعتقال الإداري، بل لأن الجسد حين يتعب كثيرا يصبح فضيحة لدولة بوليسية تدفن في قبورها الحجرية كل مبادئ الانسانية، وتتعرى أمام اوجاعك العنيدة.

كنت الضحية والشاهد على الجرائم الممنهجة المستمرة، على إبادة صامتة وموت بطيء، دماء على الجدران، تجويع وإذلال وتعذيب وانتقام وفاشية منفلتة، اسير يودع اسيرا وشهيد يترك بين يديك شهقة ووردة ووصية.

اخاف من نظرات عينيك: عينان كاشفتان، ترى ما لا نراه، لا تبكيان ولا ترتجفان لأية عاصفة او مداهمة، امامي رجل هو مؤسسة، ومؤسسة هي فكرة، والفكرة كبيرة كحق العودة، أو كيد تعانق الشمس في ليلة مظلمة، كل شيء فيه صادق، كأنك الوالد والمولود، البدء والختام والبسملة والحكاية، الفرد والمجموع في راية واحدة.

كل شيء فيه صادق، هو الاستاذ خالد الصيفي، هكذا يناديه أهل مخيم الدهيشة، الاستاذ في الدرس، الاستاذ في الشارع، الاستاذ بين البيوت المزدحمة، الاستاذ في السجن، الاستاذ في الملعب والكرة الطائرة، الاستاذ في فرقة الدبكة، الاستاذ في الموسيقى والاغنية، الاستاذ في العرس والجنازة، الاستاذ في الاعتصام أمام الصليب الاحمر، الاستاذ يكتب رسائل ونكشات إلى اينشتاين ومحمود درويش والحلاج و صلاح عبد ربه ومعين بسيسو في غزة، الى الطفلة الشهيدة هند رجب ولكل اطفال العالم، الاستاذ يحفر في القلب والعقل ايمانا ويهدم الخوف و السياج والاسلاك الشائكة.

الاستاذ خالد خرج من السجن مريضا، العدالة هي المريضة والناقصة، وعندما اراه، أرى كل اصدقائي خرجوا من يوم القيامة وتحولوا إلى أشباه بشر، ليسوا هم في الدنيا ولا هم في الاخرة، لكن طبيب المستشفى الاستشاري في رام الله قال لي: لا تخف، صديقك يتنفس رغم أنه محاصر بالحديد والبرد، صديقك انسان يمتلك مفاتيح جسده ومفاتيح السجن، يمتلك فكرة لا تموت، الا تسمع صوت الرئة؟

حين انظر اليه ممدا على السرير، ارى وطني كله فيه، وطنا تصهره النار والمستوطنات والحواجز والجرافات والاعدامات اليومية، أرى شعبا اسطوريا يفيق من الحريق ثم يفيق، وارى فيه المعلم، لازال يرسم بطبشورة دمه وضوح الطريق.

الاستاذ يقول: عيشوا بحب ووحدة وكرامة، هذه الأرض لنا، منذ الخلق حتى النشور ويوم الزلزلة، دمنا هنا، لحمنا وعظمنا وقمحنا، الاستاذ خالد في كل بيت وعقيدة وحقل ومدرسة، في بيوت الفقراء الذين لا يطلبون الخبز وانما الكرامة.

هل عاد الاستاذ من جحيم السجن إلى أزقة المخيم محمولا على اوجاعه وابتسامته الدائمة؟ الاستاذ خرج حيا، لكن السجن لم يخرج من رئتيه، السجن يلاحقنا في الآفاق وفي داخلنا وانفاسنا، الاستاذ أطل على مدينة الميلاد مصلوبا، لقد هشموا جسده ولكن روحه لا تعرف المساومة، يمشي ويمشي الي باب المغارة، إلى الحمامة الجريحة، يتبع دمه وخطواته، يدله اليسوع على بوابة السماء، مفتوحة من القدس الى غزة الذبيحة.

الاستاذ خالد: لا اطلب منك أن تذهب معي الان إلى مؤسسة ابداع لنحتقل بتخريج اطفال الروضة، أو لنكرم المبدعين  كما تعودنا في كل شهر رمضان، لا اطلب منك أن تذهب معي إلى مقبرة الشهداء كما تعودنا في كل عيد، لنضع الزهور ونقرا الفاتحة، لا اطلب منك أن نزور  بيت المرحومة فاطمة الجعفري كما تعودنا في ذكرى اضراب ملحمة سجن نفخة ونحيي ذكرى الشهيد علي الجعفري، لا اطلب منك أن نذهب الى قبر ام نضال ابو عكر التي توفيت وانت بالسجن لتعتذر لها لعدم مشاركتك في الجنازة، لا اطلب منك أن نناقش رواية أو كتاب كما تعودنا كل يوم اربعاء، لا طلب منك أن تذهب معي إلى قهوة الغلابا في المخيم كما تعودنا، ونحن نراقب زحف المخيم إلى أبعد مما اراده المحتلون من انتظار، لافتات تحمل أسماء القرى المهجرة، وحارات تسمى بأسماء هذه القرى المنكوبة ولا تنسى، لا اطلب منك أن نذهب الى بيت جالا لنطلب الشفاعة من الزيتون الذي جففته الإبادة هذه السنة، لا اطلب منك أن نذهب الى قرية الولجة مسقط راسك كما تعودنا لنشرب من عين الحنية وينابيعها المصادرة، لا اطلب منك أن نذهب الى مسرح بوتين لنشاهد فرقة ابداع للدبكة،  اطلب منك أن تكون قويا كهذا المخيم وتلك القصيدة: قصيدة خليل زقطان وسميح فرج ومحمد أبو لبن وعيسى العزة وخليل توما ورشاد ابو شاور وسامي عوض الله، رائحة الثورة والصبار والحب والصمود، أن تتنفس بصعوبة كتلك الكلمات المتمردة، لا باس أن تعلمنا دون درس: الحرية لا تقاس بالقدرة على الوقوف، وانما بالقدرة على عدم الانكسار.

الاستاذ في الكتاب المقدس، شعب يحيا ويموت ولا يفنى، قال الأستاذ وهو يكتب في الزنزانة لاهوتا ويشق طريقه في الكون، قرأ التلاميذ على اللوح: افتحوا الحقائب، هنا القلم والحجر والجرس والتاريخ والمظاهرة والذاكرة.

خالد:
لا تنظر إلي
لا تنظر إلي
فانا خائف أن أرى في عينيك
ما لا تحمله اللغة بين ناظريك،
في عينيك
اسئلة بلا علامات استفهام،
دهشة من نجا ولا يعرف لماذا نجا.
حزن لا يطلب عزاء،
ودمع لا يسقط من مقلتيك،

خالد لا تنظر إلي،
لانني حين اراك،
اشعر أن الحرية كلها خرجت معك،
وهي تتكئ على كتفيك.

حرية مرهقة ومتعبة،
تسعل من طول الانتظار، 
والعالم ينظر اليك،

اخاف ان اراك على هذا السرير،
فتفضح نظرتك هشاشتي،
انابيب وأدوية وجسد نحيف،
اخاف على نفسي وعليك.

كيف يتسع قلبك لكل هذا الالم؟
ولا ينطفئ،
كيف حافظت على اسمك؟
وقد سلبوا كل ما لديك،

اقترب يا خالد،
لكن أن نظرت الي، فلتكن نظرتك رحيمة،
فانا احاول أن استقبل حريتك،
واقفا على قدميك.

شارك هذا الخبر!