في عالم الخلق، رحل أستاذ مادة العلوم المتقاعد من مدرسة الدهيشة الإعدادية التابعة لوكالة الغوث، خالد الصيفي، تلف الرئة بعد تليف نتاج عذابات عصابات الإحتلال في سجونه بل في مقابره .
ولكنه باقٍ ولم يرحل من المعاني بفعل عامل الجاذبية الخاص به، وآمن به وجسّده بدحض نظرية نيوتن التي تقول بسقوط الأشياء، لأن الصيفي آمن بالارتقاء، وأن الأقمار مكانها محفوظ دوماً في الذاكرة كما في السماء.
أستاذ العلوم خالد الصيفي لم يدرّس العلوم فقط، بل أعاد ترتيبها في المختبر الفلسطيني المفتوح، عمل على ارتقاء الأشياء والأفكار من خلال قطب المغناطيس الجاذب لكل القوى الفاعلة، ويوقظ الخاملة في دائرة قطرها الوطن، لا تُقاس بالمسطرة بل بالانتماء.
الصيفي، وبوصفه أستاذاً للعلوم، استحضر في المخيم فلزاً خاصاً، لاجئاً غير مرتبطٍ بجغرافية المخيم، الذي يوصله بالقرية والمدينة، والمسلم والمسيحي، بحرارة الموقف، بتشابك الأيادي، وبلمعان فرقة دبكة شعبية طافت العالم بأكسجين وطني يعمر بالرئة الإنسانية.
استحضر مركبات رائعة المذاق من مواد أولية صارت علماً سلوياً أعلى من الأسلاك، وحلّق بأجنحة طائرة نسوية كرتها وصلت إلى العالمية.
خلطة الصيفي هي هوية تشمل تركيبة رياضية ثقافية اجتماعية سياسية تربوية بمحركات وطنية.
هنا صاغ أستاذ العلوم معادلته الأجمل: فيزياء. قانون المحبة من خلال خلق وإنتاج فرص التعبير والتفكير والتعمير والتنوير، لا التدمير والتخريب والتكفير، وصولاً إلى الإبداع. خالد الصيفي كان إبداعاً، وكان الإبداع اسمه الآخر، مع الاحترام لكل من مرّ من وعلى وفي الفكرة التي نسجها وفق وحدة H2O رقراقةً كما السلسبيل، مع صحب طيب.
لم يستخدم نظرية التصادم إلا في أنبوب يوصل للاحتلال، بينما اعتمد معامل الانضغاط ليس لقياس انحراف الغازات، بل لقياس انحراف المسارات وانبعاث الجمرات.
لم يحوّل مؤسسة «إبداع» إلى بئر نفط، بل إلى بئر بطيف متصل، برابطة تساهمية تثور بها ذكرى النكبة من وحي غسان كنفاني، وماجد أبو شرار، ومحمود درويش، وتلتحم بها كافة النترات الفلزية ذات العلاقة بالحكاية الفلسطينية.
بالعلوم علّمنا خالد الصيفي أيضاً أن فك شيفرة خوارزميات نظرية الارتقاء تحتاج للحب وللشغف أكثر من عوامل العضلات في التخاصمات، وأن وحدة وصراع الأضداد حتماً سيحوّل الكم إلى كيف، مع انضباط معدل التأثير الخارجي.
وعلّمنا أن مفاعيل الوحدة الوطنية لا تُترجم بطلاء عازل على جدار أو في بيان، بل تلتحق بالشريان التاجي، حيث تذوب الأنا وتحضر النحن، مع التماسك هنا، والتمسك هناك بجزيئات الخصوصية النقية دون طحالب.
باختصار، فقد حوّل أستاذ العلوم فكرته إلى بذرة زرعها بدفيئة أسماها «إبداع»، شخّصها الاحتلال على أنها مفاعلات نووية وجب إغلاقها، لأن صاحبها حوّل مادة العلوم الأكاديمية إلى علوم هوية وطنية، فكانت الفاتورة سجناً وقتلاً بجريمة لا أخلاقية.
لم يمت خالد أستاذ العلوم. هو فقط غيّر حالته الفيزيائية. غادر الصفّ، لكن الجرس سيظلّ يرنّ في المخيم، والسبورة ما زالت تحتفظ ببقايا طباشيره كآثار نجمٍ لا يزال هنا.
خرج من قانون السقوط بالجاذبية، وسكن الارتقاء في معادلةٍ أعلى، حيث لا تهوي الأشياء،