-يوضح المقال أثر المحتوى الرقمي الهابط في تشكيل المعايير النفسية والاجتماعية لدى الشباب.
- يناقش التحديات التربوية الناتجة عن تأثير صناع المحتوى مقارنة بدور الأسرة والمدرسة.
- يبرز خطورة الفراغ في البدائل الإعلامية الهادفة والجاذبة.*
- يطرح حلولًا متوازنة تشمل التربية الإعلامية، دعم المحتوى المسؤول، والتنظيم المهني للفضاء الرقمي.
لم يعد الفضاء الرقمي مجرد مساحة للترفيه أو تبادل المعلومات، بل أصبح اليوم بيئة نفسية واجتماعية فاعلة في تشكيل وعي المجتمع، خاصة لدى فئة الشباب. ومع الانتشار السريع للمحتوى الهابط أو العنيف أو السطحي، أصبحت الحاجة إلى قراءة علمية لهذه الظاهرة ملحة، تتجاوز الانطباعات العامة، وتنظر إليها من منظور علم النفس الاجتماعي والتربية بوصفها عاملاً مؤثرًا في بناء القيم والسلوكيات وأنماط التفكير.
*من منظور علم النفس الاجتماعي*، يتأثر الإنسان بما يراه شائعًا ومقبولًا في محيطه، وهو ما يُعرف بتشكّل المعايير الاجتماعية. وعندما يتكرر ظهور محتوى سطحي أو عدواني أو خالٍ من القيمة المعرفية ويحظى بانتشار واسع وتفاعل مرتفع، تتكون لدى المتلقي – وخصوصًا المراهقين – قناعة غير واعية بأن هذا النمط طبيعي ومقبول، بل وقد يكون طريقًا للنجاح والشهرة. كما أن التكرار المستمر لهذا النوع من المضامين يسهم فيما يُعرف بالتطبيع النفسي، حيث يفقد الفرد تدريجيًا حساسيته تجاه السلوكيات غير السوية ويبدأ في تقبلها كجزء من الواقع اليومي.
تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تعزز المحتوى المثير للانفعال، بما في ذلك الجدل والغضب والسخرية، مما يرفع نسب الانتشار، ويحوّل الجمهور نفسه إلى عنصر فاعل في تضخيم الظاهرة، حتى عندما يكون التفاعل بدافع الرفض أو الانتقاد. وبالتالي، يصبح المتلقي غير الواعي جزءًا من دورة انتشار المحتوى الهابط، ويصعب كسرها دون أدوات تربوية وإعلامية واضحة.
*تربويًا*، يشكّل هذا الواقع تحديًا حقيقيًا أمام الأسرة والمؤسسات التعليمية، إذ أصبح صانع المحتوى الرقمي منافسًا قويًا للمربي والمعلم في التأثير على وعي الشباب. عندما يتعرض الطالب يوميًا لمحتوى يروّج للشهرة السريعة دون جهد، أو يسخر من القيم، أو يربط النجاح بالإثارة والجدل بدل الإنجاز والمعرفة، ينشأ لديه تضارب بين ما يتلقاه من رسائل تربوية حول المسؤولية والانضباط والعمل وبين ما يراه يحقق حضورًا وتأثيرًا في الواقع الرقمي. وفي غياب التوجيه الإعلامي والتربية الرقمية، قد يميل بعض الشباب إلى تقليد هذه النماذج السطحية لأنها تبدو الطريق الأقصر نحو الاعتراف الاجتماعي.
ولا يعني انجذاب الشباب إلى هذا النوع من المحتوى أنهم يفضلونه من حيث القيمة، بل يعكس فراغًا في البدائل الجاذبة. فالمحتوى الهادف غالبًا ما يُقدّم بأساليب تقليدية لا تواكب لغة الجيل الجديد واهتماماته، مما يترك مساحة واسعة يملؤها أي محتوى قادر على جذب الانتباه، بغض النظر عن مستواه المعرفي أو الأخلاقي. وهنا يصبح الفراغ الثقافي والتربوي بيئة خصبة لازدهار الرداءة الرقمية.
إن المعالجة العلمية لهذه الظاهرة لا تقوم على المنع المطلق أو التضييق غير المدروس، بل على تحقيق توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية. ويبدأ ذلك بتعزيز التربية الإعلامية والرقمية داخل المدارس والجامعات، بحيث يتعلم الطلبة كيف تعمل الخوارزميات، وكيف يميزون بين المحتوى المهني والمضلل، ويدركون الفرق بين الإعلان والمعلومة. فالمتلقي الواعي أقل عرضة للتأثر السلبي وأكثر قدرة على اتخاذ موقف نقدي من الرسائل التي يتعرض لها يوميًا.
وبالتوازي مع ذلك، تبرز أهمية دعم إنتاج محتوى شبابي هادف بلغة عصرية تجمع بين القيمة والجاذبية، لأن الفراغ لا يُملأ بالشعارات بل بالبدائل العملية. كما تقع على عاتق المعلنين مسؤولية أخلاقية في عدم تمويل أو الترويج عبر حسابات تنشر محتوى مضللًا أو ضارًا، إذ يشكل التمويل أحد أهم عوامل استمرار هذه النماذج وانتشارها.
وفي ضوء التأثير العميق للمحتوى الرقمي على الصحة النفسية والفكرية للمجتمع، يبرز دور الجهات المختصة في تنظيم الفضاء الرقمي ضمن أطر مهنية واضحة، من خلال وضع مدونات سلوك لصنّاع المحتوى المؤثر، وإلزام الصفحات التجارية بالإفصاح الصريح عن الإعلانات، وتصنيف المحتوى وفق فئات عمرية، وتطوير آليات متابعة مهنية للمحتوى المضلل أو العنيف أو الاحتيالي. إن هذا النوع من التنظيم لا يهدف إلى مصادرة الآراء أو تقييد حرية التعبير، بل إلى حماية المجتمع من الاستغلال والتضليل، فالصحة الفكرية لا تقل أهمية عن الصحة الجسدية.
*إن المحتوى الرقمي اليوم عنصر فاعل في تشكيل وعي الأجيال؛* فمن منظور علم النفس الاجتماعي يسهم في صياغة ما نعتبره طبيعيًا ومقبولًا، ومن منظور تربوي يشارك في بناء القيم والسلوك. لذلك فإن المسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، وصانع المحتوى، والمعلن، والجهات المهنية، والمتابع نفسه. فكل مشاهدة وتفاعل وتمويل هو مساهمة في تحديد شكل البيئة الرقمية التي يعيش فيها أبناؤنا، وما نسمح له بالانتشار في فضائنا الرقمي هو ما نسمح له أن يؤثر في عقول الأجيال القادمة.
الكاتب : د. لؤي زعول دكتوراه في علم النفس الاجتماعي والعملي