بات من الواضح أن حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية تعمل على استغلال وجودها الحالي بالتقاطع مع وجود إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الداعمة بشدة لسياسات إسرائيل، لترسيخ واقع في فلسطين يصعب التراجع عنه في المستقبل.
هناك معضلة تكمن في تصدر حزب «الليكود» بقيادة نتنياهو الشعبية جميع استطلاعات الرأي المختلفة حول انتخابات الكنيست القادمة، حيث تتراوح عدد الأصوات التي يحصل عليها «الليكود» بين 26–31 مقعدا، وهو المؤهل وحده لتشكيل الحكومة الائتلافية القادمة. ورغم تراجع محدود في دعم «الليكود» في استطلاعات الرأي الحديثة، وتراجع أكبر في شعبية حزب «الصهيونية الدينية» بقيادة سموتريتش، تحافظ الأحزاب الحريدية الدينية (شاس ويهودت هتوراة)، والحزب اليميني (القوة اليهودية) بقيادة بن غفير على استقرار نسبي. يأتي ذلك في ظل توجه شعبي إسرائيلي، يكشف عنه عدد من استطلاعات الرأي، بأن 57 - 59% من الجمهور اليهودي الإسرائيلي يعارضون قيام دولة فلسطينية تحت أي ظرف، وأن 58–70% منهم يؤيدون توسيع السيادة والسيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، بينما يدعم 42% منهم ضمّ الضفة بدون حقوق متساوية للفلسطينيين. إن هذا يؤشر إلى أن ما تمر به الأراضي الفلسطينية ليس مجرد حالة عابرة، بل توجه إسرائيلي عام، تتبناه حكومة نتنياهو، وتخلق واقعا يصعب التراجع عنه بعد ذلك.
إن ما يجري في غزة بعد الحرب يمثّل إعادة هندسة للقطاع أمنيا وسكانيا بما يمنع أي شكل من أشكال السيادة الفلسطينية. يتضح ذلك من خلال ربط إعادة الإعمار في غزة بنزع سلاح القطاع، مع رفض أي دور سياسي أو إداري للسلطة الفلسطينية أو حركة حماس، وفرض إدارة فلسطينية خدماتية. يتقاطع ذلك مع تأكيد إسرائيل على عدم نيتها الانسحاب الأمني من القطاع. تؤكد التصريحات الرسمية الإسرائيلية أن إسرائيل ستحتفظ بالسيطرة الأمنية من البحر إلى النهر، بما في ذلك في غزة، حتى بعد وقف إطلاق النار، وهو ما يُفرغ أي حديث عن «مرحلة ثانية» من مضمونه السياسي. إن ذلك يعني أن التلويح بالإعمار في غزة يُستخدم كأداة ضغط سياسي وأمني على القيادة الفلسطينية، باستخدام المعاناة الإنسانية اليومية في القطاع، والتي خلفتها الحرب، لتحقق إسرائيل في النهاية أهدافها المعلنة.
لا تهدف إسرائيل في غزة للتحكم بالأرض والسيطرة الأمنية على القطاع فقط، بل تسعى لترتيب الواقع الجغرافي والسكاني في القطاع أيضاً. وتبدو خطط تفريغ المناطق السكانية المأهولة، وحصر السكان في مناطق ضيقة من القطاع، بالإضافة إلى التوجه لبناء مخيمات تحت المراقبة في أقصى جنوب القطاع، بالقرب من الحدود مع مصر، دليلا على أن مخططات إسرائيل تبتعد عن مجرد إدارة السكان الفلسطينيين، وتقترب أكثر من تصريحاتها حول تهجير السكان. ويتقاطع ذلك مع إصرار إسرائيل على السيطرة الكاملة على المعابر، وحركة السكان والبضائع، ما يعني استمرار حالة الحصار والتحكم بالقطاع، ويسهل أي مخططات قادمة.
على الجانب الآخر من فلسطين، ترزح الضفة الغربية، بما فيها القدس تحت إجراءات قسرية لا تقل ضراوة عما تتعرض له غزة، رغم أنها كانت بعيدة عن أحداث السابع من أكتوبر. تنفذ سلطات الاحتلال سياسة مدروسة لتقويض مكانة السلطة، بإضعافها اقتصادياً ومصادرة صلاحياتها الإدارية في مناطق سيطرتها. يأتي ذلك بالإضافة إلى مساعي إسرائيل لإفشال وظيفي متعمد للسلطة من خلال الاقتحامات المستمرة للمناطق الفلسطينية من قبل قوات الجيش الإسرائيلي، للاعتقال أو للتدمير أو للاستعراض، وتسارع وتصاعد انتهاكات واعتداءات المستوطنين لحرمة حياة وممتلكات السكان الفلسطينيين، دون قدرة السلطة على مواجهتها.
لا تستهدف الممارسات السابقة إضعاف مكانة السلطة فقط، بل تأتي في الأساس في إطار سياسة تسعى للسيطرة على الأرض، وتعقيد حياة الفلسطينيين في بلادهم. فإسرائيل لم تعد تكتفي بالسيطرة الأمنية المحكمة على الضفة، ولم تعد تكتفي بالضم الزاحف للأراضي الفلسطينية، بل أصبحت تكشف عن مخططاتها صراحة. لم يعد الاستيطان محصوراً في ثلثي الضفة الغربية، في مناطق «ج»، بل امتد إلى الثلث المتبقي منها في مناطق «أ» و»ب»، رغم الوجود الكثيف للسكان الفلسطينيين في تلك المناطق. يأتي ذلك في ظل تشريعات وقرارات تسمح للحكومة الإسرائيلية بمصادرة أراضي الفلسطينيين وهدم منشآتهم وتملكها أيضاً.
تشير قرارات «الكابينت» الصادرة قبل أيام إلى تبدل نوعي في إدارة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، من نموذج «إدارة عسكرية مؤقتة» إلى نموذج سيطرة مدنية قانونية دائمة، مع ما يحمله ذلك من آثار مباشرة على وضع الأرض والملكية في الضفة الغربية، وصلاحيات السلطة الفلسطينية، ومستقبل حل الدولتين، والوضع القانوني للاحتلال نفسه. ورغم خطورتها وتصعيدها، لا تبدو هذه القرارات معزولة عن سياسة الاحتلال العسكرية والاستيطانية قبل أوسلو، والأمنية والتوسعية بعد أوسلو، والتصعيدية الخطيرة منذ نهاية العام ٢٠٢٢، بصعود حكومة نتنياهو اليمينية، لفرض واقع حاسم في الأراضي الفلسطينية، يصعب التراجع عنه.
ركزت قرارات «الكابينت» على إلغاء القانون الأردني، الذي جاء قبل العام ١٩٦٧، وكان يمنع بيع الأراضي في الضفة الغربية لغير الفلسطينيين، ما يسمح، اليوم، بتملك الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية. كما يسمح القرار بفتح سجلات الأراضي الفلسطينية ونشرها، بعد أن كانت مغلقة أمام الإسرائيليين، لتسهيل عمليات البيع والشراء والتتبع الإسرائيلي لإجراءات الملكية. إن ذلك سيعمل على تحويل الأرض الفلسطينية ضمن منظومة قانون ملكية الأراضي ونظام «الطابو» الإسرائيلي. كما أعطت هذه القرارات للسلطات الإسرائيلية صلاحيات أوسع في تطبيق القانون الإسرائيلي على الفلسطينيين، فنقلت صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق فلسطينية للسلطات الإسرائيلية، كما في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي، ما يسمح بالتحكم الإسرائيلي في مدى وحدود التوسع العمراني الفلسطيني، وبالتوسع الاستيطاني في نقاط لم يكن مسموحا بها التوسع إسرائيلياً من قبل. كما يوسع القرار صلاحيات إسرائيل في التحكم بالبيئة والآثار والمياه وحتى في مخالفات البناء في المناطق المصنفة «أ» و»ب»، التي تقع وفق اتفاقية أوسلو تحت إدارة السلطة الفلسطينية، ما يسلب من السلطة صلاحياتها الإدارية في تلك المناطق. تأتي تلك القرارات في ظل التأكيد على توجه إسرائيلي سابق يقوم على تقليص الدور العسكري في إدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية لصالح تعزيز دور الحكم والإدارة المدنية على الفلسطينيين في تلك المناطق، بعد أن جرى القانون الإسرائيلي على سكان المستوطنات في الضفة الغربية من قبل، ليصبح الحكم تدريجياً في الضفة الغربية ذا طابع مؤسسي إسرائيلي دائم.
حتى دون الإعلان الإسرائيلي الرسمي عن ضم الضفة الغربية، تعتبر قرارات «الكابينت» التنفيذية خطوة مهمة في طريق تطبيق إدماج الضفة الغربية في النظام القانوني الإسرائيلي. وتنتهك تلك السياسات الجديدة صلاحيات السلطة، وتسلبها دورها الوظيفي، وتعتبر تعديلاً أحادياً على اتفاق أوسلو، وهو ما يسمح للفلسطينيين بالانسحاب من الاتفاق وفق القانون، كاتفاق ثنائي.
ورغم هذه القرارات الإسرائيلية، إلا أنها تقوّي الحجة القانونية الفلسطينية، وتثبت أن الإطار الانتقالي لأوسلو قد انتهى. فهذه القرارات لا تؤثر على جوهر السيادة المنقوصة للسلطة بفعل الاحتلال، لأن السيادة في الأساس تستمد من التمثيل الشعبي للفلسطينيين، الذين يرزحون تحت الاحتلال، وإنما تؤثر فقط على حدود الإدارة الوظيفية للسلطة، التي منحت لها بحكم تفاهمات اتفاق أوسلو. إن شرعية الفلسطينيين ودولتهم والسلطة الممثلة لهم تستمد شرعيتها من القاعدة القانونية الآمرة «حق تقرير المصير»، وقرارات الشرعية الدولية، والاعتراف الدولي الواسع بالدولة الفلسطينية، واعتراف الأمم المتحدة ومنظمات ومعاهدات دولية عديدة بهذه الدولة الفلسطينية وقيادتها، وكذلك من آراء المحاكم الدولية.
تأتي تلك التحولات المتسارعة من قبل حكومة نتنياهو في ظل أدوات تستخدم على نطاق واسع وتزامن غير مسبوق، أولها استخدام سياسة التدمير الواسع للبنية التحتية للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. ويستخدم الاحتلال سياسة القتل الواسع للمدنيين الفلسطينيين، وبينما تجاوزت الأعداد عشرات الآلاف في غزة، ترزح الضفة تحت مخطط متكامل يدمج بين قتل المئات من الفلسطينيين، وزيادة اعتداءات المستوطنين الدامية والمدمرة، والتضييق على الحركة والتنقل والحياة الكريمة. فتشكل القيود المتصاعدة وبشكل مستمر على حركة السكان في الضفة وغزة، رغم وقف إطلاق النار، بأن الحرب الإسرائيلية مستمرة عمليا في الضفة وغزة، رغم الإعلان عن توقف إطلاق النار.
لا يمكن اعتبار أن هذه السياسات الإسرائيلية في الضفة الغربية بما فيها القدس، وغزة مجرد سياسات عابرة أو مؤقتة، وإنما هي جزء من رؤية استراتيجية إسرائيلية متكاملة، موجهة ضد الفلسطينيين ومستقبل وجودهم في أرضهم في كل من الضفة وغزة. إن تلك السياسات في الضفة لا يمكن فهمها بمعزل عما يجري في غزة، وتسعى لتثبيت واقع لا يمكن التراجع عنه، بل تفتح الطريق لتنفيذ المخططات التي لا تخجل إسرائيل عن الإفصاح عنها. وتفرض تلك التحولات أن يتبنى الفلسطينيون سياسة موحدة حاسمة تتصدى للأخطار وترسخ الصمود، وتضع الرؤية المستقبلية اللازمة لما بعد عهد أوسلو. كما على الدول العربية أن تبنى موقفا موحدا صارما ضد سياسات دولة الاحتلال تجاه الفلسطينيين، وأن تضغط وتستخدم مصالحها مع الدول الغربية كي تبنى الأخيرة مواقف مؤثرة تضغط بشكل علني على الكيان المحتل، بعيداً عن التصريحات والمواقف الدبلوماسية الجوفاء. إن المعركة الحالية في فلسطين هي على مفترق طرق، لا مجال فيها لتأجيل المواجهة.