رام الله /PNN/ في زمن تحوّلت فيه الهواتف الذكية إلى منصات رأي، وأصبحت التغريدة موقفاً سياسياً، والمنشور أداة مساءلة، لم تعد الديمقراطية محصورة بصناديق الاقتراع، بل انتقلت بقوة إلى الفضاء الرقمي. هذا التحول كان محور نقاش حلقة جديدة من برنامج "صوت الشباب" عبر شبكة وطن الإعلامية والتي خُصصت لبحث سؤال جوهري:
هل رفعت الديمقراطية الرقمية سقف الحريات العامة في فلسطين، أم أعادت إنتاج القيود بأشكال جديدة؟
الحلقة استضافت مدير الرصد والتوثيق في المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي "حملة" أحمد القاضي، والناشطة الشبابية الحاصلة على درجة الماجستير في الإعلام الرقمي نغم أبو سنينية، في نقاش تناول واقع الحريات الرقمية، الانتهاكات، وخطاب الكراهية في السياق الفلسطيني.
الديمقراطية الرقمية… تعريف وإمكانات
عرّف أحمد القاضي الديمقراطية الرقمية بأنها "استخدام أدوات التكنولوجيا لتعزيز المشاركة السياسية، ومراقبة الأداء الحكومي، والمساءلة، والتصويت، والوصول إلى المعلومات".
وأوضح أن منصات التواصل الاجتماعي باتت أداة فعلية للتأثير، قائلاً إن حالات عديدة في السنوات الماضية أظهرت أن الضغط الرقمي والضجة على المنصات كانا سبباً مباشراً في فتح ملفات أو اتخاذ إجراءات لم تكن لتحدث لولا التفاعل الإلكتروني.
إلا أنه شدد في المقابل على أن هذه المساحة لا تخلو من المخاطر، خاصة في ظل غياب العملية الديمقراطية التقليدية وتعطل الانتخابات، ما يجعل الفضاء الرقمي أحد المساحات القليلة المتاحة للتعبير، لكنه في الوقت ذاته مساحة مكشوفة للرقابة.
أرقام صادمة: 3452 انتهاكاً رقمياً في عام واحد
كشف القاضي خلال الحلقة عن أرقام جديدة وصفها بالمهمة، موضحاً أن المركز وثّق خلال العام الماضي 3452 حالة انتهاك رقمي، شملت:
* حذف وتقييد وإزالة محتوى
* إغلاق حسابات
* خطابات تحريض وكراهية
* انتهاكات من قبل الاحتلال
* تضييقات داخلية وضغوط غير رسمية
كما أشار إلى أن نحو 90 ألف محتوى رقمي تم حذفه خلال السنتين الماضيتين بناءً على طلبات إسرائيلية مباشرة، عدا عن المحتوى الذي تحذفه المنصات تلقائياً.
وفي سياق آخر، بيّن أن دراسات أجراها المركز أظهرت أن 60% من الشباب في الضفة الغربية يمارسون رقابة ذاتية، أي أنهم يفكرون مرتين أو ثلاث قبل نشر أي محتوى سياسي.
أما في القدس، فتصل النسبة إلى أكثر من 85% من الشباب الذين يتجنبون نشر آراء سياسية، حتى لو كانت مجرد آراء عامة.
وأضاف أن 90% من المشاركين في إحدى الدراسات أفادوا بتعرضهم لخطاب كراهية أو تحريض بسبب آرائهم أو نشاطهم الرقمي.
الرقابة… رسمية وغير رسمية
وأوضح القاضي أن النسبة الأكبر من التضييق على المستوى المحلي تتم عبر وسائل غير رسمية، مثل:
* مكالمات وضغوط أمنية
* تدخلات عشائرية وعائلية
* حملات تشويه ممنهجة
* رسائل تهديد مباشرة للأهل
وأكد أن هذا النمط من الضغوط يصعب توثيقه بالكامل، لكنه يؤثر بشكل مباشر على حرية التعبير ويؤدي إلى تكميم الأفواه.
بين الحرية والخوف
من جانبها، قالت نغم أبو سنينية إن المنصات الرقمية منحت الشباب مساحة غير مسبوقة للتعبير، لكنها في الوقت ذاته خلقت "خوفاً جديداً".
وأضافت:
"لم أكن سابقاً أخاف من حذف منشور أو إغلاق حساب أو حتى من أن يتحول منشور إلى سبب للمساءلة أو الاعتقال. اليوم هذا الخوف طبيعي في الواقع الفلسطيني".
وأشارت إلى أن الخوف لا يقتصر على الشخص نفسه، بل يمتد إلى العائلة، موضحة أن حالات عدة شهدت تهديداً أو مساءلة لأفراد الأسرة بسبب منشورات لأبنائهم.
حملات تشويه واستقطاب حاد
وتطرقت الحلقة إلى تصاعد خطاب الكراهية والاستقطاب السياسي في الفضاء الرقمي، حيث أشار القاضي إلى أن تصميم منصات التواصل الاجتماعي يعزز "غرف الصدى" (Echo Chambers)، التي تُظهر للمستخدمين محتوى ينسجم مع آرائهم، ما يزيد الاستقطاب ويعمّق الانقسام.
واستعرض أمثلة عن حملات تشويه استهدفت ناشطات وناشطين سياسيين، تضمنت:
* نشر صور مفبركة
* حسابات وهمية للتشهير
* مراسلة الأهل والجيران بادعاءات مسيئة
* استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتركيب محتوى مضلل
وأكد أن هذا النمط من الترهيب يؤدي إلى انسحاب كثيرين من النقاش العام خوفاً من الوصم الاجتماعي أو الأذى المعنوي.
حرية التعبير أم خطاب كراهية؟
ميّزت أبو سنينية بين حرية التعبير وخطاب الكراهية، مؤكدة أن الأولى تعني التعبير عن الرأي دون تحريض أو دعوة للعنف، بينما الثاني يقوم على استهداف أشخاص أو فئات على أساس سياسي أو جندري أو اجتماعي.
وأكدت نغم أبو سنينية أن أخطر ما يواجه الشباب اليوم ليس فقط الرقابة الرسمية، بل "تطبيع الخوف" داخل المجتمع، موضحة أن كثيرين باتوا يتعاملون مع التقييد والحذف والمساءلة كأمر واقع. وقالت إن هذا الاعتياد على الخوف أخطر من الخوف ذاته، لأنه يدفع الشباب إلى الانسحاب الصامت من النقاش العام، ويُفرغ الفضاء الرقمي من تنوعه الحقيقي.
وأضافت أن المنصات يفترض أن تكون مساحة تعددية، لكن عندما يصبح المستخدم منشغلاً بحساب العواقب قبل كتابة أي كلمة، فإن ذلك ينعكس سلباً على جودة النقاش وعلى قدرة المجتمع على تطوير خطاب نقدي مسؤول.
وشددت أبو سنينية على ضرورة الاستثمار في بناء وعي رقمي جماعي، لا يقتصر على تقنيات الحماية فقط، بل يشمل ثقافة احترام الاختلاف وإدارة الخلاف. وأوضحت أن تمكين الشباب رقمياً يعني تدريبهم على التحقق من المعلومات، ومواجهة حملات التضليل، وفهم آليات عمل الخوارزميات، إلى جانب معرفة حقوقهم القانونية.
واعتبرت أن حماية الديمقراطية الرقمية لا تكون فقط بمواجهة الانتهاكات، بل ببناء بيئة صحية تشجع على الحوار وتقلل من الاستقطاب، بحيث يصبح الفضاء الرقمي أداة تعزيز للمواطنة لا ساحة لتصفية الحسابات.
وأجمع الضيفان على أن البيئة الرقمية الفلسطينية باتت أكثر عدائية، في ظل انقسام سياسي عميق وغياب ثقافة تقبل الرأي الآخر.
الحاجة إلى تشريعات ومواطنة رقمية
في ختام النقاش، شدد الضيفان على أهمية:
* سن قوانين واضحة لحماية البيانات والخصوصية
* إقرار قانون يضمن الحق في الوصول إلى المعلومات
* إدراج مفاهيم الأمان الرقمي في المناهج التعليمية
* الضغط على شركات التكنولوجيا لضمان الشفافية وعدم الانحياز
وأشار القاضي إلى أن التحول الرقمي الذي تتجه إليه الحكومة يجب أن يترافق مع بنية قانونية وسياساتية تحمي المستخدمين، محذراً من الانتقال إلى فضاء رقمي موسع دون ضمانات حقيقية.
أما أبو سنينية، فاعتبرت أن الديمقراطية الرقمية لا يمكن أن تزدهر دون ديمقراطية فعلية على أرض الواقع، قائلة:
"لا يمكن أن نطالب بديمقراطية رقمية في ظل تعطّل الحريات العامة. نحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية تحمي الحق في التعبير".
وخلصت الحلقة إلى أن الديمقراطية الرقمية في فلسطين تمثل ساحة مزدوجة؛ فهي من جهة منحت الشباب أدوات للحشد والمساءلة وصناعة الرأي العام، ومن جهة أخرى كشفت هشاشة الحريات في ظل غياب تشريعات حامية وإرادة سياسية واضحة.
الأرقام التي كُشفت خلال الحلقة — 3452 انتهاكاً موثقاً خلال عام، و60% رقابة ذاتية، و85% عزوف عن التعبير السياسي في القدس — تعكس واقعاً رقمياً معقداً، تتقاطع فيه التكنولوجيا مع السياسة والانقسام والاحتلال.