الشريط الاخباري

متى موعد الإفطار… سؤال بلا إجابة لأسرانا في السجون بقلم علاء كنعان - صحافي وكاتب فلسطيني

نشر بتاريخ: 03-03-2026 | أفكار
News Main Image

"متى موعد الإفطار ؟ " سؤال بسيط في ظاهره، عادي في تكراره، وفيه ذاكرة عائلية لدى الصائمين في شهر رمضان، لكنه في الجهة الأخرى، يفقد هذا السؤال بساطته تماماً عندما يتعلق بالأسرى الفلسطينيين، لأنه في سؤالا آخر عن ماهية الأكل على الإفطار، فهناك، لا موائد رمضانية ولا تُسكب العصائر و لا تُحضر الحلويات التي تشكل طقوساً رمزية للشهر الفضيل، فهناك تقدّم وجبات شحيحة، فلا طقوس اجتماعية ولا صوت مدفع ولا تهنئة، ولا يُستقبل بزينة أو دعاء جماعي.

تشير شهادة المحامي أحمد محاجنة وأسرى وتقارير صادرة عن مؤسسات مختصة بشؤون الأسرى، أن شهر رمضان المبارك قد بدأ دون علم بعض الأسرى بدخوله إلا عبر الصدفة أو التقدير الشخصي للزمن. وهنا يختلّ الإيقاع الروحي للصيام؛ فلا ساعة يمكن الاسترشاد بها، ولا تلفاز ولا إذاعة يمكن متابعتهم، ولا ضوء كاف يميّز بين الشروق والغروب. فيغدو الصيام تجربة وجودية، لا تضبطها المواقيت بقدر ما يحكمها الإحساس الداخلي وإرادة الاحتمال.

لقد تجاوزت المعاناة حدود شح الطعام لتطال الاحتياجات الإنسانية الأساسية. شهادات متعددة تتحدث عن حرمان من مستلزمات النظافة الشخصية لفترات طويلة، وتأخير في تبديل الملابس الداخلية في ظروف اكتظاظ متزايد منذ السابع من أكتوبر، وفق بيانات مؤسسات حقوقية تُعنى بملف الأسرى.

كل هذه التفاصيل التي ذكرتها قد تبدو صغيرة خارج السجن، ولكنها تتحول داخله إلى عناصر ضغط نفسي وجسدي متراكم، خاصة لدى الأسيرات اللواتي يواجهن احتياجات صحية مضاعفة في بيئة أكثر قسوة.

وفي هذا السياق، ومع غياب الطقوس الجماعية لرمضان، من صلاة جماعة وأجواء عائلية وسحور مشترك، تتقلص العبادة من فضائها الاجتماعي إلى بعدها الفردي العميق وتتحول إلى وسيلة لإعادة ترتيب الزمن النفسي يعيد من خلالها الأسير ضبط إيقاع يومه في ظل فقدان القدرة على معرفة الوقت، أو تنظيم تفاصيل يومه، أو حتى معرفة مواعيد الإفطار بدقة.

رمضان داخل السجن، هكذا أصبحت فيه لحظة الإفطار لا تُقاس بوفرة الطعام، وإنما بالقدرة على الاستمرار والحياة، وشروق الشمس في داخله لا يعني بداية يوم جديد بقدر ما يعني يوماً إضافياً من الصمود.

هكذا، تتكثف التجربة الإنسانية للأسرى إلى أقصى درجاتها في هذا الشهر، حيث يصبح الوقت اختباراً يومياً، وتغدو التفاصيل الصغيرة لمعرفة موعد أذان المغرب أو تمييز أول خيط للضوء أحداثاً كبرى في يوم طويل.  وفي المفارقة الفلسطينية المؤلمة، يبقى السؤال نفسه يتردد خارج السجون ببراءة: "شو بدنا نأكل اليوم؟"، بينما يتحول داخله إلى سؤال أعمق: كيف نصمد اليوم؟

شارك هذا الخبر!