أثار اقرار البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) تعديلات على قانون العقوبات موجة واسعة من الانتقادات، بعد أن استهدف الفلسطينيين بشكل مباشر بفرض عقوبة الإعدام، في تشريع يسهّل اتخاذ هذا الحكم وتنفيذه بحقهم. ويشمل القانون الفلسطينيين بمختلف أوضاعهم القانونية، سواء كانوا مواطنين داخل الخط الأخضر، أو مقيمين في القدس ويخضعون للقانون المدني، أو سكانًا في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ الخاضعين للقانون العسكري. يأتي هذا التعديل ضمن سياسة ممتدة لحكومة احتلال تسعى إلى ترسيخ سيطرة دائمة على الأرض الفلسطينية، في ظل منظومة قانونية تميّز بين الفلسطينيين في الأراضي المحتلة والمستوطنين، وبين المواطنين الإسرائيليين من أصول فلسطينية وغيرهم من اليهود، وتمنح حق تقرير المصير فوق هذه الأرض حصرا لليهود. إن هذا التعديل لا يمثل مجرد تشديد للعقوبات على الفلسطينيين، بل يأتي استكمالًا لسياسة رسمية عامة تستهين بحياة الفلسطينيين، وتميّز عنصريًا ضدهم، وتسعى لضم أراضيهم، والتنكر لحالة احتلال صارخ غير قانوني في فلسطين. وقد باتت هذه السياسة تُمارس بشكل معلن منذ وصول الحكومة اليمينية الحالية بقيادة بنيامين نتنياهو، وبرزت بوضوح بعد السابع من أكتوبر. وتكمن خطورة هذا التعديل في أنه لا يضيف عقوبة جديدة فحسب، بل يشرعن قانونيًا ممارسات قائمة فعليًا، من خلال نقلها من مستوى التنفيذ الميداني إلى إطار قانوني صريح، بعد أن ظل تطبيق عقوبة الإعدام محدودًا ومجمّدًا لسنوات طويلة، ومحصورًا في أضيق الحالات داخل النظام القانوني الإسرائيلي، بما يعكس تسارعاً في ترسيخ طبيعة قانونية صارمة مع الفلسطينيين، تخدم طموحات إسرائيل السياسية المستقبلية في الأراضي الفلسطينية ومع سكانها الفلسطينيين.
يقضى التعديل على قانون العقوبات بتنفيذ حكم الإعدام شنقاً على الفلسطينيين، سواء في المحاكم المدنية الاسرائيلية، داخل الخط الأخضر، أو في المحاكم العسكرية، التي يخضع لها الفلسطينيون في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧، الأمر الذي يعد شكلاً من أشكال الضم، حيث لا يجوز للكنيست إصدار قوانين وقرارات تتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، وهي سياسة متواصلة تعمل سلطات الاحتلال على ترسيخها منذ سنوات. فقد بدأت سلطات الاحتلال بتطبيق القانون المدني على المستوطنيين اليهود في المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما يخضع الفلسطينيون فوق ذات الأرض للحكم العسكري. كما تسعى سلطات الاحتلال خلال السنوات الأخيرة، وخلال ولاية الحكومة الحالية، لتوسيع الحكم المدني على الأراضي الفلسطينية المحتلة، بدلاً من الحكم العسكري، في انكار ممنهج لحالة الاحتلال القائمة، وفي مسعى لترسيخ الوضع القائم الشاذ، ويأتي ذلك التعديل الأخير من ضمنه.
ويتعلق ذلك التعديل لقانون العقوبات الإسرائيلي، الذي جرى مؤخراً، بالفلسطينيين تحديداً، بغض النظر عن مكان إقامتهم، داخل الخط الأخضر، أو في القدس، أو في الضفة الغربية، أو في غزة، الأمر الذي يعتبر استكمالاً لسلسلة طويلة من الممارسات والتشريعات التي تميز عنصرياً ضد الفلسطيني، فوق هذه الأرض. وجاء ذلك التمييز في التعديل الأخير بشكل ضمني، لكنه واضح، عندما حدد النص أن يكون الفعل المرتكب في إطار "انكار وجود دولة إسرائيل"، وهي صياغة سياسية، تهدف لاستثناء اليهودي من ذلك التعديل. يأتي ذلك على الرغم من عدم وجود تعريف محدد وواضح للارهاب في القانون الإسرائيلي، الذي يضع ممارسات الفلسطينيين في إطاره، الأمر الذي يجعل اتخاذ القرارات ضمن ذلك التعديل الخطير فوضوياً، ويستهتر بحياة الفلسطينيين، وهي سياسة معتمدة في إطار الممارسة من قبل سلطات الاحتلال. فتعتمد إسرائيل سياسة القتل دون محاكمة بحق الفلسطينيين، سواء ضمن سياسة الاغتيالات عموماً، أو الاستهداف الميداني المستهتر، في الضفة الغربية، فقد تم إعدام أكثر من ١١٠٠ فلسطيني ميدانياً في الضفة الغربية، في العامين الماضيين فقط. ويدعم ذلك التوجه أن التعديل الأخير يسمح للمحكمة باتخاذ قرار الإعدام بالأغلبية البسيطة، وليس بالإجماع، وبإصدار الحكم ضمن عقوبة إلزامية، ودون طلب من النيابة العامة، رغم أن الأمر يتعلق بحياة إنسان. كما يجري ذلك التعديل في ظل حقبة تتصاعد فيها اعتداءات المستوطنيين وارهابهم بحق الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، والذي بات يشكل مصدر قلق معلن من قبل حكومات دول العالم ومنظماته، في تجاهل إسرائيلي رسمي مقصود، يخدم أجندة سياسية باتت معلنة لاحتلال.
ولا يعد التميز العنصري الرسمي الإسرائيلي جديداً، اذ أن التمييز الذي شمله التعديل الجديد، يأتي في ظل منظومة تمييز تشريعي ممتد عبر عمر هذه الدولة. يأتي ذلك بدءاً قانون من قانون العودة، الصادر في العام ١٩٥٠، الذي يعطي الحق لكل يهودي في الهجرة إلى إسرائيل والحصول على جنسيتها. في حين تمنع هذه الدولة الفلسطيني الذي طرد قسراً من أرضه بالعودة لها. يأتي ذلك بالإضافة لقانون أملاك الغائبين الذي صدر أيضاً في ذلك العام، والذي يصادر أملاك ذلك الفلسطيني الذي طرد قسرا من أرضه، ومنع من العودة لوطنه، لتصبح ضمن أملاك وأراضي الدولة. في حين يمنح اليهودي تسهيلات للاستيطان والاقامة في الأراضي الفلسطينية، التي تعتبرها سلطات الاحتلال "أرض دولة"، في الأراضي المحتلة، في احلال يعد جريمة في القانون الدولي. ومروراً بقانون المواطنة الصادر في العام ٢٠٠٣، وهو امتداد لقانون العودة، والذي يحرم الفلسطيني من غزة او الضفة أو حتى الشتات من الحصول على اقامة أو جنسية عبر الزواج من إسرائيلي أو إسرائيلية، وهي سياسة لا تطبق إلا بحق الفلسطينيين، مقارنة بأتي أجنبي آخر يتزوج إسرائيلياً. ويعد قانون القومية، الصادر في العام ٢٠١٨، مثالا صارخاً على التمييز العنصري، الذي يمنح اليهودي وحده حق تقرير المصير فوق هذه الأرض، رغم أن الاغلبية عليها من الفلسطينيين. هذه التشريعات، رغم اختلاف سياقاتها، تعمل ضمن بنية قانونية واحدة تميز صراحة ضد الفلسطينيين، أي السكان الأصليين لهذه الأرض، وبين اليهود الذين جاء غالبيتهم لاستيطانها، وهو ما يشكل الخلفية التي يظهر ضمنها قانون الإعدام كامتداد منطقي وليس استثناءً عن تلك المنظومة. ويدعم ذلك التوجه أن التمييز ضد الفلسطينيين لا يتمحور فقط في إطار الممارسة الرسمية لدولة الاحتلال أو حتى تشريعاتها، بل يمتد ذلك للرأي العام اليهودي. ويدعم الشارع اليهودي، وفق اسطلاعات رأي متعددة، تطبيق عقوبة الإعدام على الفلسطينيين بأغلبية تجاوزت ٦٠ في المائة في الأحوال الطبيعية، وتزيد عن ذلك لتصل إلى ٨٠ في المائة إذا ارتبطت بأحداث السابع من أكتوبر. إن ذلك يعكس توجهاً يمينياً عاماً في إسرائيل يستهدف الوجود الفلسطيني ومستقبله.
يأتي ذلك التعديل على قانون العقوبات الإسرائيلي والقاضي بإعدام الفلسطينيين في إطار ثلاث حقائق، تضع تساؤلاً كبيراً حول غايات ذلك التعديل. تتعلق الأولى بتزايد حالات القتل واستهداف الفلسطينيين، في غزة والضفة الغربية، خارج نطاق القانون. فبينما كان متوسط عدد من تقتله إسرائيل سنوياً لا يتجاوز ٧٠ فلسطيني قبل العام ٢٠٢٣، في الأحوال الطبيعية، تجاوز العدد ٣٥٠ فلسطيني سنويا في الضفة الغربية، منذ وصول حكومة بنيامين نتانياهو اليمينية للحكم مطلع ذلك العام، بينما وصل لعشرات الآلاف في غزة خلال حرب الثلاث سنوات الأخيرة. وترتبط الثانية بتصاعد أعداد المعتقلين والأسرى من الفلسطينيين، والذين تخطى عددهم عشرة آلاف بعد السابع من أكتوبر، سواء من الضفة الغربية أو من غزة، ويستخدم ضدهم الاحتلال أعتى أساليب التعذيب وانتهاك الكرامة، فقتل الاحتلال في السجون خلال تلك الفترة أكثر من ٨٠ فلسطينياً، تحت وطأة التعذيب أو الإهمال الطبي، وتأكيدات بوجود حالات قتل أخرى، داخل السجون الإسرائيلية ومراكز الاعتقال، لم يعلن عنها بعد. في حين تشير الحقيقة الثالثة إلى إجماع دراسات إسرائيلية متعددة أن استخدام وسيلة القتل او الإعدام مع الفلسطينيين لا تعد وسيلة رادعة، وفق التجربة الطويلة في التعامل معهم. إن ذلك يؤكد أن التعديل الجديد لا يهدف فقط لتحقيق مزيد من الاستهتار بحياة الفلسطينيين، والتمييز الصارخ ضدهم أيضاً، بل يأتي لترسيخ حالة وأمر واقع يلغي واقع الاحتلال ويفرض واقعاً يتنكر لحق الفلسطينين في الحياة الكريمة في وطنهم وحقهم في البقاء والحرية والاستقلال.
ورغم أن التعديل الأخير لا يسرى بأثر رجعي، أي انه لن يطال الفلسطينيين الذين اتهموا أو حكم عليهم بارتكاب "أعمال أرهابية"، قبل إقرار هذا التعديل، إلا أن هناك تشريعاً مماثلاً، بصدد القراءة الثانية والثالثة، والاعتماد من قبل الكنيست قريباً، يتعلق بمن تم اعتقالهم من غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر. وهناك أكثر من ألفي غزي ينطبق عليهم ذلك الوصف، ويحتجزون ضمن حالة من التستر والغموض، ويواجهون مصيراً مجهولاً، ارسلت جثث عدد منهم بالفعل إلى غزة، تم إعدامهم مباشرة أو قتلوا تحت التعذيب، وبعضهم كان مجهول الهوية.
تتمحور المعارضة المحدودة من الإسرائيليين لإقرار عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين، والأصوات الإسرائيلية الخافتة، حول ما قد يسببه هذا القانون من ضرر لصورة إسرائيل التي يروج غربياً بأنها تمثل “واحة الديمقراطية” في الشرق الأوسط، رغم التناقض البنيوي بينها وبين واقع الاحتلال. ويواجه هذا القانون أيضًا انتقادات دولية واسعة، بما في ذلك من حلفاء غربيين لإسرائيل لوّح بعضهم بإمكانية اتخاذ إجراءات عقابية، إلى جانب مواقف رافضة من دول عربية وإسلامية، بعضها يقيم علاقات رسمية مع إسرائيل. كما قُدّمت التماسات إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للطعن في دستورية هذا القانون، من بينها التماس مركز عدالة إلى جانب جهات حقوقية أخرى وأعضاء كنيست، وقد مُنحت مهلة حتى الرابع والعشرين من أيار للنظر فيها. ورغم أن المحكمة العليا لم تُعرف تاريخيًا بإنصاف الفلسطينيين، وتواجه انتقادات اليها من قبل منظمات حقوقية إسرائيلية ودولية بسبب انحيازها، إلا أنها سبق أن أبطلت تشريعات أقرها الكنيست، وإن كان ذلك في قضايا لا تمس جوهر العلاقة مع الفلسطينيين، مثل قضايا طالبي اللجوء أو تجنيد المتدينين أو بعض جوانب “معيار المعقولية”. غير أن أهمية هذا القانون لا تتوقف عند مآلاته القضائية أو ردود الفعل الدولية عليه، بل تكمن في دلالته الأعمق، فهو لا يمثل انحرافًا عن المسار القائم، بل يكشف عن طبيعته ويجعلها أكثر وضوحًا وصراحة. إذ ينقل العلاقة مع الفلسطينيين من إطار السيطرة والإدارة إلى إطار تقنين الإقصاء والعقاب، بحيث تصبح مسألة إنهاء حياتهم جزءًا من بنية قانونية معلنة، لا مجرد ممارسة ميدانية فقط. وفي هذا السياق، يطرح هذا التعديل اختبارًا للمجتمع الدولي مدى تعامله مع هذا التحول بوصفه مسألة قانونية وأخلاقية تستوجب موقفًا فعليًا، لا مجرد بيانات سياسية، وتهديدات خطابية بفرض عقوبات على إسرائيل كقوة احتلال، وحدود حماية شعب يخضع تحت نير احتلال وممارسات خطيرة بحقهم.