في خطوة تجاوزت بها كافة الخطوط الحمر الدولية والحقوقية، صادق الكنيست الإسرائيلي نهائياً، بالقراءتين الثانية والثالثة، على مشروع قانون يتيح فرض عقوبة "الإعدام" بحق الأسرى الفلسطينيين. هذا التشريع ليس مجرد إضافة لسجل القوانين القمعية، بل هو تحول جوهري في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية، يضع المنطقة أمام فوهة بركان قد ينفجر في أي لحظة.
يأتي هذا القانون كتجسيد حي لهيمنة اليمين المتطرف على مفاصل الدولة في إسرائيل. فبعد عقود من "التحفظ" القانوني والأمني على تنفيذ عقوبة الإعدام (خوفاً من التداعيات الدولية وردود الفعل الميدانية)، كسرت الحكومة الحالية هذا "التابو"، مقدمةً القرابين السياسية لقاعدتها الانتخابية الأكثر تشدداً.
إن القراءة المتأنية للقانون تكشف عن طابع "عنصري" بامتياز؛ إذ إنه يستهدف شريحة محددة بناءً على خلفية قومية، مما يجرّد المنظومة القضائية الإسرائيلية من أي ادعاء بالديمقراطية أو النزاهة، ويحولها إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية تحت غطاء "القانون".
يروج مروجو القانون في تل أبيب بأن الإعدام سيشكل "ردعاً" للفلسطينيين، لكن القراءة التاريخية والميدانية تقول عكس ذلك تماماً:
استراتيجية "اللاعودة": إن التهديد بالإعدام قد يدفع المقاتلين الفلسطينيين إلى الاستبسال حتى الرمق الأخير بدلاً من الاعتقال، مما سيرفع كلفة المواجهات الميدانية بالنسبة للجيش الإسرائيلي.
صناعة "الأيقونات": تنفيذ أي حكم إعدام سيحول الأسير إلى "شهيد حي" ورمز وطني ملهم، مما سيؤجج مشاعر الغضب في الشارع الفلسطيني ويخلق موجات جديدة من العمليات الانتقامية.
دولياً، يضع هذا القانون إسرائيل في صدام مباشر مع القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة. إن "شرعنة القتل" خارج إطار المحاكمات العادلة وبأثر رجعي أو بدوافع عنصرية، يعزز من الملفات المرفوعة ضد القادة الإسرائيليين في محكمة الجنايات الدولية.
المجتمع الدولي اليوم مطالب بالانتقال من "مربع القلق" إلى "مربع الفعل"؛ فالصمت على هذا القانون يعني إعطاء الضوء الأخضر لمنظومة الاحتلال للإمعان في سياسة التطهير والقمع الممنهج.
أمام هذا المنعطف الخطير، يبرز التساؤل الملحّ حول الأدوات التي يمتلكها الجانب الفلسطيني والمجتمع الدولي لفرملة هذا القانون ومنع تحوله إلى واقع دموي. القراءة التحليلية تشير إلى وجود أربعة مسارات متوازية يمكن أن تشكل حائط صد أمام "المقصلة" الإسرائيلية:
1. تدويل القضية قانونياً (المسار الجنائي): لم يعد التوجه لمحكمة الجنايات الدولية ترفاً دبلوماسياً، بل أصبح ضرورة وجودية. إن ملاحقة قادة الاحتلال بتهمة "شرعنة القتل خارج القانون" ووضع المنظومة القضائية الإسرائيلية تحت مجهر الرقابة الدولية، كفيل بخلق حالة من "التردد" لدى القضاة العسكريين الإسرائيليين قبل النطق بأي حكم إعدام، خوفاً من الملاحقة الدولية الشخصية.
2. "ثورة السجون" والعصيان الشامل: تاريخياً، كانت الحركة الأسيرة هي "الترمومتر" المحرك للشارع الفلسطيني. ومن المتوقع أن يؤدي هذا القانون إلى توحيد كافة التنظيمات داخل السجون خلف استراتيجية "العصيان الكلي"، مما سيجعل كلفة إدارة السجون أمنياً وسياسياً ومالياً تفوق قدرة الاحتلال على الاحتمال، ويحوله من قانون للردع إلى عبء استراتيجي.
3. الحرج الدبلوماسي والضغوط الإقليمية: تواجه الدول المرتبطة باتفاقيات سلام أو قنوات اتصال مع إسرائيل ضغوطاً أخلاقية وشعبية كبرى. تفعيل "الدبلوماسية الضاغطة" والتلويح بمراجعة العلاقات الثنائية، إلى جانب الموقف الأوروبي التقليدي الرافض لعقوبة الإعدام، قد يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى إبقاء القانون "حبراً على ورق" دون تنفيذ فعلي لتجنب العزلة الدولية الشاملة.
في نهاية المطاف، يظل قانون الإعدام الإسرائيلي تعبيراً عن حالة من 'الإفلاس الاستراتيجي'؛ فالدول التي تلجأ لتغليظ العقوبات الجسدية هي عادةً تلك التي عجزت منظومتها الأمنية والسياسية عن احتواء الصراع. إن المراهنة على 'الردع عبر المقصلة' هو رهان خاسر أمام شعبٍ يرى في الأسر معركة كرامة وفي الموت شهادة.
وبدلاً من أن يحقق القانون الأمن المنشود، فإنه قد يفتح أبواباً لمواجهة شاملة تتجاوز جدران السجون لتشعل الميادين كافة، مؤكداً أن جذور الصراع لا تُحل بالتشريعات القمعية، بل بإنهاء الاحتلال نفسه.