تعتبر الحرب على إيران مرآة كاشفة لتحوّل بنيوي عميق في نظام دوليكان يتشكل منذ سنوات. ولا يمكن النظر إلى هذه الحرب على أنها أزمةإقليمية عابرة أو صراع بين قوى متنافسة في بقعة محددة، بل تشكلفي الحقيقة لحظة محورية في تاريخ العلاقات الدولية. تجسد هذهالحرب واقع انتقال النظام الدولي من نظام أحادي القطبية إلى نظامآخر جديد لم تتحدد معالمه بعد، يحمل مظاهر قوة مختلفة هيوليدة لعصرنا الحالي. تتبلور معالم النظام الجديد في ظل تحدياتتواجه العالم، وقد تشكل خطراً وشيكاً متدحرجاً لا يعد سمة نظريةغريبة في ظل معطيات تحول النظم الدولية.
بعد نهاية الحرب الباردة، وظهور مقاربة نهاية التاريخ لفرنسيسفوكوياما، معلناً فيها انتصار الولايات المتحدة على الاتحاد السوفياتي،هيمنت الأولى على النظام الدولي، كقوة عظمى وحيدة قادرة علىصياغة القواعد وفرض المعايير العالمية الجديدة، على مدار العقودالثلاثة بعدها. دُعم ذلك باندماج أوروبا تحت المظلة الأمنية الأميركية،من خلال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والذي منح القارة العجوزهامشاً واسعاً للتقدم في إطار التكامل الاقتصادي، ومنح واشنطناحتكاراً عالمياً للهيمنة، بدعم من المنظومة الغربية المتكاملة. لمتواجه تلك التحولات مقاومة تذكر من قوى عالمية أخرى. تعاطتروسيا، خليفة الاتحاد السوفياتي، مع المنظومة الغربية الاقتصادية، وإناحتفظت بوعي بطابعها الوطني الخاص. وتعاونت الصين مع ذاتالمنظومة الغربية، وطورت نفسها بتؤدة وحرص، بعيداً عن التصادمالذي طالما ميز ملامحها، فجاء صعودها هادئاً وسلمياً. في ظل تلكالتطورات التي حكمت منظومة دولية متكاملة، ظلت الصراعاتالإقليمية محصورة في أطرها الجغرافية، ما شكل مقياساً أو سمةً لذلكالنظام أحاديّ القطبية.
تتبدل العلاقات الأوروبية الأميركية باتجاه التباعد، أو الاستقلالية. فبعدأزمة التعريفات الجمركية، دُفعت أوروبا لتسريع إبرام اتفاقيات تجاريةمع الهند والبرازيل ودول أخرى لتنويع شراكاتها الاقتصادية. وتمثلالتجارة بين الاتحاد الأوروبي والصين نحو 30٪ من التدفقات التجاريةالعالمية، رغم العلاقات المتذبذبة مع الصين. جاءت إطلاق الولاياتالمتحدة عمليتها العسكرية ضد إيران دون أي تشاور مع حلفائهاالأوروبيين، في ظل أزمة تمويل الناتو، التي افتعلها ترامب في ولايتهالأولى، وأثيرت في ولايته الحالية، لتعقد علاقة الحلفاء التاريخية. وهدّدترامب بفرض حظر تجاري شامل على إسبانيا، بعد رفضها السماحلقوات أميركية بشن ضربات من قواعد على أراضيها. وأعلن ترامب عنسحب 5 آلاف جندي أميركي من المتمركزين في ألمانيا، في أعقابتصريحات صدرت عن المستشار الألماني انتقدت مسار المعركة ضدإيران. في آذار الماضي، ألقى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خطاباًمن قاعدة إيل لونغ البحرية النووية، أعلن فيه توسيع الترسانة النوويةالفرنسية للمرة الأولى منذ عقود، وأطلق مفهوم «الردع المتقدم»،وأمر بنشر أسلحة نووية فرنسية في أراضي دول أوروبية حليفة، وهوتوجه تبنته بعد ذلك دول أوروبية أخرى. فقد باتت هناك رغبة أوروبيةباتجاه تطوير منظومة أمنية مستقلة عن الولايات المتحدة. يعكسذلك تحوّلاً بنيوياً متراكماً باتجاه الاعتماد على الذات، بعيداً عن الحليفالأميركي التقليدي.
يبدو أن مرحلة اليقين الإستراتيجي قد انتهت، وهي تلك التي سادتلعقود خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة. ولعل من الشواهد المهمةعلى ذلك، الموقف الذي اتخذته القوى الغربية، ورغم نتائج الحربالأميركية على إيران، من ارتفاع التكاليف، وزعزعة استقرار أسواقالطاقة، واضطرابات سلاسل التوريد، وتراجع الثقة في قواعد التجارةالعالمية وحرية الملاحة، لم تتبع هذه القوى الرؤية الإستراتيجيةالأميركية، كما العادة.
كما يبدو أن السياسة الأميركية الغربية تجاه روسيا لردعها وإضعافهابعد الحرب على أوكرانيا لم تنجح، وبقيت روسيا قوة عالمية متماسكة. يتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد الروسي بنسبة 1.1٪ في العامالجاري، في حين يتوقع نمواً لكل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا لا يتجاوز علىالتوالي 0.8٪، و0.9٪، و0.5٪.
لعل زيارة ترامب الحالية للصين، وطبيعة الملفات على جدول أعمالهاتعكس طبيعة التوازنات بين القطبين الكبيرين. فما بين إمكانية شراءالصين لطائرات بوينغ، وملف الذكاء الاصطناعي بما يحمله منتعقيدات بين البلدين، وملفَي هرمز وتايوان، تكتسب الصين ميزة علىالولايات المتحدة، في إطار حرب من المساومات. تحمل هذه الزيارةبعداً استثنائيا، يعكس واقع التطورات الدولية، من خلال النظر إليها عبرعدة اعتبارات. يتعلق الأول بزيارة وزير الخارجية الإيراني قبلها، وبوتينفي أعقابها، والذي يعكس دور ومكانة الصين عالمياً، في حل الأزماتالعالقة كقوة عالمية. ويرتبط الثاني بوضع ترامب داخلياً، الذي يصلبكين بشعبية متدنية في بلاده مرتبطة بارتفاع أسعار الوقود بسببحرب إيران، وبسبب إلغاء المحكمة العليا الأميركية الرسوم الجمركيةالتي فرضها في شباط الماضي، بحجة عدم دستوريتها، وبسبب تراجعواقع تحالفاته مع شركائه الغربيين. ويرتبط الثالث بحقيقة تخفىخلفها الكثير، فكانت صادرات أميركا للدول النامية في العام 2000 تفوق الصينية بأكثر من ستة أضعاف. بحلول عام 2024، أصبح أكثرمن نصف الواردات لتلك الدول من الصين. وتعتبر الصين اليومالشريك التجاري الأول لأكثر من 150 دولة في العالم.
فعلى الرغم من اعتماد دول مركزية عديدة في العالم على طاقةالخليج، وارتباط اقتصادها بأمن ممرات الطاقة وحرية الملاحة عبرالمضائق الحيوية، إلا أنها عجزت عن حماية مصالحها، لأن استقرارالمنطقة وأمن تدفق الطاقة العالمية لم تعد تحكمهما المعادلاتالتقليدية، وبات من الضروري تغيير الحسابات القديمة. تعاملتالعديد من الدول المتأثرة بتلك التطورات، ومنها الصين، التي كانتتستورد حوالي 42% من نفطها من منطقة الخليج قبل الحرب، معالأزمة بمنظور اقتصادي براغماتي، متجنبةً التدخل الأمني المباشر،واعتمدت على الاستقرار الذي توفره الترتيبات الأمنية القائمة، ولمتتحالف مع طرف ضد آخر، الأمر الذي يعكس، وبحق، أزمة وجود قيادةعالمية، أو ثقة بالقيادة الموجودة حالياً.
لم يعد التهديد لمضيق هرمز أو تعطيل الملاحة البحرية في الممراتالمائية الحيوية شأناً إقليمياً يمكن احتواؤه ضمن حدوده الجغرافية،بل أصبح اختباراً مباشراً للنظام الدولي برمّته، ما عكس حالة جديدةمن الاستقطابات، وإن بدت مترددة، فلم تحسم المعركة لصالحواشنطن. ولم يستطع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة التدخلللمساعدة في التوصل إلى توافق بشأن الأزمة، في ظل تحالفات دوليةباتت تعكس حالة جديدة، وتوازنات مختلفة.
ضمن تلك المعادلات الجديدة، أصبحت الدول التي لا تمتلك تفوقاًعسكرياً راسخاً، لكنها تمتلك في المقابل أساساً اقتصادياً وتكنولوجياًواعداً، قادرة على حماية شبكاتها الرقمية من الاختراقات الإلكترونية،وتأمين سلاسل توريدها ضد أي تعطيل أو إكراه، وضمان استقلالهاالتكنولوجي في القطاعات الحيوية، أكثر أماناً من دول ذات قدراتعسكرية تقليدية راسخة، لكنها ضعيفة في بنيانها التكنولوجي الحديث. فقد تستطيع دول متوسطة الحجم عسكرياً اليوم ممارسة نفوذ أكبرمن ذلك الحجم بكثير على دولة عظمى، نظراً لتفوقها في قطاع محددمن قطاعات القوة المستحدثة المتعاظمة. يُغيّر هذا التحوّل الصارخمصادر الردع الجديد داخل النظام الدولي، فلم تعد الجيوش الجهةالوحيدة المسؤولة عن ضمان الردع، بل انضمت إليها المصانعالإستراتيجية، ومختبرات الأبحاث المتقدمة، وشركات التكنولوجياالكبرى، والبنية التحتية الرقمية، وكلها تعمل كأدوات محورية فيمعادلة الأمن الحديثة. إن ذلك يوسع بلا شك من عدد الأقطاب فيالعالم، ولا يجعلها محصورة في الولايات المتحدة فقط، كما كان فيالماضي، وكما تثبته اليوم هذه الحرب.
منذ سنوات، بدأ نظام تنافسي متعدد الأقطاب في التشكل والنمو، لمتشارك في تشكيله فقط قوى كبرى، بل بات للقوى المتوسطة أيضاً دورجوهري في تشكيله، وأخذ مكان داخله، وهو ما يميزه على نظم سابقة. فالنظام الذي يتبلور اليوم لم تعد تحكمه القوى العسكرية فقط، بلاختلط ذلك بقدرات تكنولوجية واقتصادية وعلميّة، تتقاسمها دولمتعددة، ولا تحتكرها فقط القوى الكبرى. وفي إطار هذا النظام الناشئتصبح التحالفات أكثر مرونة، وأقل استقراراً، وأكثر واقعية، ويصبحالردع أكثر تكلفة وأصعب حساباً نظراً لتعدد مصادر التهديد وتشابكها. وبنفس القدر من الأهمية، يتقدم الاقتصاد والتكنولوجيا بوتيرة أسرعمن القوة العسكرية التقليدية كأدوات مركزية لممارسة النفوذ الدولي وتعزيز المصالح الإستراتيجية، الذي من الصعب التنبؤ بنتائجه أو ريم مساره.
كشفت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، كعامل قياس، عن تغيرمعطى التفاعل الذي ساد خلال عهد القطبية الأحادية، وانحسارالصراعات الإقليمية ضمن حدودها، فعادت تنحرف تلك الصراعاتلفضاء وتفاعلات أوسع، فباتت عالمية الأثر. كما كشفت هذه الحربعن تبدل في معنى وحدود القوة، والتي حكمت العقود الماضية بقواعدامتلاك القوة العسكرية والنووية والاقتصادية التقليدية. وباتتالمنافسة اليوم، والتي كشفتها هذه الحرب، أبعد من ذلك وامتدت إلىأبعاد أوسع تتعلق اقتصادياً بسلاسل التوريد والتمويل، وتكنولوجياًبأشباه الموصلات والاتصالات المتقدمة، وإمدادات وممرات النقل،ومعلوماتياً بالبيانات والسيادة الرقمية، والذكاء الاصطناعي، والتيأصبحت مقومات حاسمة في معادلات القوة المستقبلية.