الشريط الاخباري

عندما يؤكد الواقع صحة التحليل: هل بدأ الشاقل يفقد بريقه؟ بقلم: الدكتور نبيل كوكالي

نشر بتاريخ: 04-06-2026 | أقتصاد , أفكار
News Main Image

الكاتب :  رئيس ومؤسس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO)


شهدت الأسواق المالية خلال الأيام الأخيرة تطورًا لافتًا تمثل في ارتفاع الدولار أمام الشاقل الإسرائيلي وتراجع العملة الإسرائيلية عن بعض مستويات القوة التي حافظت عليها خلال الفترة الماضية. وقد جاء هذا التحول عقب تصريحات محافظ بنك إسرائيل بشأن إمكانية تسريع وتيرة خفض أسعار الفائدة، بالتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر والاتجاهات المستقبلية للأسواق. 

ورغم أن هذا التراجع لا يزال محدودًا من الناحية الرقمية، إلا أن أهميته تتجاوز الأرقام  ذاتها، لأنه يعيد فتح النقاش حول مستقبل الشاقل واتجاهاته المقبلة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مرحلة القوة الاستثنائية التي عاشتها العملة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بدأت تواجه تحديات جديدة.

وتكتسب التطورات الأخيرة أهمية خاصة عند قراءتها في سياق المقالين اللذين نشرتهما مؤخرًا بعنوان "تراجع الدولار أمام الشاقل الإسرائيلي: لماذا يدفع الفلسطينيون الثمن؟" و"الشيكل تحت الضغط". ففي المقال الأول تناولت التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لاستمرار قوة الشاقل على الفلسطينيين، وحذرت من أن هذا الاتجاه ليس مضمونًا إلى ما لا نهاية، وأن تغيره قد يحدث نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية: تدخل بنك إسرائيل عبر السياسة النقدية، أو تطورات جيوسياسية مؤثرة، أو ارتفاع عالمي في قيمة الدولار.

أما في المقال الثاني "الشيكل تحت الضغط" فقد انتقل التحليل إلى الجانب الإسرائيلي، حيث أشرت إلى أن الشاقل القوي لا يشكل تحديًا للفلسطينيين فقط، بل قد يتحول أيضًا إلى عبء على قطاعات واسعة داخل الاقتصاد الإسرائيلي، وخاصة قطاعات التصدير والتكنولوجيا المتقدمة والشركات التي تعتمد على إيرادات بالدولار بينما تتحمل معظم نفقاتها بالشواقل.

واليوم، تبدو التطورات الأخيرة متوافقة إلى حد كبير مع الاتجاهات التي أشارت إليها تلك التحليلات. فالقيمة الحقيقية للتوقعات التي وردت في المقالين السابقين لا تكمن في التنبؤ بتحرك محدود لسعر الصرف أو بارتفاع الدولار من 2.84 إلى 2.88 شيكل، إذ إن مثل هذه التقلبات تحدث بشكل طبيعي في أسواق العملات، وإنما تكمن في تحديد العوامل الاقتصادية والنقدية والجيوسياسية القادرة على تغيير اتجاه السوق قبل أن تصبح آثارها واضحة للعيان.

فقد بدأ أحد هذه العوامل بالظهور من خلال التصريحات الأخيرة لمحافظ بنك إسرائيل بشأن إمكانية تسريع خفض أسعار الفائدة، وهو ما فسرته الأسواق على أنه مؤشر إلى استعداد المؤسسة النقدية الإسرائيلية للتعامل مع التداعيات الاقتصادية المترتبة على استمرار قوة الشاقل. كما تزامن ذلك مع تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم مستويات المخاطر وعدم اليقين في المنطقة.

ومن المعروف اقتصاديًا أن خفض أسعار الفائدة يؤدي عادة إلى إضعاف العملة المحلية، لأن تراجع العائد على الأصول المقومة بها يقلل من جاذبيتها للمستثمرين. ولذلك لم يكن مفاجئًا أن يتراجع الشاقل بأكثر من 1% خلال فترة قصيرة من صدور هذه التصريحات، وأن يشهد الدولار ارتفاعًا ملحوظًا أمامه.

ورغم أن هذا التراجع لا يزال محدودًا من الناحية الرقمية، إلا أن أهميته تتجاوز الأرقام ذاتها، لأنه يعيد فتح النقاش حول مستقبل الشاقل واتجاهاته المقبلة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت مرحلة القوة الاستثنائية التي عاشتها العملة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة بدأت تواجه تحديات جديدة.

ورغم أن هذا التطور لا يكفي للقول إن الاتجاه قد انعكس بصورة نهائية، فإنه يمثل إشارة مهمة إلى أن العوامل التي دعمت قوة الشاقل خلال الفترة الماضية لم تعد بالقوة نفسها، وأن الأسواق بدأت تستجيب لمتغيرات جديدة كانت محل نقاش وتحليل في المقالات السابقة.

واللافت أن المخاوف من قوة الشاقل لم تعد مقتصرة على الفلسطينيين أو على المتعاملين بالدولار والدينار، بل أصبحت موضع نقاش متزايد داخل إسرائيل نفسها. فخلال الأشهر الأخيرة، بدأت قطاعات اقتصادية إسرائيلية، خاصة في مجالات التصدير والتكنولوجيا المتقدمة، التحذير من أن استمرار قوة الشاقل يضعف قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، لأن إيراداتها تُحتسب بالدولار بينما تُدفع معظم نفقاتها ورواتب موظفيها بالشواقل.

كما أن التصريحات الأخيرة لمحافظ بنك إسرائيل تعكس إدراكًا متزايدًا داخل المؤسسة النقدية الإسرائيلية بأن استمرار قوة الشاقل، رغم مساهمته في الحد من التضخم، قد يتحول في المقابل إلى عبء على النمو الاقتصادي والصادرات وفرص العمل. ولذلك فإن التراجع الأخير في قيمة الشاقل لا يمكن فهمه فقط باعتباره حركة عابرة في سوق العملات، بل باعتباره جزءًا من محاولة أوسع لإعادة التوازن بين استقرار الأسعار ومتطلبات النمو الاقتصادي.

وتبرز هنا مفارقة مهمة؛ فبينما كان الفلسطينيون ينظرون إلى قوة الشاقل باعتبارها مصدر ضغط على دخولهم ومدخراتهم وقدرتهم الشرائية، بدأت قطاعات داخل الاقتصاد الإسرائيلي تنظر إليها باعتبارها تحديًا اقتصاديًا يهدد قدرتها التنافسية. وهذا يؤكد أن قضية سعر الصرف لم تعد مجرد مسألة مالية، بل أصبحت قضية اقتصادية واجتماعية تؤثر بدرجات متفاوتة على جانبي الاقتصاد المرتبطين بهذه العملة.

أما بالنسبة للفلسطينيين، فإن الارتفاع الأخير في الدولار قد يوفر بعض الارتياح المؤقت للأسر التي تعتمد على الدولار أو الدينار كمصدر للدخل أو الادخار، لكنه لا يشكل حلًا للأزمة الاقتصادية الأعمق. فالمشكلة الأساسية لا تزال تكمن في هشاشة الاقتصاد الفلسطيني واعتماده الكبير على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى عوامل خارجية لا يملك السيطرة عليها.

ومن هنا، فإن ما نشهده اليوم ليس نهاية لعصر الشاقل القوي، كما أنه لا يعني بالضرورة دخول الدولار في مسار صعود مستدام. لكن ما يمكن قوله إن المؤشرات الأولية بدأت تتحرك في الاتجاه الذي أشارت إليه التحليلات السابقة، وهو ما يؤكد أن فهم العوامل المحركة للسوق قد يكون أكثر أهمية من محاولة التنبؤ بالأرقام نفسها.

لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن قوة الشاقل ليست حقيقة اقتصادية دائمة، وإنما ظاهرة مرتبطة بظروف وسياسات قابلة للتغير. وهذا هو جوهر التحليل الاقتصادي الرصين: ليس معرفة الرقم القادم لسعر الصرف، بل فهم القوى النقدية والاقتصادية والجيوسياسية التي قد تدفع السوق إلى تغيير اتجاهه قبل أن تصبح آثارها واضحة للعيان.

ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نشهد بداية مرحلة جديدة من التوازن في سوق العملات، أم أن الشاقل سيستعيد قوته السابقة؟ الإجابة ستتوقف على قرارات بنك إسرائيل المقبلة، ومسار الاقتصاد الأمريكي، ومستوى التوترات الإقليمية والدولية خلال الأشهر القادمة. لكن المؤكد أن النقاش لم يعد يدور حول الفلسطينيين وحدهم، بل أصبح يشمل مستقبل الاقتصاد الإسرائيلي نفسه، وهو ما يجعل قضية الشاقل اليوم أكثر تعقيدًا وتأثيرًا مما كانت عليه في السابق.

 

شارك هذا الخبر!