رام الله /PNN / أكد خبراء وباحثون أن العدالة الاجتماعية في فلسطين تشهد تراجعًا حادًا بفعل تداخل عوامل الاحتلال الإسرائيلي والأزمات الاقتصادية والفساد والمحسوبية، محذرين من أن استمرار هذا الواقع يفاقم البطالة والفقر ويقوض ثقة الشباب بالمؤسسات، ويدفع أعدادًا متزايدة منهم إلى الهجرة أو العزوف عن المشاركة في الحياة العامة.
جاء ذلك خلال حلقة من برنامج "صوت الشباب"، عبر شبكة وطن الإعلامية، حيث ناقشت الحلقة واقع العدالة الاجتماعية وانعكاساتها على الشباب الفلسطيني، بمشاركة الباحث والمؤسس في المرصد الفلسطيني للسياسات الاجتماعية والاقتصادية فراس جابر، والباحث الاقتصادي أبي العبودي.
فجوة عدالة تتسع
و قال فراس جابر إن العدالة الاجتماعية تعني التوزيع العادل للموارد والأعباء وضمان وصول الجميع إلى الحقوق الأساسية، مشيرًا إلى أن المؤشرات الحالية تظهر اتساع الفجوة الاجتماعية وغياب العدالة في المجتمع الفلسطيني.
وأوضح أن الاحتلال يمثل العامل الأساسي في تعميق الأزمة، إلى جانب السياسات الاقتصادية التي ركزت على تنمية رأس المال على حساب القطاعات الإنتاجية، ما أدى إلى اتساع الفوارق الطبقية وتراجع قدرة الفئات الأقل دخلًا على الوصول إلى الخدمات الأساسية.
البطالة... انتهاك لكرامة الشباب
من جانبه، وصف الباحث الاقتصادي أبي العبودي البطالة بين الشباب بأنها "انتهاك عميق للكرامة الإنسانية"، مشيرًا إلى أن معدلات البطالة بين الخريجين وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، ما يحرم آلاف الشباب من بناء مستقبلهم أو تأسيس حياة مستقرة.
وأضاف أن المشكلة لا تقتصر على نقص فرص العمل، بل تمتد إلى غياب سياسات اقتصادية قادرة على خلق وظائف منتجة، مؤكدًا أن الحكومة لم تتبنَّ نموذجًا اقتصاديًا يعزز الصمود أو يوزع الأعباء بصورة عادلة.
الواسطة والفساد يقوضان تكافؤ الفرص
وأكد المتحدثان أن الواسطة والمحسوبية أصبحتا من أبرز مظاهر غياب العدالة الاجتماعية، حيث لم تعد الكفاءة وحدها معيارًا للحصول على الوظائف أو الفرص.
وأشار جابر إلى أن الفساد لا يقتصر على المخالفات المالية، بل يمتد إلى إفساد منظومة القيم وتكريس التمييز بين المواطنين، ما يؤدي إلى فقدان الشباب الثقة بالمؤسسات ويزيد من الإحباط والعزوف عن المشاركة المجتمعية.
نظام ضريبي يثقل الفقراء
وانتقد العبودي هيكل النظام الضريبي الفلسطيني، معتبرًا أنه يعتمد بصورة كبيرة على الضرائب غير المباشرة التي يتحمل عبئها أصحاب الدخل المحدود، في حين تتمتع الشركات الكبرى ورؤوس الأموال بإعفاءات وامتيازات تقلل من مساهمتها الضريبية.
وأشار إلى أن إصلاح السياسة الضريبية وإعادة توزيع العبء الضريبي يمثلان مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية.
دعوات لإصلاح شامل
ودعا الضيفان إلى إطلاق عملية إصلاح سياسي واقتصادي شاملة تبدأ بتفعيل سيادة القانون، وتعزيز الشفافية، ومكافحة الفساد، وإجراء انتخابات عامة، إلى جانب إعادة توجيه الإنفاق العام نحو قطاعات التعليم والصحة والزراعة والحماية الاجتماعية.
كما شددا على ضرورة الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وتوفير فرص عمل لائقة، وتعزيز دور الشباب في صنع القرار، باعتبارهم الركيزة الأساسية لبناء مستقبل المجتمع الفلسطيني.
الشباب: الواسطة أقوى من الكفاءة
وأظهرت مقابلات أجراها البرنامج مع عدد من الشباب أن معظمهم يربط غياب العدالة الاجتماعية بانتشار الواسطة والمحسوبية، مؤكدين أن الحصول على وظيفة أصبح مرتبطًا بالعلاقات الشخصية أكثر من الكفاءة أو المؤهلات العلمية، فيما اضطر كثير من الخريجين للعمل في مهن لا تتناسب مع تخصصاتهم بسبب نقص الفرص.
وأكد المشاركون أن استمرار هذا الواقع يدفع مزيدًا من الشباب إلى التفكير بالهجرة أو فقدان الأمل بإمكانية تحقيق مستقبل مهني داخل فلسطين.