أصبح القطاع الخاص الفلسطيني، في ظل أزمة أموال المقاصة وتراجع الإنفاق العام، أحد أهم ركائز استمرار النشاط الاقتصادي. فدوره لا يقتصر على تحقيق الأرباح، بل يمتد إلى الحفاظ على الوظائف ودخل الأسر، وتوفير السلع والخدمات، والوفاء بالتزامات الموردين والبنوك، ورفد الخزينة العامة بالضرائب والرسوم. وعندما تتراجع الرواتب والمدفوعات الحكومية، ينخفض إنفاق الأسر وتتقلص مبيعات المنشآت، فتضعف سيولتها وقدرتها على الإنتاج والتشغيل والاستثمار. وهكذا تنتقل الأزمة من الخزينة إلى الأسرة والسوق، ثم تعود إلى المالية العامة في صورة إيرادات أقل وبطالة وتعثر اقتصادي أكبر.
وتتضاعف الضغوط على القطاع الخاص مع القيود المصرفية، وتراكم فائض الشيكل، وتقييد أو رفض بعض الإيداعات النقدية التجارية، إلى جانب التهديدات التي تواجه علاقات المراسلة المصرفية الضرورية لتنفيذ التحويلات وتمويل التجارة والاستيراد. ومن هنا، فإن حماية القطاع الخاص وضمان استمرار القنوات المصرفية التي يعتمد عليها لا يمثلان دفاعاً عن أصحاب الشركات وحدهم، بل حماية للوظائف والإنتاج وتدفق السلع ودخل الأسر والإيرادات العامة، ولقدرة الاقتصاد الفلسطيني على الصمود والاستمرار.
منهجية الاستطلاع
أجرى المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي هذا الاستطلاع خلال الفترة من 24 حزيران/يونيو إلى 5 تموز/يوليو 2026، باستخدام المقابلات الهاتفية بمساعدة الحاسوب وتقنية الاتصال العشوائي بالأرقام. وشملت العينة 503 فلسطينيين من عمر 18 عاماً فأكثر، بواقع 67.6% من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، و32.4% من قطاع غزة. وبلغ معدل الاستجابة 65%، فيما قُدّر هامش الخطأ للعينة الكلية بنحو ±4.4 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95%.
أما مجموعة الأسئلة المتعلقة بدور القطاع الخاص والقيود المصرفية وأولويات التعافي، فقد استندت إلى 300 شخصا ، بهامش خطأ يقدّر بنحو ±5.6 نقطة مئوية عند مستوى ثقة 95%. ويُعد هذا التمييز المنهجي ضرورياً لضمان قراءة النتائج وفق قاعدة الاحتساب الصحيحة، ولا سيما عند المقارنة بين المؤشرات المتعلقة بأوضاع الأسر وتلك المرتبطة بالقطاع الخاص والسياسات الاقتصادية.
الاقتصاد يعيش بحركة المال لا بوجوده فقط
تنطلق قراءة النتائج من حقيقة اقتصادية بسيطة: الاقتصاد لا يعيش بوجود المال فحسب، بل بحركته. فالراتب يتحول إلى إنفاق في متجر أو صيدلية أو مدرسة، وإيراد المنشأة يصبح أجراً لعامل، أو دفعة لمورّد، أو قسطاً لبنك، أو ضريبة للخزينة، بينما يخلق الاستثمار طلباً وإنتاجاً وفرص عمل جديدة. لذلك لا يبقى تعطل أي حلقة محصوراً فيها، بل يمتد إلى بقية الاقتصاد. ومن هنا، لا يقتصر القطاع الخاص على أصحاب الشركات، بل يمثل القناة التي تحوّل السيولة إلى أجور وسلع وخدمات وقيمة مضافة وإيرادات عامة. وكما يقول المثل الشعبي: «الحركة بركة»؛ فحركة المال هي التي تمنح الاقتصاد قدرته على العمل والاستمرار. أما الأموال التي تُحتجز خارج الدورة بسبب القيود المصرفية أو تعذر الإيداع والتحويل، فتفقد جانباً كبيراً من وظيفتها الاقتصادية، حتى لو بقيت موجودة محاسبياً. ولذلك فإن حماية قنوات الدفع وتمكين الشركات من تدوير رأس مالها العامل شرطان أساسيان لمنع تحول أزمة السيولة إلى ركود في الإنتاج والتشغيل.
من الخزينة إلى الأسرة: صدمة في الدخل والمعيشة
تظهر الصدمة الأولى لأزمة المقاصة على مستوى الأسرة الفلسطينية. فقد قال 70.2% من المشاركين إن الظروف المعيشية لأسرهم تأثرت بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً نتيجة الأزمة وتأخر الرواتب، وترتفع النسبة إلى 84.7% عند إضافة من وصفوا التأثير بأنه متوسط. وتمثل الأثر الأبرز في انخفاض الدخل الشهري لدى 29.8%، ثم زيادة الديون والالتزامات المالية لدى 26.4%، وصعوبة تغطية الاحتياجات الأساسية لدى 23.1%، وتأجيل نفقات التعليم أو الصحة لدى 7.8%. وفي المقابل، لم يقل سوى 12.3% إن أسرهم لم تتأثر مباشرة.
وتزداد دلالة هذه النتائج حين توضع إلى جانب مستويات الدخل؛ فقد أفاد 57.3% بأن دخل أسرهم الشهري يقل عن ألفي شيكل، وقال 27.6% إنه يتراوح بين ألفين و3,999 شيكلاً. وهذا يعني أن 84.9% من الأسر المشمولة في الاستطلاع تعيش بدخل شهري يقل عن أربعة آلاف شيكل. وفي بيئة كهذه، لا تحتاج الأسرة إلى صدمة كبيرة كي تفقد توازنها المالي؛ فقد يتحول تأخر راتب واحد، أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، أو نفقة علاجية غير متوقعة، إلى دين جديد أو إلى الاستغناء عن حاجة أساسية.
ولا تبقى هذه الهشاشة داخل حدود الأسرة، لأنها تعني بالنسبة إلى السوق تقلص عدد المستهلكين القادرين على الشراء، وارتفاع المبيعات المؤجلة والذمم المالية، وتراجع الطلب على السلع والخدمات غير الأساسية. ولذلك تكون منشآت التجزئة والخدمات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة من أول القطاعات التي تشعر بتداعيات انخفاض الدخل وعدم انتظام الرواتب.
من الأسرة إلى السوق: تراجع الطلب وأزمة الوقود يضغطان على القطاع الخاص
تنتقل أزمة المقاصة من الأسرة مباشرة إلى السوق؛ فقد قال 83.5% إن تأخر الرواتب أو انخفاضها غيّر نمط إنفاق أسرهم بدرجة كبيرة أو إلى حد ما. وتركزت صعوبات السداد في القروض والديون لدى 55.5%، والأدوية والرعاية الصحية لدى 54.3%، والغذاء والاحتياجات الأساسية لدى 51.9%، والتعليم لدى 48.9%، وفواتير الخدمات لدى 41.4%. ونظراً إلى أن السؤال أتاح أكثر من إجابة، فإن هذه النسب تعكس تزامن عدة أعباء داخل الأسرة الواحدة.
وعندما تضطر الأسر إلى حصر إنفاقها في الضروريات، تتراجع مبيعات المتاجر والمنشآت الخدمية والمشروعات الصغيرة، وتتراكم الذمم المالية ويطول أجل التحصيل. وبذلك تتحول أزمة دخل الأسرة إلى أزمة في رأس المال العامل لدى المنشأة، فتضعف قدرتها على دفع الأجور والموردين والقروض والضرائب، وشراء المخزون والمواد الخام، كما تضطر إلى تأجيل الاستثمار والتوسع. وهكذا تتشكل حلقة مترابطة تبدأ باحتجاز أموال المقاصة، وتمر بتراجع الرواتب وإنفاق الأسر ومبيعات الشركات، وتنتهي بانخفاض الإنتاج والتشغيل والإيرادات العامة. وهذا ينسجم مع اعتقاد 90.7% بأن الأزمة زادت الفقر والبطالة، وموافقة 92.6% على أنها أضعفت القدرة الشرائية.
ولا تتوقف التداعيات عند الخسائر الحالية؛ فقد وافق 75.5% على أن استمرار الأزمة قد يدفع مزيداً من الفلسطينيين إلى الهجرة أو البحث عن عمل في الخارج. ويعني ذلك بالنسبة إلى القطاع الخاص خسارة مزدوجة، تتمثل في تراجع الطلب المحلي وفقدان العمالة الماهرة والكفاءات الشابة، بما يضعف فرص التعافي والاستثمار مستقبلاً.
وفي الوقت نفسه، تكشف أزمة الوقود أن القطاع الخاص لا يعاني تراجع الطلب وحده، بل يواجه أيضاً اضطراباً في مدخلات التشغيل وسلاسل الإمداد. فالوقود عنصر أساسي في النقل والتوزيع والتجارة والصناعة والزراعة والإنشاءات، ولذلك يؤدي نقصه إلى تأخير التوريد وارتفاع كلفة نقل العمال والبضائع والمواد الخام وتقليص ساعات الإنتاج. ووفق تصريحات وزير المالية في 29 تموز/يوليو 2026، تتراوح إمدادات السوق بين 2.8 و3 ملايين لتر يومياً، يشكل الديزل نحو 75% منها، فيما تعرض نقل الوقود لاختناق إضافي بعد استخدام 260 مركبة من أصل نحو 450 مركبة مخصصة لهذا الغرض لتلبية احتياجات الجيش الإسرائيلي، بحسب تصريحاته. كما ترتبط الأزمة بالمقاصة، لأن إسرائيل تجبي ضريبتي "البلو" والقيمة المضافة على المحروقات، ثم يُفترض أن تعيدهما ضمن أموال المقاصة المحتجزة. وبذلك تصبح أزمة الوقود مثالاً واضحاً على "الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة"، حيث تتحول القيود المالية والمصرفية واضطرابات النقل إلى ارتفاع في التكاليف وتراجع في الإنتاج والتشغيل والسيولة داخل القطاع الخاص
القطاع الخاص في نظر المواطنين: ركيزة للصمود
تكشف النتائج أن الجمهور لا ينظر إلى القطاع الخاص باعتباره طرفاً هامشياً أو مستفيداً حصرياً من سياسات الدعم. فمن بين 300 إجابة صالحة، وافق 74% على أن القطاع الخاص أدى دوراً أساسياً في إبقاء الاقتصاد قادراً على العمل خلال الأزمات الأخيرة، منهم 43% وافقوا بشدة و31% وافقوا إلى حد ما. كما قال 72% إن استمرار نشاطه يساعد على الحد من البطالة والفقر، ورأى 71% أن إنعاشه يمثل أسرع طريق لإعادة تحريك الدورة الاقتصادية، بينما اعتبر 62.7% أن دعمه يعود بالنفع على جميع المواطنين، لا على أصحاب الشركات وحدهم.
ولا تعني هذه النتائج منح الشركات امتيازات غير مشروطة أو إعفاءها من الرقابة والمسؤولية، وإنما تعني التمييز بين دعم الربح الخاص وحماية الوظيفة الاقتصادية العامة للمنشأة. فالشركة التي تستمر في الإنتاج لا تحمي مالكها وحده، بل تحافظ على دخل العامل، وطلب الأسرة، ومبيعات المورد، وقدرة المقترض على السداد، وإيرادات الخزينة. أما تعثرها فينقل الخسارة إلى شبكة أوسع من الأطراف، وقد يحول مشكلة سيولة مؤقتة إلى بطالة وفقر وتعثر ائتماني طويل الأجل.
وتدعم نتائج الاستطلاع هذه القراءة؛ فقد قال 70.2% إن أزمة المقاصة تمس جميع الفلسطينيين بصورة مباشرة أو غير مباشرة، واختار 59.2% جميع الفئات المذكورة باعتبارها متضررة، بما فيها موظفو القطاع العام والأسر الفقيرة والعاطلون عن العمل والشركات الخاصة. كما اختار 57.7% جميع المخاطر المتوقعة معاً، وهي عدم انتظام الرواتب، وارتفاع الأسعار، وفقدان فرص العمل، وزيادة الفقر، وتراجع الخدمات العامة. ويعني ذلك أن المواطنين لا يرون سلسلة من المشكلات المنفصلة، بل أزمة واحدة تتبادل عناصرها التأثير والتغذية.
الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة بوصفها إطاراً تفسيرياً
يمكن تفسير هذا التشابك من خلال مفهوم «الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة»، الذي يشير إلى اقتصاد لا تتحرك فيه العمالة والدخول والسلع والتمويل والاستثمار وفق آليات السوق وحدها، بل تتعرض حركتها لاضطرابات متكررة بفعل القيود السياسية والمالية والمصرفية، واحتجاز الإيرادات، وفائض الشيكل، وعدم استقرار علاقات المراسلة المصرفية، واضطراب الإمدادات، وضعف الطلب المحلي.
وتجسد أزمتا الوقود والإيداعات المصرفية هذه القيود بصورة عملية؛ فاضطراب إمدادات الوقود يرفع تكاليف النقل والإنتاج ويؤخر وصول السلع والمواد الخام، بينما يؤدي تقييد أو رفض إيداعات الشيكل إلى منع المنشآت من تحويل حصيلة مبيعاتها النقدية إلى رأس مال عامل قابل للاستخدام. وهكذا قد تمتلك الشركة البضاعة والإيراد والقدرة على الإنتاج، لكنها تعجز عن تحريك أعمالها أو الوفاء بالتزاماتها، وهو ما يعكس جوهر "الدورة الاقتصادية الفلسطينية المقيّدة".
وفي هذا النموذج، لا تكون الصدمة الاقتصادية حدثاً عابراً ينتهي بزوال سبب واحد، وإنما تنتقل من المستوى الهيكلي إلى السوق والمنشأة والأسرة، ثم تعود لتزيد هشاشة الاقتصاد نفسه. وتدعم نتائج الاستطلاع هذا التفسير؛ فقد أكد 92.6% أن الأزمة أضعفت القدرة الشرائية، ورأى 90.7% أنها زادت الفقر والبطالة بدرجة كبيرة أو متوسطة، فيما قال 88.3% إن القيود المصرفية تؤثر بدرجة متوسطة على الأقل في قدرة الشركات على الاستمرار.
ويساعد هذا الإطار على فهم لماذا لا تكفي مطالبة الشركات بالتكيف وحدها. فقد تستطيع المنشأة خفض نفقاتها أو تأجيل توسعها أو تقليص مخزونها لفترة محدودة، لكنها لا تستطيع بمفردها تحرير أموال المقاصة، أو ضمان قنوات الدفع، أو معالجة فائض الشيكل، أو تأمين إمدادات الوقود، أو تعويض الانهيار في الطلب. وحين تُترك المنشآت لمواجهة هذه القيود الهيكلية بأدواتها الفردية، تكون النتيجة غالباً نقل الكلفة إلى العمال والموردين والمستهلكين، أو تقليص النشاط والخروج من السوق كلياً.
القيود المصرفية وتداعيات تقلص الأعمال
لم تعد القيود المصرفية ملفاً فنياً منفصلاً، بل أصبحت عاملاً مؤثراً مباشرة في قدرة الشركات على الاستمرار. فقد رأى 65.7% من أصحاب الإجابات الصالحة أنها تؤثر بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً في أعمال الشركات، وترتفع النسبة إلى 88.3% عند احتساب التأثير المتوسط. ولا تتعارض هذه النتيجة مع أهمية سلامة النظام المالي ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لكنها تؤكد ضرورة أن تكون الرقابة متناسبة مع المخاطر وطبيعة النشاط، وألا تعرقل التدفقات النقدية المشروعة اللازمة لدفع الأجور والموردين والضرائب والقروض.
وتظهر الأزمة عملياً في تقييد بعض البنوك أو رفضها إيداعات الشيكل النقدية من التجار والمنشآت، رغم أنها قد تمثل حصيلة مبيعات مشروعة وموثقة. ويؤدي ذلك إلى تعطيل رأس المال العامل وإجبار الشركات على الاحتفاظ بالنقد، بما يزيد مخاطر التخزين والنقل ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. ولذلك ينبغي التمييز بين الحسابات الشخصية والتجارية، وتحديد سقوف الإيداع وفق حجم المنشأة وطبيعة نشاطها وتدفقاتها الموثقة.
وتتضاعف المخاطر مع التهديدات التي تواجه علاقات المراسلة بين البنوك الفلسطينية والإسرائيلية. فقد عالجت هذه القنوات خلال عام 2025 معاملات تقارب 51 مليار شيكل، أي نحو 16.5–16.6 مليار دولار. كما تتجه 90% من الصادرات الفلسطينية إلى إسرائيل، بينما تأتي الواردات من إسرائيل أو عبرها، ويأتي نحو 60% منها مباشرة من السوق الإسرائيلية. ومن ثم، فإن تعطل المراسلة المصرفية لا يعني تأخر الحوالات فقط، بل قد يعطل مدفوعات الغذاء والوقود والأدوية والطاقة والمواد الخام، ويرفع تكاليف التمويل والنقل والأسعار.
ولا يوجد تعارض بين استقرار البنوك واستمرار الاقتصاد الحقيقي؛ فالبنوك تحتاج إلى شركات قادرة على تحقيق الدخل وتسديد التزاماتها، والشركات تحتاج إلى نظام مصرفي مستقر يوفر الإيداع والتمويل وخدمات الدفع. وإذا أدت إجراءات خفض المخاطر إلى إضعاف المنشآت المنتجة، فقد ترتفع المخاطر المصرفية نفسها نتيجة زيادة التعثر وتراجع جودة الائتمان.
وتؤكد توقعات الجمهور هذا الأثر المضاعف؛ فقد رأى 57.3% من أصحاب الإجابات أن تقلص أعمال الشركات سيؤدي مجتمِعاً إلى ارتفاع البطالة، وانخفاض الدخول، وتراجع القوة الشرائية، وتباطؤ الاقتصاد. وفي المقابل، توقع 56% أن يؤدي تحسن بيئة القطاع الخاص إلى زيادة فرص العمل والدخل والاستثمار والنشاط الاقتصادي. وهذا يعني أن تعثر المنشأة لا يبقى شأناً خاصاً بها، بل تمتد آثاره إلى العمال والأسر والموردين والبنوك والخزينة العامة.
التعافي يحتاج إلى حزمة متكاملة
لا يعتقد الفلسطينيون أن جهة واحدة أو إجراءً منفرداً يستطيعان قيادة التعافي. فقد اختار 36% من أصحاب الإجابات الصالحة الحكومة والقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات الدولية معاً باعتبارها المحرك المطلوب للاقتصاد. كما اختار 46.7% جميع الأولويات المقترحة، وهي الإنفاق الحكومي، ودعم القطاع الخاص، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، بينما منح 26.7% الأولوية المنفردة لخلق فرص العمل.
وعند السؤال عن الإجراء الأكثر فاعلية، اختار 49.3% حزمة متكاملة تجمع تسهيل عمل القطاع الخاص، وحل أزمة المقاصة، ومعالجة فائض الشيكل، ودعم المشروعات الصغيرة. كما رأى 53.3% أن خطة الإنعاش ينبغي أن تشمل جميع القطاعات الإنتاجية بدلاً من حصر الدعم في نشاط واحد. وتكشف هذه النتائج رفض الجمهور للحلول الجزئية؛ فلا يفيد تمويل منشأة إذا بقي الطلب منهاراً، ولا تكفي معالجة فائض الشيكل إذا تعطل مسار التحويلات، ولا ينجح دعم التشغيل إذا استمرت المستحقات الحكومية المتأخرة أو فُرضت قيود لا تراعي طبيعة الأعمال.
أما النظرة إلى المستقبل فتجمع بين إدراك القيود الخارجية والحاجة إلى الإصلاح الداخلي. فقد رأى 36.3% أن الاقتصاد سيظل يواجه صعوبات إلى أن تتغير الظروف السياسية، بينما قال 30.7% إنه يحتاج إلى إصلاحات اقتصادية شاملة. ويبلغ مجموع الاتجاهين 67%، بما يشير إلى أن التعافي يتطلب مسارين متوازيين: تخفيف القيود السياسية والهيكلية من جهة، وتحسين الإدارة والشفافية وبيئة الأعمال وتدفق السيولة من جهة أخرى. ولا ينبغي استخدام أي من المسارين ذريعة لتأجيل الآخر.
أجندة وطنية لحماية الدورة الاقتصادية
"حمايةُ من يُنتج هي حمايةٌ للاقتصاد كله"
تبدأ الأجندة الوطنية المطلوبة بإنشاء حوار اقتصادي مؤسسي دائم يضم الحكومة وسلطة النقد والبنوك والغرف التجارية والاتحادات الصناعية وممثلي المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وتدعم نتائج الاستطلاع هذا التوجه؛ فقد اختار 36% من أصحاب الإجابات الصالحة الحكومة والقطاع الخاص والبنوك والمؤسسات الدولية معاً باعتبارها المحرك المطلوب للاقتصاد، ما يؤكد أن التعافي يحتاج إلى شراكة وطنية لا إلى تحرك منفرد. وينبغي أن يراجع هذا الحوار آثار السياسات في الإنتاج والتشغيل والسيولة والأسعار قبل وقوع الضرر، انطلاقاً من قاعدة واضحة: "الوقاية الاقتصادية أقل كلفة من إدارة الأزمة".
ويجب أن تقترن هذه الآلية بسياسات مصرفية تتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي، من خلال التمييز بين الحسابات الشخصية والتجارية، ومراعاة حجم المنشأة وقطاعها وتدفقاتها النقدية الموثقة. وتزداد أهمية ذلك في ضوء إفادة 65.7% بأن القيود المصرفية تؤثر بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً في قدرة الشركات على الاستمرار، وارتفاع النسبة إلى 88.3% عند احتساب التأثير المتوسط. فوضوح القواعد واستقرارها ضروريان لتمكين الشركات من التخطيط والوفاء بالتزاماتها، وفق شعار: "حسابٌ تجاري… قواعدُ تناسب الأعمال".
كما تتطلب معالجة فائض الشيكل تطوير قنوات آمنة ومرنة للإيداع والتحويل، والتوسع التدريجي والمدروس في الدفع الإلكتروني بما يراعي جاهزية السوق. ويتوافق ذلك مع اختيار 49.3% حزمة متكاملة تجمع تسهيل عمل القطاع الخاص، وحل أزمة المقاصة، ومعالجة فائض الشيكل، ودعم المشروعات الصغيرة. فالتحول الرقمي أداة مساندة، لكنه لا ينبغي أن يحرم الأنشطة النقدية المشروعة من الوصول إلى النظام المصرفي؛ لأن "السيولة التي لا تتحرك لا تُنتج".
أما المشروعات الصغيرة والمتوسطة فتحتاج إلى ضمانات ائتمانية وتمويل تشغيلي مرتبطين بالحفاظ على الوظائف واستمرار الإنتاج، إلى جانب جدولة واقعية للالتزامات وتسريع دفع المستحقات الحكومية للقطاع الخاص. وتؤيد النتائج هذا التوجه؛ إذ رأى 72% أن استمرار نشاط القطاع الخاص يساعد على الحد من البطالة والفقر، فيما اعتبر 71% أن إنعاشه يمثل أسرع طريق لتحريك الدورة الاقتصادية. لكن الدعم يجب ألا يتحول إلى مديونية إضافية في سوق ضعيفة الطلب؛ فالقاعدة هي: "موّلوا الإنتاج… لا تراكم الديون".
ومن الضروري أيضاً إخضاع القيود المالية والمصرفية الجديدة لتقييم أثر اقتصادي مسبق؛ فقد رأى 57.3% أن تقلص أعمال الشركات سيؤدي مجتمِعاً إلى ارتفاع البطالة، وانخفاض الدخول، وتراجع القوة الشرائية، وتباطؤ الاقتصاد. كما اختار 53.3% جميع القطاعات الإنتاجية باعتبارها جديرة بالأولوية في خطة الإنعاش، ما يؤكد أن القرار الذي يضر بمنشأة أو قطاع قد تنتقل آثاره إلى الاقتصاد كله. ولذلك يجب اعتماد مبدأ: "لا قيد اقتصادي بلا تقييم أثر".
وفي المحصلة، تقوم الأجندة الوطنية على رسالة جامعة: "حرّكوا السيولة، احموا الإنتاج، وحافظوا على الوظائف".
تحولت أزمة أموال المقاصة من مشكلة في الإيرادات العامة وانتظام الرواتب إلى أزمة شاملة تمس الدخل والاستهلاك والإنتاج والتشغيل. ويزيد عدم استقرار علاقات المراسلة المصرفية من خطورتها، لما قد يسببه من اضطراب في المدفوعات والتجارة وسلاسل التوريد والأسعار. وفي قلب هذه الدائرة يقف القطاع الخاص بوصفه حلقة الوصل بين المال والعمل والسلع والضرائب؛ فهو ليس بديلاً عن الدولة أو معفياً من المسؤولية، لكنه شريك لا يمكن للاقتصاد أن يستمر من دونه.
وحماية القطاع الخاص لا تعني الدفاع عن فئة محددة أو التساهل في المعايير المصرفية، بل توفير ضمانات قانونية مستقرة، ورقابة متناسبة مع المخاطر، وقنوات دفع وإيداع تسمح باستمرار الأنشطة التجارية المشروعة. فاستمرار المنشآت في الإنتاج والتشغيل يحمي الوظائف ودخل الأسر وتوافر السلع واستقرار البنوك والإيرادات العامة، بينما يؤدي تعثرها إلى نقل الكلفة إلى المجتمع والاقتصاد كله.
لا تخنقوا من يُبقي الاقتصاد حيّاً؛ فالقطاع الخاص أصبح أحد أهم مقومات الصمود الاقتصادي والاجتماعي في زمن الأزمة. ومن ثم، فإن حمايته وضمان استمرارية القنوات المصرفية التي يعتمد عليها لا يمثلان امتيازاً، بل ضرورة للحفاظ على حركة الدخل والإنتاج والتشغيل وتدفق السلع والإيرادات العامة، ونقطة بداية واقعية لأي تعافٍ اقتصادي فلسطيني.
نبذة عن الكاتب
د. نبيل كوكالي، خبير فلسطيني في استطلاعات الرأي العام، ومؤسس ورئيس المركز الفلسطيني لاستطلاع الرأي (PCPO). يمتلك أكثر من ثلاثة عقود من الخبرة في تصميم المسوح، وتحليل اتجاهات المجتمع، وإجراء البحوث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في فلسطين والمنطقة.