بروكسل/PNN- تواجه أجزاء واسعة من أوروبا الغربية موجة جفاف استثنائية بلغت مستويات تاريخية، مع تراجع حاد في رطوبة التربة وانخفاض منسوب الأنهار والبحيرات، وسط تحذيرات من تداعيات خطيرة على الزراعة والأنظمة البيئية والنقل النهري وإمدادات المياه والطاقة.
جاء في تقرير حديث للمرصد الأوروبي للمناخ “كوبرنيكوس”، أن مستويات رطوبة التربة المسجلة خلال شهر يوليو الماضي في مناطق واسعة من غرب أوروبا أصبحت أدنى بكثير من تلك التي سُجلت في الشهر نفسه من عام 2022، الذي شهد واحدة من أشد موجات الجفاف التي عرفتها القارة في السنوات الأخيرة.
تبدو الأوضاع أكثر حدة في أجزاء من فرنسا ألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا، حيث سجّلت مؤشرات رطوبة التربة مستويات وصفها المرصد الأوروبي للمناخ بأنها “منخفضة بشكل استثنائي”.
وقد عمّق تراجع معدلات هطول الأمطار، بالتزامن مع ارتفاع درجات الحرارة، حدة العجز المائي وتفاقم تداعيات الجفاف، الذي انعكس بصورة مباشرة على الأنهار والمجاري المائية.
ففي سويسرا، يصف خبراء الوضع بأنه من بين أسوأ حالات الجفاف منذ أكثر من قرن، فيما شهدت العديد من محطات قياس الأنهار معدلات تدفق لا تحدث عادة إلا مرة كل عشرات السنين. بينما عانت العديد من المجاري المائية الصغيرة في فرنسا، الخاضعة للمراقبة من انقطاع في الجريان أو جفاف كامل، وهو مستوى غير مسبوق في نهاية الشهر منذ بدء عمليات الرصد عام 2012. أما نهر فيستولا، أكبر أنهار بولندا، فقد سجل بداية الشهر الجاري مستوى بلغ 157 سنتيمترًا في منطقة أنيبول، مقتربًا من أدنى مستوى تاريخي مسجل عام 1952. كما أن بعض المجاري المائية في ألمانيا والنمسا، لم تكن تجف سابقًا، أصبحت تنقطع بالكامل، ما يثير مخاوف جدية بشأن مستقبل الكائنات الحية التي تعتمد عليها.
علاوة على ذلك، فإن آثار الجفاف لا تقتصر على نقص المياه، بل تمتد إلى الحياة البرية والأنظمة البيئية. فاختفاء المياه من الأنهار والجداول يهدد الأسماك والكائنات المائية والنباتات التي تعتمد على التدفق المنتظم للمياه. ورغم قدرة بعض الأنواع على الاحتماء في روافد أو أجزاء أخرى من الأنهار خلال فترات الجفاف، يحذر العلماء من أن اتساع نطاق الجفاف الحالي وسرعته قد يؤديان إلى خسائر كبيرة في التنوع البيولوجي.
كما تشهد العديد من الأنهار ارتفاعًا غير مسبوق في درجات حرارة المياه. ففي مدينة كارلسروه جنوب غربي ألمانيا، تجاوزت حرارة مياه نهر الراين أرقامًا قياسية سابقة مرتبطة بموجة الحر الشهيرة عام 2003، حيث بلغت 27.6 درجة مئوية في نهاية شهر يونيو. وفي بداية شهر أغسطس الجاري، تجاوزت درجة حرارة الراين أو اقتربت من 25 درجة مئوية في المتوسط اليومي، ما يزيد الضغط على الكائنات المائية ويخفض قدرة المياه على الاحتفاظ بالأكسجين.
أصبحت الأزمة المائية تهدد كذلك قطاعات اقتصادية حيوية. فقد أدى انخفاض منسوب بعض الأنهار إلى صعوبات في الملاحة والنقل النهري، وأجبر العديد من القوارب على تقليل حمولاتها. ففي فرنسا، تم إغلاق أجزاء من شبكة الممرات المائية الداخلية أمام الملاحة، خصوصًا في شمال شرق البلاد، فيما توقفت بعض خدمات العبارات في هولندا لأسباب تتعلق بالسلامة.
ويثير انخفاض تدفق الأنهار مخاوف بشأن إنتاج الطاقة، خصوصًا في المنشآت التي تعتمد على مياه الأنهار في عمليات التبريد. وأدى ضعف التدفقات في بعض الأنهار الأوروبية إلى توقف عدد من المفاعلات النووية، ما يضع أنظمة الطاقة في بعض الدول أمام ضغوط إضافية خلال فترة ارتفاع الطلب على الكهرباء بسبب موجات الحر.
يرى خبراء أن تغير المناخ ليس العامل الوحيد المسؤول عن هشاشة الأنهار الأوروبية، موضحين أن عقود من التعديلات البشرية ساهمت في تغيير طبيعة العديد من المجاري المائية. وفي هذا الصدد، يشير متخصصون إلى أن كثرة السدود والحواجز والمنشآت المائية، إلى جانب تعديل مسارات الأنهار واختفاء المناطق الرطبة، تقلل من قدرة الأنظمة النهرية على مقاومة فترات الجفاف والحرارة الشديدة. ويُطرح ترميم المناطق الرطبة واستعادة المساحات الطبيعية للأنهار كأحد الحلول التي يمكن أن تساعد على إبطاء دورة المياه والاحتفاظ بها لفترات أطول.
ويحذر خبراء الأرصاد والهيدرولوجيا من أن الوضع قد يزداد سوءًا خلال الأسابيع المقبلة إذا لم تشهد أوروبا أمطارًا غزيرة ومستمرة. وبالنظر إلى اتساع حجم العجز المائي وشدة الجفاف الحالي، لا يتوقع متخصصون عودة سريعة إلى الظروف الطبيعية قبل الخريف، فيما قد تحتاج بعض الأنظمة المائية والبيئية إلى فترة أطول بكثير للتعافي.