رام الله /PNN/ ماذا يحدث داخل رأس الشاب الفلسطيني عندما يستيقظ كل صباح على أخبار الحرب والقتل والنزوح والاعتقالات وهدم المنازل، ثم ينظر إلى واقعه الشخصي فيجد أمامه البطالة والفقر وارتفاع الأسعار وغياب الفرص وانسداد الأفق؟
في فلسطين، لم تعد الضغوط النفسية مجرد حالات فردية، بل تتراكم على جيل كامل يعيش صدمات سياسية واقتصادية واجتماعية متواصلة، فيما يبقى السؤال الأكثر إلحاحا: عندما يدرك الشاب أنه لم يعد قادراً على الاحتمال.. إلى أين يذهب طلباً للعلاج؟
هذا السؤال كان في صلب حلقة جديدة من برنامج "صوت الشباب" عبر شبكة وطن الإعلامية، والتي ناقشت الواقع النفسي للشباب والشابات في فلسطين، وسط انتقادات لتقصير حكومي في بناء منظومة واضحة ومتكاملة للصحة النفسية، وفي تعريف الشباب بالخدمات المتاحة وكيفية الوصول إليها.
وقالت الناشطة الشبابية والمجتمعية ريناد حموز إن الشباب يعيشون أزمات نفسية صعبة ومتراكمة، مشيرة إلى ظهور مؤشرات على القلق والاكتئاب واضطرابات النوم والعصبية والانسحاب الاجتماعي.
ووصفت الواقع النفسي للشباب بأنه "فوضى نفسية"، مؤكدة أن الضغوط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية باتت تنعكس مباشرة على سلوك الشباب وحياتهم اليومية.
من جهته، قال المشرف النفسي ومدير عام مؤسسة نفس للتمكين ناصر مطر إن الواقع الفلسطيني هو "واقع صدمات متكررة"، موضحاً أن الصدمة الفلسطينية جماعية وليست فردية، بفعل التهجير والقتل والاعتقال والدمار والبطالة والفقر وفقدان مصادر الدخل.
وأشار إلى دراسات محلية تفيد بأن أكثر من 86% من الشباب يعانون من صدمات نفسية، مؤكداً أن التعامل مع هذه الحالات يحتاج إلى وقت وهدوء واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي.
لكن الأزمة لا تتوقف عند حجم الاضطرابات النفسية، بل تمتد إلى مسار الوصول إلى العلاج نفسه.
فالشاب الذي يشعر بأنه يعاني من القلق أو الاكتئاب أو آثار صدمة نفسية، قد لا يعرف ببساطة: من أين يبدأ؟ إلى أي جهة يتوجه؟ هل يذهب إلى وزارة الصحة؟ هل توجد عيادات حكومية؟ هل الخدمة مجانية؟ هل هناك خط ساخن؟ وأين يجد معلومات موثوقة عن هذه الخدمات؟
خدمات موجودة.. لكن الشباب لا يعرفون أين يجدونها
وأكدت حموز وجود مؤسسات أهلية ومجتمعية تقدم خدمات للدعم النفسي والاجتماعي، بينها خدمات مجانية وأخرى منخفضة التكلفة، إضافة إلى مشاريع تمويلية تغطي تكاليف العلاج في بعض الحالات.
لكنها أقرت في المقابل بوجود مشكلة واضحة في وصول المعلومات إلى الشباب.
وقالت إن المشكلة ليست دائماً في عدم وجود الخدمة، وإنما في أن "ليس كل الشباب يعرف أن هناك خدمات متوفرة إلهم"، داعية إلى حملات توعية وحشد ومناصرة لتعريف الشباب بالمؤسسات التي تقدم الدعم النفسي، وطبيعة الخدمات التي تقدمها وآليات التواصل معها.
وهنا تتضح إحدى الفجوات الأساسية في الملف: الخدمات موجودة، لكن لا توجد خريطة واضحة ومعلنة يعرف من خلالها الشاب إلى أين يذهب عندما يحتاج للمساعدة.
أين يمكن للشاب أن يطلب العلاج؟
وأوضح مطر أن هناك عيادات وأخصائيين نفسيين في وزارة الصحة، إلى جانب متابعة بعض الحالات من قبل وزارة التنمية الاجتماعية، ووجود وحدات للدعم النفسي والاجتماعي في جهات أخرى.
كما تقدم مؤسسات أهلية ومجتمعية خدمات للدعم النفسي والاجتماعي، وبعضها يوفر خطوطاً ساخنة وخدمات إحالة وتشبيك بين المؤسسات عندما تحتاج الحالة إلى خدمة غير متوفرة في المؤسسة الأولى.
وأشار إلى أن مؤسسة نفس للتمكين تقدم جلسات توعية ودعماً نفسياً واجتماعياً وورشات تدريبية وجلسات فردية، وأن جزءاً كبيراً من الخدمات المقدمة للشباب يتم بشكل مجاني.
لكن هذه الصورة، وفق ما طرحته الحلقة، تكشف في الوقت ذاته عن مشكلة أخرى: تعدد الجهات لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إليها.
فغياب منصة وطنية واضحة، أو حملة تعريفية واسعة، أو مسار موحد يشرح للشاب أين يذهب وفق حالته، يجعل الوصول إلى العلاج معتمداً في كثير من الأحيان على معرفة شخصية أو بحث فردي أو القدرة على الوصول إلى مؤسسة بعينها.
الحكومة تحت المساءلة
وفي هذا السياق، وُجهت انتقادات مباشرة إلى الحكومة، باعتبار أن مسؤولية الصحة النفسية للشباب لا يمكن أن تترك للمبادرات الفردية أو المؤسسات الأهلية وحدها.
وقالت حموز إن هناك "تقصيراً حكومياً كبيراً" في هذا المجال، خصوصاً في ما يتعلق بتوفير الخدمات والتعريف بها.
أما مطر، فأكد أن المسؤولية لا تقع على وزارة الصحة وحدها، بل تشمل وزارة التربية والتعليم ووزارة التنمية الاجتماعية والجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية ونقابة الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين.
وقال إن الرعاية النفسية تحتاج إلى إرادة سياسية واعتمادات مالية، مؤكداً أن "لا صحة نفسية بدون اعتمادات مالية".
وطالب بوضع خطة استراتيجية وطنية شاملة للصحة النفسية في فلسطين، تتضمن مساحات آمنة للشباب، وبرامج للدعم النفسي والاجتماعي، ونشر الثقافة النفسية، وربط الصحة النفسية بالتمكين الاقتصادي وتوفير فرص العمل.
"عيب ومجنون".. الوصمة تمنع شباباً من طلب المساعدة
ولا تقف المشكلة عند ضعف الوصول إلى الخدمات، فالوصمة الاجتماعية لا تزال حاجزاً أمام طلب العلاج.
وقال مطر إن عبارتي "عيب" و"حرام" لا تزالان حاضرتين عندما يتعلق الأمر بالذهاب إلى الأخصائي النفسي، رغم تراجع حدتهما مقارنة بالماضي.
وأكد أن طلب المساعدة النفسية ليس دليلاً على الضعف أو الجنون، داعياً الشباب إلى عدم انتظار تفاقم الأعراض قبل طلب الدعم.
كما شدد على أهمية التعامل مع مؤشرات مثل اضطرابات النوم، العصبية الشديدة، العنف، الانسحاب الاجتماعي والأعراض الجسدية المرتبطة بالضغط النفسي، وعدم اعتبارها أمراً طبيعياً يجب التعايش معه.
من العلاج إلى الاحتواء
لكن ضيوف الحلقة شددوا على أن مواجهة الأزمة لا تبدأ وتنتهي عند باب عيادة الأخصائي النفسي.
وأكدت حموز أن الشباب بحاجة إلى الاحتواء والمشاركة في صناعة القرار، وإلى فرص عمل وحياة كريمة ومساحات آمنة ومشاركة سياسية واقتصادية واجتماعية.
كما دعت إلى توحيد جهود المؤسسات العاملة في مجال الدعم النفسي، بدلاً من عمل كل مؤسسة بشكل منفصل، وإنشاء آليات تنسيق تضمن وصول الخدمات إلى أكبر عدد ممكن من الشباب.
وفي نهاية الحلقة، بقي السؤال مفتوحاً أمام الحكومة والمؤسسات:
إذا كان الشاب الفلسطيني يعرف أنه متعب نفسياً، ويقرر للمرة الأولى أن يطلب المساعدة.. هل يعرف فعلاً إلى أين يذهب؟
ففي ظل الحرب والبطالة والفقر والصدمات المتكررة، قد لا يكون التحدي فقط في علاج الأزمة النفسية، بل في العثور على باب العلاج أصلاً.