رام الله /PNN/ مع اقتراب الانتخابات التشريعية، لا يبدو الشباب الفلسطيني مستعدا للعودة إلى دور الناخب الذي ينتظر يوم الاقتراع فقط؛ فالمطالب التي يطرحها الشباب تتجاوز التمثيل العددي داخل المجلس التشريعي، إلى المشاركة الفعلية في صناعة القرار، وإقرار تشريعات تمس حياتهم اليومية، وفتح المجال أمامهم للوصول إلى مواقع صنع القرار.
وفي حلقة جديدة من برنامج "صوت الشباب" عبر شبكة وطن الإعلامية، ناقشت الناشطة الشبابية والمحامية سلام الشاعر، والناشط الشبابي وعضو الهيئة التنفيذية للاتحاد العام لطلبة فلسطين باسل حمده، ما الذي يريده الشباب من المجلس التشريعي المقبل، وما القوانين والملفات التي يرون أنها يجب أن تكون على جدول أعماله.
وتبرز قضية تمثيل الشباب كأحد الملفات الأساسية، في ظل استمرار محدودية حضورهم في القوائم الانتخابية، رغم كونهم شريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني.
وترى الشاعر أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في عزوف الشباب عن المشاركة السياسية، وإنما في البيئة السياسية والمجتمعية والمؤسساتية التي تحد من قدرتهم على الوصول إلى مواقع صنع القرار، مشيرة إلى أن الشباب "الأقدر على التعبير عن مشاكلهم وتحدياتهم"، مع التأكيد على أهمية الجمع بين حضور الجيل الشاب والاستفادة من خبرات الأجيال السابقة.
من جهته، يرفض حمده اختزال المسألة في عمر المرشحين، معتبرًا أن المجلس التشريعي المقبل يجب أن يعكس مختلف أطياف المجتمع وأعماره، وأن المعيار الحقيقي لا ينبغي أن يكون عدد الشباب الذين يصلون إلى المجلس فقط، وإنما ما الذي سيتمكنون من تحقيقه بعد الوصول إليه.
قانون الأحزاب.. مدخل للمشاركة السياسية
ويضع الضيفان قانون الأحزاب ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة، باعتباره أحد الأطر التي يمكن أن تنظم مشاركة الشباب في الحياة السياسية.
ويرى حمده أن غياب قانون واضح وحديث للأحزاب يترك حالة من عدم الوضوح بشأن آليات مشاركة الشباب، سواء داخل التنظيمات القائمة أو عبر تشكيل أحزاب وتوجهات جديدة، داعيًا إلى قانون يراعي الواقع الفلسطيني ويتيح مشاركة سياسية حقيقية وفعالة للشباب.
وفي هذا السياق، تشير الشاعر إلى ضرورة أن تكون هناك تشريعات حديثة تستجيب للمشكلات الواقعية، وتوفر للشباب أدوات المشاركة في صناعة القرار، بدل أن تظل مشاركتهم محصورة في العملية الانتخابية.
"أين المعلومة؟".. حق الحصول على المعلومات في قلب مطالب الشباب
ولا تتوقف مطالب الشباب عند التمثيل السياسي، إذ برز حق الحصول على المعلومات كواحد من أبرز الملفات التي يرى الضيفان ضرورة إقرارها.
وتؤكد الشاعر أن المساءلة والرقابة لا يمكن أن تكونا فعالتين من دون توفر المعلومات، قائلة إن "الشفافية مرتبطة بحق المساءلة والرقابة"، وإن تقنين حق الوصول إلى المعلومات من شأنه أن يتيح للمواطنين ممارسة رقابة أكثر فاعلية على المؤسسات العامة.
وتضيف أن وجود قانون لحق الحصول على المعلومات يمكن أن يسهم في خلق بيئة أكثر نزاهة وشفافية، ويحد من البيئات التي قد تسمح بانتشار الفساد.
أما حمده، فيربط هذا الحق مباشرة بثقة الشباب بالمؤسسات العامة، مشيرًا إلى أن الأزمة المالية التي تعيشها السلطة الفلسطينية تثير تساؤلات لدى الشباب، في ظل عدم امتلاكهم دائمًا الأرقام والمعلومات الكافية بشأن الإيرادات والنفقات والموازنات.
ويقول إن المطلوب هو "مكاشفة عامة" تجعل المواطن جزءًا من المنظومة، وتمنحه القدرة على فهم كيفية اتخاذ القرارات وأين تذهب الأموال العامة.
من البطالة إلى التعليم.. الشباب يريد تشريعات مرتبطة بسوق العمل
وفي ملف البطالة، يطرح الضيفان الحاجة إلى الانتقال من معالجة المشكلة بعد تخرج الشباب إلى التخطيط لها منذ اختيار التخصص الجامعي.
ويرى حمده أن المجلس التشريعي المقبل يجب أن تكون لديه لجان متخصصة في قضايا العمل والتشغيل، وأن يعمل بالتعاون مع الحكومة ووزارة التربية والتعليم العالي على وضع رؤية تربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل.
ويقول إن البيئة الفلسطينية، وخاصة بعد الحرب في قطاع غزة، ستضع المجلس المقبل أمام أعباء كبيرة في مجال تشغيل الشباب، داعيًا إلى مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات السوق، وعدم الاستمرار في تخريج أعداد كبيرة من التخصصات التي لا توفر فرص عمل كافية.
وتذهب الشاعر إلى أهمية التوجه نحو التعليم المهني والمهارات المستقبلية والعمل الحر والعمل عن بعد، إلى جانب تحديث التشريعات بما يتلاءم مع الاقتصاد الرقمي.
وتؤكد أن المجلس التشريعي لا يمتلك "عصا سحرية" لحل مشكلة البطالة بمفرده، وأن التشريعات تحتاج إلى سياسات حكومية ودراسات لسوق العمل وتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني والجهات التشريعية.
المشاريع الصغيرة.. تخفيف الأعباء بدل ترك الشباب أمام الفشل
كما حضرت المشاريع الصغيرة في النقاش، في ظل صعوبة إطلاق المشاريع واستمرارها.
وتدعو الشاعر إلى توفير حوافز اقتصادية وتخفيضات ضريبية وتبسيط الإجراءات أمام الشباب، بما يساعد المشاريع على الاستمرار خلال سنواتها الأولى.
وتشير إلى أن المطلوب ليس فقط افتتاح المشروع، وإنما توفير بيئة تساعده على الاستمرار والنمو، بما يحول المشاريع الشبابية إلى مصدر حقيقي لفرص العمل.
أما حمده، فيرى ضرورة وجود خطة استراتيجية للتشغيل، إلى جانب دعم المشاريع الخاصة والزراعية والتدريب المهني، وعدم حصر فرص العمل في الوظائف الحكومية.
النائب ليس لإثارة القضية فقط.. بل لمتابعتها حتى النهاية
وفي ملف الرقابة على الحكومة، شددت الشاعر على أن النائب يمتلك أدوات قانونية للقيام بدوره الرقابي، من بينها استجواب الوزراء وطلب المعلومات وحجب الثقة، لكن تفعيل هذه الأدوات هو الأساس.
وتضيف أن النائب لا ينبغي أن يكتفي بإثارة القضية تحت قبة المجلس، بل عليه متابعتها حتى الوصول إلى نتائج ملموسة.
وتقول الشاعر: "النائب لا يقتصر دوره فقط على إثارة القضية وإنما متابعتها وإيجاد الحلول اللازمة لها"، مؤكدة أن المواطن يجب أن يبقى على اطلاع على القضية منذ إثارتها وحتى الوصول إلى نهايتها.
وفي السياق ذاته، يشدد حمده على ضرورة أن يمارس النائب دوره الرقابي دون خوف أو خضوع للاعتبارات العائلية أو السياسية، وأن يستخدم الأدوات التي يمنحها له القانون لمساءلة المسؤولين ومتابعة المشاريع والبرامج الحكومية التي لا تنفذ على أرض الواقع.
الحريات العامة.. الشباب يريدون مساحة آمنة للتعبير
ولا تغيب الحريات العامة وحرية التعبير عن قائمة مطالب الشباب.
وترى الشاعر أن الحق في التعبير يحتاج إلى تشريعات أكثر تفصيلًا ودقة، تضمن للشباب القدرة على التعبير عن آرائهم دون خوف، مع تحقيق التوازن بين حرية التعبير وحماية حقوق الآخرين.
ويؤكد حمده أن تنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث يمثل جزءًا أساسيًا من مهمة المجلس التشريعي المقبل، معتبرًا أن وضوح أدوار السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية يساعد على منع تغول سلطة على أخرى، ويعزز حماية الحقوق والحريات.
هل ينتهي دور الشباب عند صندوق الاقتراع؟
ورغم أهمية المشاركة الانتخابية، يتفق الضيفان على أن دور الشباب لا ينبغي أن ينتهي عند صندوق الاقتراع.
فالمطلوب، وفق النقاش، هو بناء بيئة سياسية وتشريعية تشجع الشباب على الاستمرار في المشاركة والوصول إلى مواقع صنع القرار، إلى جانب تحديث قانون الأحزاب وإيجاد آليات أكثر وضوحًا للمشاركة السياسية.
ومع الحديث عن الانتخابات المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، برزت أيضًا مسألة احتمال التأجيل، إذ عبّر حمده عن أمله في إجرائها في موعدها، مؤكدًا في الوقت ذاته ضرورة أن يكون أي تأجيل – في حال حدوثه – محددًا بسقف زمني واضح.
وفي ختام الحلقة، وجهت الشاعر رسالة إلى الشباب الذين قد يصلون إلى المجلس التشريعي، داعية إلى أن يكون صوتهم حاضرًا ومسموعًا وأن تتحول المشاركة إلى أثر حقيقي بعد الانتخابات.
أما حمده، فدعا إلى أن يكون حضور الشباب داخل المجلس مختلفًا، ليس فقط من حيث العمر، وإنما من حيث الأفكار والرؤى والتشريعات.
وبينما تتجه الأنظار إلى الاستحقاق الانتخابي المقبل، تبدو الرسالة التي خرج بها النقاش واضحة: الشباب لا يريدون فقط من يتحدث باسمهم، بل يريدون أن يكونوا جزءًا من التمثيل وصناعة القرار، وأن تتحول قضاياهم من مطالب انتخابية إلى سياسات وتشريعات قابلة للقياس والمساءلة.
فالمطلوب، كما عبّرت الحلقة، ليس مجلسًا أكثر شبابًا فحسب، بل مجلسًا يستمع إلى الشباب ويشرّع لقضاياهم ويراقب من أجلهم.