الجزء (2) والاخير
الواقع الفلسطيني بحسب قراءة الاحتلال، يجب الا يبنى او يقوم على اساس الرغبة الفلسطينية، وعلى السلطة الفلسطينية ان تدير هذا الواقع بما يتناسب مع مصلحة الكيان وليس المصلحة الفلسطينية، ذلك انه يمنع على فلسطين ان تنهض، ويجب ان تبقى مجرد " قطعة من الارض" قابلة للتحكم بها والسيطرة عليها.
ما يهم الاحتلال هو ان تبقى الارض المحتلة تحت المجهر خلال ادارتها من قبل السلطة الفلسطينية، وان يستمر ذلك، مع المراهنة على الزمن الذي يعمل لمصلحة الكيان، حيث يسيطر على مزيد من الارض ويزرع المزيد من المستوطنات ويضيف اعدادا اخرى من المستوطنين في الارض المحتلة.
هذا الوقت " الزمن" يجعل القائمين على السلطة يستطيبون المناصب والمكاسب والمغانم ويمنحهم المزيد من السلطة " power" والقدرة على مسك زمام الامور بكل تفاصيلها وبالتالي التساوق مع طلبات الاحتلال من اجل البقاء في السلطة.
الزمن بالنسبة للكيان، مهم جدا، لانه يطوع الارض والانسان، يقوم خلاله الكيان " بتجهيز " ما يلزم للحظة المفصلية الحاسمة، التي ربما يكون من خلالها اعلان لضم مجمل الارض المحتلة او معظمها، او القيام بعملية تطهير عرقي على غرار عام 1948 تشمل الملايين من الفلسطينيين.
لا نعتقد ان طموحات العصابة الحاكمة في تل ابيب غائبة عن ذهنية قادة السلطة في رام الله، لكن السؤال الاهم في هذه الحالة، ما هي الخطط والاستراتيجيات التي وضعتها لمواجهة خطط الكيان، وكيف ستتصرف اذا ما حانت لحظة الحقيقة.
بعد ثلاثة من العقود ونيف، هل هنالك قناعة لدى قيادة رام الله إن الامور صارت اكثر " انبلاجا" عما كانت عليه قبل سنوات مثلا، وهل باتت تدرك ان القوة المهيمنة والمتحكمة حتى بادق التفاصيل والتي تمسك بكل الخيوط، وتدير الظهر للمجتمع الدولي " الذي طالما توسلناه" هي قوة الاحتلال، وانها كانت تراهن على الزمن اكثر مما راهنت هي" السلطة "عليه وانه كان يعمل لصالح الكيان عمليا وعلى ارض الواقع اكثر مما هو عليه الحال في الادراج والورق.
الارض المحتلة ليست مجرد قطعة من الارض لا يمكن التنازل عنها او التفريط بها، بل هي ورقة الكيان الرابحة التي توفر له بعدا استراتيجيا عسكريا، ومصدرا للمياه في اقليم تعز فيه المياه، كما انها مصدر للطاقة " بترول الضفة وغاز بحر غزة" و نقطة اتصال من خلالها يمكن وصل الخليج باوروبا.
القصة ان البعض باع الشعب الفلسطيني وهم ان اتفاق اوسلو سيقيم لنا دولة ناسيا او متناسيا ان الحركة الصهيونية قامت على شعار " ارض بلا شعب...." بمعنى انها لا تعترف بوجود هذا الشعب اصلا، فكيف لها ان " تعطيه" اعترافا بدولة.
كيف لمن وقع اتفاق العار هذا ان يعترف ب " دولة الاحتلال" دون اعتراف بالمقابل بدولة فلسطينية وان يكتفي باعتراف ان المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد، وكيف لمن وقع اوسلو ومن ثم باريس ان يعتقد ان هنالك امكانية لقيام دولة فلسطينية بعد ان كبل الفلسطيني باتفاق اقتصادي خنق البلاد والعباد وربط الاقتصاد الفلسطيني بالصهيوني وتابع له.
حتى ضمن التجارب التاريخية، فإن دولا " استقلت" سياسيا، الا انها ما زالت مرتهنة اقتصاديا، وربما يكون العراق آخر الدول التي تعيش هذه التجربة، حيث يمنع عليها استلام دولار واحد من مببعاتها النفطية البالغة بالمليارات وتحتفظ امريكا بكل اموالها ولا يتم صرف دولار واحد إلا بعد التدقيق والتحقيق وان لم يعجبها الامر لا تقوم بالصرف.
الآن، وبعدما تبين الخيط الابيض من الخيط الاسود، علام المراهنة فلسطينيا، فالارض لا زالت محتلة، لا بل وزاد الطين بلة انها صارت مقطعة الاوصال والتواصل مزروعة بما يقارب المليون مستوطن صهيوني، ولم يتحقق حلم الدولة " الا على الورق".
المراهنة على الاقليم و " الاشقاء العرب" لم تعد مفيدة بحكم الواقع المترهل لتلك الدول، والمجتمع الدولي مجتمع منافق ومتواطيء، باعنا الوهم لعقود، والبلد " داخليا" على كف عفريت التوريث وفساد ينخر كل زواياه، وفوضى عارمة تتم ادارتها كيفما اتفق.
الآن وبعد كل تلك السنين ما الذي يمكن فعله، الوطن لم يعد كما كان ولم بصبح دولة كما كان المرام، فما العمل، سؤال اعتقد ان على من جلب الدمار الى البلد ان يجيب عليه، اجابات شافية، كافية عافية، ليست فضفاضة ولا مغمغمة بدون تأتأة او لعثمة.