في الصباح، وقبل أن تبدأ البلدة القديمة في القدس بالاستيقاظ، يكون الحج حجازي قد وصل إلى دكانه.
يقف أمام الباب الحديدي، يضع يده على المقبض، ويتوقف للحظة. ثم يرفعه.
يصدر الباب صريره المعتاد، ذلك الصوت الذي يعرفه منذ سنوات طويلة، ويدخل الحج إلى محله الذي ورثه عن أبيه، كما ورثه أبوه عن جده.
يشعل الضوء.
يمسح الغبار عن الرفوف.
يرتب البضائع في أماكنها.
ثم يقف عند عتبة الباب وينظر إلى السوق.
قبل سنوات، لم يكن لديه وقت طويل للوقوف والتأمل.
كان السوق يمتلئ بالسياح والحجاج والزوار. أصوات الباعة تتداخل مع لغات مختلفة، وأقدام المارة لا تتوقف. يدخل زبون، ويخرج آخر، وموظف يطلب شيئاً من المخزن، وهاتف يرن، وبضاعة تصل وأخرى تغادر.
كان الحج يعرف آنذاك معنى اليوم الجيد.
مبيعات تكفي.
راتب الموظف في موعده.
إيجار المحل مدفوع.
فواتير الكهرباء والمياه مسددة.
وفي نهاية الشهر، يستطيع أن يعود إلى بيته وهو يفكر في الغد، لا في كيفية النجاة منه.
لكن شيئاً تغير.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تراجعت الحركة السياحية في القدس بصورة كبيرة، وأصبح سوق البلدة القديمة أكثر هدوءاً مما عرفه الحج حجازي طوال سنوات عمله.
لم يعد السؤال الذي يفتتح به يومه:
كم سأبيع اليوم؟
صار السؤال أكثر قسوة:
هل سأستطيع أن أدفع ما عليّ هذا الشهر؟
يجلس خلف الطاولة ويفتح دفتر الحسابات.
يحدق في الأرقام.
إيجار.
راتب موظف.
كهرباء.
مياه.
ضرائب.
أرنونا.
غرامات ومخالفات.
مصاريف البيت.
رسوم المدارس والجامعات.
ثم يعيد الحساب مرة أخرى، كأن الأرقام قد تتغير إذا نظر إليها للمرة الثانية.
لكنها لا تتغير.
المبيعات قليلة، والمصاريف لا تعرف معنى الانتظار.
يمر يوم كامل أحياناً دون أن يسمع الحج الصوت الذي اعتاد سماعه:
"بكم هذا؟"
في الخارج، تمر مجموعات من الناس.
وفي مواسم الأعياد اليهودية، تتغير ملامح المكان أكثر.
إجراءات أمنية مشددة، إغلاقات، حواجز، طرق وأزقة تتغير حركة المرور فيها، ومجموعات من المستوطنين تمر في السوق وسط انتشار أمني كثيف.
يقف الحج خلف باب دكانه ويراقب.
لا يفعل شيئاً.
فمهمته الأساسية أصبحت الانتظار.
انتظار زبون.
انتظار بضاعة.
انتظار يوم أفضل.
وانتظار نهاية الشهر دون أن يضطر إلى إغلاق الباب.
لم يعد الحج يرى نفسه وحده في هذه الحكاية.
حين ينظر إلى المحال المحيطة به، يلاحظ أبواباً مغلقة.
محال كان يعرف أصحابها.
محال ظل أصحابها سنوات طويلة يفتحونها كل صباح.
بعضهم لم يعد قادراً على تحمل الإيجار.
بعضهم أثقلته الضرائب والفواتير.
وبعضهم استنزف مدخراته وهو يحاول أن يبقي مشروعه حياً.
يقول الحج إن الخسارة لا تأتي دائماً على شكل ضربة واحدة.
أحياناً تأتي في تفاصيل صغيرة.
تأخير هنا.
إغلاق هناك.
زبون لا يأتي.
بضاعة لا تصل في موعدها.
فاتورة تتراكم.
ومبلغ صغير يصبح بعد أشهر ديناً كبيراً.
حتى إدخال البضائع إلى السوق لم يعد أمراً بسيطاً كما كان.
كان الحج يعتمد على مركبات صغيرة ذات عجلتين أو ثلاث عجلات لنقل البضائع من وإلى البلدة القديمة.
أما اليوم، فأصبحت الحركة أكثر تعقيداً بسبب القيود والإغلاقات والمنع.
كل حمولة تحتاج إلى ترتيب.
وكل تأخير له ثمن.
وكل عائق يعني أن البضاعة تصل متأخرة، أو بتكلفة أعلى.
في النهاية، يدفع التاجر أكثر ويبيع أقل.
ثم يعود إلى دفتر الحسابات.
ويبدأ العد من جديد.
في المساء، حين يغلق الحج محله، لا تنتهي الحكاية.
يحمل مفاتيحه ويعود إلى البيت.
هناك، تنتظره حياة أخرى.
أسرة تحتاج إلى المصاريف.
أبناء يدرسون في المدارس والجامعات.
التزامات لا تتوقف لمجرد أن السوق متوقف.
وفي الليل، حين يهدأ كل شيء، يعود السؤال نفسه.
هل أغلق الدكان؟
يعرف الحج أن الاستمرار أصبح مكلفاً.
ويعرف أن بإمكانه، ربما، أن يتوقف عن دفع بعض الخسائر إذا أغلق المحل.
لكنه يعرف شيئاً آخر.
هذا المكان ليس مجرد محل.
هنا كان والده.
وهنا وقف جده.
هنا تعلم كيف يعرف الزبون من طريقة مشيه، وكيف يميز مواسم السوق، وكيف يحمل همّ العامل كما يحمل همّ بيته.
المحل جزء من ذاكرته.
ولهذا، فإن إغلاقه لا يعني بالنسبة إليه التوقف عن التجارة فقط.
يعني أن يغلق باباً ظل مفتوحاً لأجيال.
يقف الحج أمام باب محله طويلاً.
ينظر إلى السوق.
ثم إلى البضائع.
ثم إلى دفتر الحسابات.
لا يجد حلاً سحرياً.
ولا ينتظر معجزة.
هو لا يطلب أن يصبح غنياً.
لا يريد سوى أشياء تبدو بسيطة عندما تُقال، لكنها أصبحت ثقيلة عندما يحاول تحقيقها:
أن يدفع راتب موظفه.
أن يسدد الإيجار.
أن يدفع الفواتير.
أن يوفر رسوم دراسة أبنائه.
أن يعود إلى بيته وفي جيبه ما يكفي لعائلته.
وأن يأتي في الصباح التالي، فيفتح الباب، ويبدأ يوماً جديداً.
لكن وراء هذه التفاصيل الصغيرة توجد حكاية أكبر.
حكاية تاجر يحاول أن يحافظ على مكانه في سوق تغيرت ملامحه.
وحكاية محال تغلق واحداً تلو الآخر.
وحكاية مدينة لا تتكون من الحجارة والأبواب القديمة وحدها، بل من الناس الذين ما زالوا يفتحون أبوابهم كل صباح.
في آخر النهار، يخفض الحج الستارة الحديدية.
يمسك المفتاح بيده.
ينظر إلى الباب للحظة قبل أن يدير ظهره.
يعرف أن الغد لن يكون سهلاً.
يعرف أن الديون ستظل موجودة.
والفواتير ستصل.
والسوق قد يبقى هادئاً.
ومع ذلك، سيعود.
سيأتي في الصباح.
سيضع يده على المقبض.
وسيرفع الباب من جديد.
ليس لأنه متأكد من أن اليوم سيكون أفضل.
بل لأنه لا يريد أن يكون هذا الصباح هو الصباح الذي لم يعد فيه.
ففي القدس، قد يبدو فتح باب دكان صغير فعلاً عادياً لا يلفت انتباه أحد.
لكن بالنسبة إلى الحج حجازي، صار هذا الفعل اليومي يحمل معنى أكبر بكثير.
إنه يقول، ببساطة:
أنا ما زلت هنا.