واشنطن /PNN- قالت الباحثة والمؤرخة الأمريكية المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط عسل راد إن وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى أخفقت في إطلاع الرأي العام على حقيقة ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة، معتبرة أن ترديدها للرواية الإسرائيلية أسهم في تطبيع استهداف الصحفيين حول العالم.
وأضافت راد، في حوار مع الكاتب أموس بارشاد، المحرر في مجلة جامعة كولومبيا للصحافة والزميل الأول في برنامج "ديلاكورت"، أن كتابها الجديد "لا تقولوا فلسطين: كيف صنع الإعلام الموافقة على الإبادة الجماعية" يتناول تغطية الإعلام الأمريكي للحرب على غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، وتخلص فيه إلى أن الصحافة الأمريكية فشلت في نقل حقيقة ما يجري للجمهور الأمريكي، جزئيا بسبب تمسكها بمفهوم تقليدي للموضوعية الصحفية.
واستشهدت راد باستطلاع أجراه مركز "بيو" للأبحاث في آذار/مارس 2024، أظهر أن نحو نصف الأمريكيين فقط تمكنوا من الإجابة بشكل صحيح عن سؤال حول ما إذا كان عدد الفلسطينيين الذين قتلوا يفوق عدد الإسرائيليين، متسائلة عن أسباب جهل قطاع واسع من الجمهور بهذه الحقيقة الأساسية.
وانتقدت المؤرخة الطريقة التي تصوغ بها وسائل الإعلام الأمريكية عناوين أخبار الحرب، مشيرة إلى أن بعض العناوين تتجنب تسمية إسرائيل باعتبارها طرفا في الاعتداء. واستشهدت بعنوان نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في نيسان/أبريل 2025 حول العثور على مسعفين فلسطينيين في مقبرة جماعية بغزة، معتبرة أن الصياغة أخفت الفاعل، واقترحت بدلا منها صياغة تنسب قتل المسعفين ودفنهم إلى القوات الإسرائيلية.
وقالت راد إن هذا الأسلوب لا يقتصر على تغطية الأحداث العسكرية، بل يمتد إلى تناول قتل الصحفيين والعاملين في المجال الإنساني. وأشارت إلى أن إسرائيل قتلت، بحسب ما يوثقه كتابها حتى نهاية عام 2025، نحو 278 من العاملين في الإعلام، إضافة إلى أكثر من 700 من أفراد عائلاتهم، وربطت ذلك باستهداف الصحفية شيرين أبو عاقلة في الضفة الغربية عام 2022.
وانتقدت راد كذلك طريقة تناول وسائل الإعلام لاستهداف الصحفيين، مستشهدة بتغطية صحفيين استهدفتهم إسرائيل في لبنان بوصفهم يعملون في وسائل إعلام "مرتبطة بحزب الله"، معتبرة أن إضافة أوصاف من قبيل "تابع لحزب الله" أو "مدعوم من إيران" أو "حماس" قد تجعل الشخص يبدو في نظر المتلقي هدفا مبررا.
وتوقفت عند الهجوم على مستشفى ناصر في آب/أغسطس 2025، قائلة إن إسرائيل بررت الهجوم باستهداف "كاميرا لحماس"، فيما نقلت وسائل إعلام كبرى الرواية، قبل أن يتبين، بحسب راد، أن الكاميرا تعود لوكالة رويترز. وحذرت من أن تكرار الرواية الإسرائيلية من مؤسسات إعلامية ذات مكانة، مثل "نيويورك تايمز" ووكالة أسوشيتد برس، يمنحها شرعية ويسهم، وفق رأيها، في جعل استهداف الصحفيين أكثر اعتيادا.
وأكدت راد أنها لا تدعو إلى الامتناع عن نقل التصريحات الإسرائيلية، وإنما إلى طرح الأسئلة بشأنها، مشيرة إلى أنها ترى أن وسائل الإعلام تستخدم لغة مختلفة عند التعامل مع الروايات الإسرائيلية مقارنة بروايات أطراف أخرى. وقالت إن الحقيقة "محايدة بطبيعتها"، وإن رفض تسمية ما تعتبره إبادة جماعية باسمها لا يمثل حيادا، بل امتناعا عن وصف الأحداث كما تراها.
كما انتقدت ما وصفته بازدواجية في استخدام لغة القانون الدولي، قائلة إن إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن استخدمت لغة القانون الدولي في انتقاد روسيا، بينما لم تتعامل بالطريقة نفسها مع الحرب على غزة. واستشهدت بتصريحات ماثيو ميلر، المتحدث السابق باسم الخارجية الأمريكية، بشأن عدم قدرة بلاده على تقييم جرائم الحرب أثناء استمرار الصراع، قبل أن يقول بعد مغادرته منصبه إن إسرائيل ارتكبت جرائم حرب "دون شك".
وانتقدت راد أيضا استخدام الإعلام الأمريكي مصطلحات ترى أنها تخفف من حدة وصف الاعتداءات، مشيرة إلى أن صحيفة "هآرتس" تستخدم أحيانا تعبيرات مثل "إرهاب يهودي" و"مذابح" عند تناول اعتداءات المستوطنين، في حين يكتفي الإعلام الأمريكي، بحسبها، بوصفهم بـ"المستوطنين". كما انتقدت عنوانا في "نيويورك تايمز" تحدث عن فشل الجيش الإسرائيلي في حماية الفلسطينيين من المستوطنين، معتبرة أن الجيش قوة احتلال وليس قوة مهمتها حماية الفلسطينيين.
وضربت مثالا آخر بالطبيب حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان، المحتجز لدى إسرائيل منذ كانون الأول/ديسمبر 2024، معتبرة أن وصفه بأنه "رهينة" يختلف عن استخدام مصطلح "سجين" للفلسطينيين، ومشيرة إلى اختلاف الصياغات الإعلامية في وصف حالات الاحتجاز والاختطاف.
وقالت راد إن تركيزها على العناوين يعود إلى أن كثيرا من الناس لا يقرأون ما بعدها، إذ يتلقى الجمهور الأخبار بصورة عابرة عبر منصات التواصل أو الشاشات الإخبارية، فيما تكون بعض المقالات متاحة فقط للمشتركين. واستشهدت بتقرير لرويترز عن مقتل عمال إغاثة خلال عام 2025، قائلة إن غياب اسم الفاعل عن العنوان يختلف جذريا عن صياغة تنسب قتل عمال الإغاثة إلى الجهة المسؤولة عنه.