الشريط الاخباري

منازل الموت.. لماذا يفضل أهالي غزة العيش تحت الأنقاض؟

نشر بتاريخ: 01-10-2026 | محليات
News Main Image

غزة /PNN / تقرير انتصار ابو جهل - بين  تحذيرات المهندسين وتصدعات الجدران التي تتسع يوما بعد يوم، تقف مئات العائلات الفلسطينية في قطاع غزة أمام خيارين احلاهما مرّ: إما البقاء في منازل آيلة للانهيار فوق رؤوسهم في أي لحظة، أو  العودة إلى جحيم الخيام التي اكتووا بنارها خلال أشهر النزوح.

تأتي هذه المخاوف المتصاعدة في أعقاب المأساة المروعة التي شهدها حي الصناعة بمربع "أبو الكاس" في مدينة غزة عند الساعة الثانية والنصف فجراً من يوم ١٦ سبتمبر؛ حيث انهار مبنى سكني مكون من ثمانية طوابق يُعرف بـ"عمارة السعادة" (برج السعادة)، مما أدى إلى سحق الطوابق الثلاثة الأولى  بالكامل ليستقر الطابق الثالث ويصبح هو المستوى الأرضي للمبنى.

أسفر هذا الانهيار المأساوي عن ارتقاء 21 شهيداً وإصابة 45 مواطناً جرى نقلهم للمستشفيات والتعامل مع بعضهم ميدانياً، فيما نجح 35 مواطناً في الاجلاء الذاتي قبل اللحظات الأخيرة لانهيار إذ شعروا بالتصدعات الهيكلية المبكرة.

فاجعةٌ أعادت قرع ناقوس الخطر بخصوص الكارثة الإنشائية التي تهدد آلافالأسر القاطنة في أحياء متهالكة بفعل التداعيات التراكمية للحرب.

وفي سياق متابعة الأسباب الميدانية للحادثة، أكد المتحدث باسم المديرية العامةللدفاع المدني في غزة محمد المغير، أن الطواقم الميدانية تحركت بشكل فوريفور تلقي البلاغ، مشيراً إلى أن الانهيار يعود لعدة عوامل متداخلة؛ أبرزهاالاهتزازات الناجمة عن القصف القريب في منطقة الصناعة، والأضرار الهيكليةالناجمة عن حرب الإبادة الجماعية التي أحدثت فجوات عميقة في البنيةالتحتية، فضلاً عن المحاولات الذاتية من بعض المواطنين لصيانة المبنى، ورفعخيام على السطح، وإزالة كتل خرسانية معلقة بشكل غير مدروس.

وأوضح المتحدث باسم الدفاع المدني أن الحادثة تعكس واقعاً شاملاً وخطيراً في القطاع؛ حيث حصرت اللجان الإنشائية المشتركة أكثر من 2,600 مبنىمتضرر، بينها 700 مبنى بحاجة إلى إزالة فورية وعاجلة، بينما تتطلب بقيةالمباني تدعيماً وإزالة جزئية وفقاً للدراسات الهندسية.

وشدد على أن التقديرات الرسمية تشير إلى وجود أكثر من 5,000 أسرة تقيمحالياً في مبانٍ آيلة للسقوط أو مدارس مهجورة، لافتاً إلى أن البيانات الأمميةتتماشى مع الإحصاءات المحلية بتحديد 400 مبنى شديد الخطورة، وتعتبرمنطقة الرمال في محافظة غزة من أكثر المناطق عرضة لسرعة الانهيار.

شهادات حية

تنعكس هذه الأرقام المخيفة واقعاً نفسياً ومعيشياً مظلماً يعيشه السكان؛ فتصف الصحفية ابتسام مهدي (35 عاماً) حالة الخوف والرعب الشديديناللذين تملكاها عقب حادثة انهيار عمارة السعادة المأساوية. إذ تعيش مهديبرفقة عائلتها المكونة من 4 أفراد في بقايا شقتها  في عمارة من 7 طوابق، والتي تعرضت لانهيار جزئي؛ حين اقتحمت دبابة إسرائيلية الشارع فيديسمبر الماضي، واقتطعت العمود الرئيسي الحامل للشقة، ما أدى إلى تراجعالأرضية والجدران بنحو 15 سم، لينتهي الأمر بانهيار نصف الشقة والمطبخ معأول منخفض جوي العام الماضي .

وعلى الرغم من انتقالها مؤقتاً لشقة مقابلة، إلا أن الغلاء الفاحش للإيجاراتأجبرها على العودة لشقتها المهددة بالانهيار وتدعيمها وإغلاق حوائطهابالشوادر، بعد أن عاشت تجربة نزوح قاسية في الخيام لمدة 34 يوماً.

واضافت ابتسام: "منذ لحظة حادثة عمارة السعادة أتأمل يومياً الجدار الذيأنام ملاصقته إذ يتخلله انحراف وميلان للخارج”.  

وتابعت:” الأرضية تهتز تحت أقدامنا ونمنع الأطفال من القفز، أكتم أنفاسيمن الهول والتفكير، لكن العودة للخيام أمر مستحيل بالنسبة لي، وسأبقىأبحث عن أي جهة هندسية تساعدنا في تدعيم المكان".

وليس بعيداً عن تجربة ابتسام، يعيش الخمسيني أسعد الجنجي في حيالرمال مع معاناته اليومية داخل منزله المكون من ثلاثة طوابق، والذي يعود لوالدهمنذ أكثر من 55 عاماً. فقد انهار الجزء الخلفي من البيت بفعل القصف، وماأدى إلى تشققات ضخمة على الأسقف والجدران وتضررت الأعمدة الإنشائية.

وقال الجنجي الذي يقطن البيت مع 9 أفراد من أسرته بينهم أطفال وكبار سن: "خبر انهيار عمارة السعادة أثر بي كثيراً وزاد من خوفي، لأنني شعرت أن ماحدث معهم قد يتكرر معنا في أي لحظة.”

وأضاف:”  عندما نسمع عن عائلات كانت نائمة وفجأة انهار عليها المكان، نبدأبرؤية سقف البيت بطريقة أخرى.. لم أعد أراه سقفاً يحميني بل أتساءل إنكان هو الخطر بنفسه".

واستطرد أسعد بأسى حول خياراتهم المحدودة: "نعلم أن البيت قد ينهار فوقرؤوسنا ولكن لا حيلة لدينا. عشنا عاماً كاملاً في الخيمة وكان جحيماً لا يطاق؛ حرٌ بالصيف وبردٌ بالليل بلا خصوصية. قلنا في النهاية أن نموت تحت سقفبيتنا أفضل من الخيمة”.

وأكد أنهم ينامون جميعاً في غرفتين بالطابق الأرضي بالقرب من البابلتسهيل الهرب، موضحاً أنهم في حال سماع أي صوت طقطقة يخرجون فزعينللساحة، فلا توجد شقق للإيجار ولا أموال يملكونها ولا مواد بناء للترميم..

عجز لوجستي ورفض شعبي للإخلاء

وفي ظل انسداد آفاق الإيواء والتردد الشعبي في التخلي عن المنازل، تتجلىمحاولات الأهالي الذاتية في التكيف مع الخطر؛ إذ نشر المواطن "أبو حمزة" عبر صفحته الخاصة على "فيسبوك" توضيحاً رداً على مطالبات المواطنينبمغادرة منزله عقب تداول صور تصدعات شديدة في جدرانه. مؤكداً استحالةالمغادرة قائلاً: "إلى أين نذهب أنا وأهلي وإخواني وزوجاتهم وأبنائهم؟ لا يوجدأماكن في غزة، بعد تقليص مساحتها إلى 30%". وأكد أنه لجأ لمعاينة هندسيةذاتية وتدعيم المنزل بعدة دعامات خرسانية وحديدية، معززاً ذلك باستجابةسريعة لجلب دعامات إضافية لتخفيف نسبة الخطر، وذلك في ظل انعدامالبدائل المكانية وتفضيل المواطنين اتخاذ إجراءات السلامة المتاحة بدلاً منالتشرد.

وعن ظروف عمليات البحث والانتشال، أكد المتحدث باسم الدفاع المدني العجزاللوجستي الفادح الذي تعاني منه الفرق الميدانية؛ نتيجة انعدام الحفاراتوالرافعات والكاسحات، موضحاً أن العمل يقتصر حالياً على ثلاثة بواجر فقطمستأجرة من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واللجنة المصرية، وجهة أخرىبالوسطى -لم يحدد اسمها-، بينما توجد حاجة ماسة لتدعيم الميدان بخمسةبواجر إضافية. وأوضح أن غالبية عمليات الانتشال تعتمد على الجهد اليدويالشاق؛ تفادياً لمخاطر استخدام المعدات الثقيلة التي قد تتسبب في انهياراتإضافية ومضاعفة الضحايا تحت الأنقاض.

وفيما يتعلق بالدعم الإنساني وعمليات الإيواء، شدد الناطق باسم الدفاعالمدني على عدم إدخال أي مواد بناء أو منازل متنقلة أو معدات ضرورية منذوقف إطلاق النار، باستثناء كميات محدودة من الخيام والشوادر غير الآمنة، لافتاً إلى أن المعدات الوحيدة التي سُمح بدخولها سابقاً كانت مخصصةلاستكمال انتشال رفات رهائن الاحتلال الإسرائيلي.

وفي ختام حديثه أكد أن البلديات والدفاع المدني يواصلون إخطار المواطنينبخطورة البقاء في تلك المنشآت، إلا أن غياب المراكز الإيجارية والمخيماتالمجهزة يدفع العديد من السكان لرفض المغادرة بدافع أزمات نفسية وضغوطمعيشية طاحنة، مشيراً إلى أن الكثير من الأهالي يرددون عبارة: "أريد الموتهنا على أن أعيش بخيمة".

وشدد على استمرار السعي مع المنظومة الأممية واللجان العربية لإنشاءمخيمات مؤقتة تمهد لإخلائها وإزالتها بأمان، قائلاً: "الدفاع المدني يسعى معالجهات الأممية والدولية لإقامة مخيمات مؤقتة تمهد لإزالة كافة المباني شديدةالخطورة".

بين أسقفٍ تهتز بأصحابها، وجدرانٍ يصارع ميلانه، تبقى حكاية غزة أعمق منمجرد أرقام تُحصى في سجلات المباني المهددة؛ إنها تراكماتُ قهرٍ إنسانيخيّر السكان بين موتٍ مجاني تحت الأنقاض، أو تشردٍ مهين داخل خيام لا تقيحرّاً ولا برداً. ومع استمرار احتجاز مواد البناء وغياب المعدات اللوجستية وتأخرالحلول الدولية للإيواء، يظل آلاف المواطنين يمارسون حياتهم اليومية في"انتظار الكارثة"، متمسكين بالبقاء في منازلهم المتهالكة، ولو كانت هي الخطرالقادم

شارك هذا الخبر!