غزة /PNN- لم تمنع الحرب والدمار الذي طال قطاع غزة صانعة المحتوى والمصورة تالا درويش من العودة إلى عملها الإعلامي، إذ تمكنت من إنشاء استوديو متواضع باستخدام أخشاب المنصات التي تصل عليها المساعدات الإنسانية إلى القطاع، في محاولة لاستعادة مساحتها المهنية ومواصلة نقل تجارب الفلسطينيين ومعاناتهم إلى العالم.
وقالت درويش إنها كانت تعمل قبل الحرب في صناعة المحتوى وتقديم البرامج، لكن تدمير الاستوديوهات والأماكن التي كانت تعمل فيها دفعها إلى التوقف عن العمل لفترة، قبل أن تقرر العودة مدفوعة بواقع الحرب والحاجة إلى إيصال التجارب الشخصية والأحداث الميدانية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
وأضافت أن شعورها بأنها جزء من رسالة إعلامية وإنسانية دفعها إلى استئناف عملها، انطلاقاً من إيمانها بأهمية توثيق قصص الناس ونقل تفاصيل حياتهم إلى العالم عبر الكاميرا.
وأوضحت درويش أنها أنشأت الاستوديو من أخشاب المنصات التي تُحمّل عليها المساعدات وتدخل إلى قطاع غزة عبر المعابر، حيث عملت على جمع الأخشاب من أماكن متعددة، ثم إعادة تركيبها وطلائها وتجهيزها لتحويلها إلى مساحة صغيرة لتصوير البرامج والمحتوى الإعلامي.
وأشارت إلى أن اختيار الأخشاب لم يكن أمراً سهلاً، إذ تطلب البحث عن قطع صالحة للبناء وتجميع الكميات اللازمة، في ظل صعوبة الحصول على مواد البناء وارتفاع تكلفتها، مؤكدة أن المشروع اعتمد على إعادة تدوير المواد المتاحة والاستفادة منها بأبسط الإمكانات.
ولم تقتصر الصعوبات على إنشاء الاستوديو، بل امتدت إلى توفير المعدات والأدوات اللازمة للعمل، في ظل القيود التي تواجه إدخال الأجهزة والمعدات إلى القطاع. وبينت درويش أن فريق العمل اضطر إلى البحث عن الأدوات في أماكن مختلفة، وإصلاح المعدات المعطلة، وحتى إعادة استخدام الأسلاك الكهربائية وتوصيلها ببعضها لتأمين الكهرباء من المحال والمقاهي القريبة.

كما واجهت صعوبات في توفير الميكروفونات، التي وصفت الحصول عليها بأنه أمر مكلف وشاق، ما دفعها وزملاءها إلى البحث عن بدائل بأسعار مناسبة وإصلاح بعض الميكروفونات المعطلة بدلاً من استبدالها.
واستذكرت درويش بدايات عودتها إلى العمل، حين شاركت في تصوير برنامج بودكاست داخل خيمة لأحد أصدقائها في خان يونس، بمشاركة عدد من زملائها، من بينهم الزميل الراحل صالح الجعفراوي، وآخرون. ورغم بساطة المكان والإمكانات، تمكن الفريق من تسجيل الحلقات ونشرها، بهدف إيصال تجارب شخصية لسكان غزة، والتعريف بكيفية عيشهم وظروفهم اليومية خلال الحرب.
وأكدت أن العودة إلى العمل منحتها شعوراً بالأمل وإمكانية استعادة جزء من الحياة، بعد ما مر به سكان القطاع من أحداث قاسية أثرت في قدرتهم على مواصلة حياتهم بصورة طبيعية. لكنها شددت على أن استعادة الشغف ليست أمراً سهلاً أو مستمراً، إذ يمر الإنسان بلحظات من التعب والانقطاع، قبل أن يستعيد قدرته على الاستمرار بدافع المسؤولية تجاه عائلته ووطنه والرسالة التي يسعى إلى إيصالها.
وأضافت أن إنشاء الاستوديو، رغم محدودية الإمكانات، شكّل خطوة لمواصلة العمل الإعلامي ونقل الواقع الفلسطيني، مؤكدة أن الهدف لم يكن مجرد استعادة مساحة للتصوير، بل إيجاد وسيلة تتيح للناس إيصال أصواتهم وتجاربهم إلى العالم.

وفي رسالتها، لفتت درويش إلى أن محاولات التكيف مع الواقع الجديد لا تعني أن الحياة في غزة عادت إلى طبيعتها، مشددة على أن الظروف لا تزال صعبة، وأن القدرة على توفير بعض الإمكانات لا تعني أن الجميع يستطيعون ذلك.
وقالت إن تمكنها من الحصول على أخشاب لإنشاء الاستوديو لا يعني أن الآخرين قادرون على توفير المواد نفسها، أو حتى تأمين خيمة تحميهم وتعينهم على مواجهة ظروفهم، في إشارة إلى التفاوت الكبير في الإمكانات والقدرة على الصمود بين سكان القطاع.
واختتمت درويش حديثها بالتأكيد على أن تجربة فرد واحد لا يمكن أن تعكس واقع الجميع، وأن استمرار بعض الأشخاص في العمل أو قدرتهم على إيجاد حلول لظروفهم لا يلغي حجم المعاناة التي يعيشها آخرون في غزة، حيث لا تزال الحياة بعيدة عن طبيعتها التي كانت عليها قبل الحرب.
تم تنفيذ هذا الفيديو ضمن مشروع دعم الإعلام في وقت الأزمات المنقذ من شبكة فلسطين بالتعاون مع مشغل فلسطين للصحافة
