الشريط الاخباري

بقلم رامي المهداوي ...,"النتنياهوية"

نشر بتاريخ: 31-10-2026 | منوعات
News Main Image

ليس أخطر ما فعله بنيامين نتنياهو أنه بقي طويلاً في الحكم، بل أنه جعل إسرائيل أكثر شبهاً به. فالسياسيون عادة يتركون وراءهم قرارات واتفاقات وحروباً، أما نتنياهو فقد حاول أن يترك شيئاً أكثر رسوخاً: طريقة في رؤية العالم. ولهذا فإن السؤال عن مستقبله السياسي يبدو أقل أهمية من سؤال آخر: هل تستطيع إسرائيل أن تتخلص من نتنياهو بعدما أصبحت "النتنياهوية" جزءاً من بنيتها السياسية والنفسية؟

النتنياهوية ليست حزباً ولا برنامجاً انتخابياً، وليست مرادفاً لليمين الإسرائيلي وحده. إنها منظومة تقوم على فكرة بسيطة وخطيرة: العالم مكان معادٍ، والقوة هي اللغة الأكثر صدقاً فيه، والسلام ليس سوى هدنة بين حربين، والآخر ليس شريكاً محتملاً بل خطراً مؤجلاً. وعندما تصبح هذه الرؤية عقيدة دولة، يتحول الخوف من حالة نفسية إلى مؤسسة سياسية، ويتحول الأمن من حاجة طبيعية لأي مجتمع إلى فلسفة تبرر كل شيء تقريباً.

يصعب فهم نتنياهو بعيداً عن البيت الذي خرج منه. فالأب بن صهيون نتنياهو كان قريباً فكرياً من عالم جابوتنسكي، وحمل رؤية شديدة التشاؤم للعالم والتاريخ. وتشير الدراسات النفسية لشخصية الابن إلى أثر عميق لفكرة أن الآخرين أعداء محتملون، وأن العالم محكوم بصراع دارويني من أجل البقاء. ثم جاء مقتل شقيقه يوناتان في عنتيبي ليضيف إلى الفكرة جرحاً شخصياً. هكذا التقت الأيديولوجيا بالعائلة، والتاريخ بالذاكرة، والخوف الشخصي بالخوف القومي.

لكن المسألة لا تتعلق بطفولة رجل بقدر ما تتعلق بما فعله الرجل لاحقاً بهذه الذاكرة. لقد استطاع نتنياهو أن يحول الخوف إلى رأس مال سياسي. يحتاج دائماً إلى خطر، وإذا تراجع خطر تقدم آخر: الفلسطيني، إيران، حزب الله، المحيط العربي، الأمم المتحدة، أوروبا، معاداة السامية، أو العالم الذي "لا يفهم إسرائيل". والخطر في النتنياهوية ليس مشكلة ينبغي حلها، بل مورد ينبغي إدارته؛ لأن المجتمع الخائف يبحث عن الحماية أكثر مما يبحث عن الأسئلة، ويقبل من السلطة في زمن الخوف ما قد يرفضه في زمن الطمأنينة.

هنا تكمن عبقرية نتنياهو السياسية وخطورته معاً: إنه لا يعد الإسرائيلي بإنهاء الخوف، بل يقنعه بأنه الشخص الأكثر قدرة على العيش معه. ولهذا أيضاً لم يكن نتنياهو رجل سلام. ليس لأنه يرفض اتفاقاً بعينه، وإنما لأن السلام نفسه يربك البنية التي قامت عليها سياسته. فالسلام الحقيقي يحتاج الاعتراف بالآخر وبحقوقه، بينما تحتاج النتنياهوية إلى آخر يبقى موضع شك دائم. السلام يبحث عن المصالح المشتركة، أما هي فتنظر إلى السياسة باعتبارها ميزان قوة: ما يكسبه الفلسطيني يخسره الإسرائيلي، وما لا تفرضه إسرائيل بالقوة قد يُفرض عليها لاحقاً.

بهذا المعنى، لم يكن تفريغ أوسلو من مضمونها مجرد مناورة سياسية؛ كان تعبيراً عن رؤية أعمق تعتبر التسوية مخاطرة استراتيجية. ومن هنا أيضاً يمكن فهم الاستيطان، ورفض الدولة الفلسطينية الفعلية، وإدامة السيطرة، والحروب المتكررة: ليست أحداثاً منفصلة تماماً، بل حلقات داخل تصور يرى إدارة الصراع أكثر أمناً من حله.

والنتنياهوية تقوم كذلك على تداخل خطير بين الشخص والدولة. مع مرور الزمن أصبح بقاء نتنياهو يُقدَّم كما لو أنه جزء من بقاء إسرائيل نفسها. وكلما اشتدت أزماته السياسية أو القانونية، ارتفع منسوب الحديث عن الأخطار الوجودية. هنا تصبح النرجسية أكثر من صفة شخصية؛ تصبح تقنية حكم، إذ يبدأ الزعيم في رؤية نفسه باعتباره الشخص الذي لا يمكن الاستغناء عنه، ثم يعمل طويلاً حتى يقتنع جزء من الجمهور بالفكرة ذاتها.

غير أن اختزال الظاهرة في نتنياهو سيكون خطأً مريحاً. فالرجل لم يصنع إسرائيل الراهنة وحده. المجتمع الذي أنتج الاستيطان والتدين القومي والخوف المزمن والتحولات اليمينية أنتج البيئة التي سمحت للنتنياهوية بالتمدد. لكنه التقط هذه العناصر، ونظمها، ومنحها لغة سياسية، ثم أعاد ضخها في المجتمع بصورة أكثر كثافة. وهكذا حدثت علاقة تبادلية: إسرائيل صنعت نتنياهو، ونتنياهو أعاد صناعة إسرائيل.

وهذا يفسر لماذا لا يعني سقوطه، متى حدث، سقوط الظاهرة. لقد تراجع الوسط الإسرائيلي، وضعف اليسار، وأصبح خطاب كان يوصف قبل عقود بالتطرف جزءاً من اللغة السياسية اليومية. لم يعد السؤال داخل إسرائيل يدور دائماً حول إنهاء الاحتلال، بل حول كيفية إدارته؛ ولا حول الاعتراف بحقوق الفلسطيني، بل حول مقدار القوة اللازمة لإخضاعه. لذلك فإن النتنياهوية ليست نتنياهو نفسه.

إنها اللحظة التي يتحول فيها الخوف إلى هوية، والقوة إلى أخلاق، والاستثناء إلى قاعدة، والحرب إلى حالة طبيعية، والسلام إلى شبهة، والآخر إلى تهديد دائم. وقد يخرج نتنياهو غداً من مكتب رئيس الحكومة، وقد يخسر الانتخابات أو المحاكم أو معركة الزمن التي يخسرها الجميع في النهاية. لكن ذلك لن يكون بالضرورة هزيمة للنتنياهوية.

فالانتصار الأكبر لأي زعيم ليس أن يبقى في السلطة إلى الأبد؛ فهذا مستحيل. انتصاره الأخطر أن يغادرها، ثم يكتشف خصومه أن الأفكار التي زرعها بقيت تحكم من بعده. وعندها لن تكون المشكلة أن إسرائيل لم تستطع التخلص من نتنياهو، بل أن نتنياهو استطاع أن يترك وراءه إسرائيل لا تحتاج إليه كي تستمر في التفكير بطريقته.

شارك هذا الخبر!