بيت لحم / PNN – من شغف طفولي بالفنون التشكيلية إلى مسيرة أكاديمية ومهنية تجمع بين الإبداع والعمل التربوي، تواصل الفنانة التشكيلية والمدربة متخصصة في تنمية مهارات الاطفال والتربية الخاصة داليا كواع مرة تقديم تجربتها الفنية، مستندة إلى حبها للفنون والتراث، وساعية إلى توظيف خبراتها في تنمية مهارات الأطفال، ولا سيما الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
وتقول إن قصتها بدأت في مدينة نابلس، وتحديداً في منطقة جبل النار، حيث وُلدت ونشأت، وحصلت على درجة البكالوريوس في القانون. وبعد زواجها انتقلت إلى مدينة بيت لحم، وهي مدينة ميلاد المسيح، واستقرت فيها، لتبدأ مرحلة جديدة من اكتشاف جمال المدينة وسحر تاريخها وتراثها، الأمر الذي أضاف إلى تجربتها الفنية بعداً ثقافياً مميزاً.
وتوضح داليا كواع أن حبها للفنون رافقها منذ الصغر، إلا أن إقامتها في بيت لحم عززت ارتباطها بالفن والتراث، ودفعها إلى تطوير موهبتها من خلال الدراسة الأكاديمية، فالتحقت بجامعة دار الكلمة، وحصلت على شهادة في مجال الخزف وتعشيق الزجاج، لتبدأ مرحلة جديدة من إثبات قدراتها وتحقيق إنجازات تفخر بها.
ومن أبرز الأعمال التي تعتز بها عمورة تنفيذها أعمالاً باستخدام تقنية الزجاج المعشّق لشبابيك كنيسة العذراء في مدينة بيت جالا، معتبرة أن هذا العمل شكّل محطة مهمة في مسيرتها الفنية، لما يحمله من قيمة فنية وتراثية، وما يتطلبه من دقة ومهارة في التنفيذ.
وتشير داليا كواع الفنانة التشكيلية إلى أن فن تعشيق الزجاج يُعد من الفنون التقليدية التي لا يزال عدد محدود من المختصين يعملون بها، فيما يمثل فن الخزف أحد أقدم الفنون المرتبطة بالإنسان، باعتبار أن الطين مادة طبيعية ارتبطت بحياة البشر منذ القدم.

وتشرح داليا كواع أن الخزف فن تشكيلي يقوم على تشكيل الطين وتحويله من مادة خام إلى أشكال ومنتجات فنية مختلفة، ويمر إنتاج القطعة الخزفية بعدة مراحل تبدأ بتجهيز الطين، ثم تشكيله باستخدام أساليب متعددة، منها الشرائح والحبال وغيرها من التقنيات، قبل الانتقال إلى مرحلة التجفيف التدريجي.
وبعد التجفيف، تدخل القطعة إلى الفرن في عملية الحرق الأولى، التي تتطلب ارتفاعاً تدريجياً في درجات الحرارة وانخفاضاً تدريجياً أيضاً، حتى تصل القطعة إلى درجة الصلابة المطلوبة. وبعد ذلك تبدأ مرحلة تطبيق التصميم من خلال الرسم والألوان، وصولاً إلى وضع مادة التزجيج، وهي عبارة عن مسحوق زجاج ممزوج بنسب محددة من الماء، لمنح القطعة اللمعان المطلوب.
وتضيف أن القطعة تدخل الفرن مرة ثانية بعد وضع التزجيج، لتكتمل بذلك مراحل الإنتاج وتخرج بالشكل النهائي، موضحة أن كل مرحلة تحتاج إلى عناية ودقة وخبرة لضمان جودة العمل والمحافظة على تفاصيله الفنية.
ولم تكن مسيرتها خالية من التحديات، إذ تؤكد داليا كواع أن الحياة اختبرتها بأصعب الظروف، خاصة بعد وفاة زوجها، وهي المرحلة التي شكلت نقطة تحول كبيرة في حياتها. لكنها، وبعد أن نظرت إلى أطفالها، أدركت أنها أمام مسؤولية تتطلب منها الاستمرار وعدم التوقف، فاختارت مواجهة الظروف ومواصلة العمل وتطوير ذاتها.

وتقول إن الإنسان الفلسطيني يتميز بالصبر والصمود، ولا تقاس قوته بعدد التحديات والعثرات التي يمر بها، بل بقدرته على النهوض والاستمرار بعد كل تجربة صعبة، مؤكدة أن هذه القناعة كانت دافعاً أساسياً لها لمواصلة مسيرتها الفنية والتربوية.
ومن بين أبرز التحديات التي واجهتها أيضاً احتكار بعض المهن والحرف، ومنها حرفة الخزف التي كانت تُمارس في نطاق محدود، إلا أنها تمكنت من تعلم هذه الحرفة والتخصص فيها، ثم انتقلت إلى مرحلة نقل المعرفة والخبرة إلى الآخرين، من خلال تنظيم ورشات تدريبية في المخيمات الصيفية ومؤسسات ومجموعات مجتمعية مختلفة.
وتوضح داليا كواع الفنانة التشكيلية أن الورشات لم تقتصر على فئة معينة، بل شملت السيدات والرجال والأطفال، إلى جانب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، انطلاقاً من إيمانها بأن الفنون مساحة مفتوحة للجميع، وأن العمل الفني يمكن أن يكون وسيلة لتنمية القدرات والمهارات وتعزيز الثقة بالنفس والتعبير عن الذات.
كما واجهت داليا كواع تحديات تتعلق بتوفير المواد الخام والمستلزمات الأساسية اللازمة للعمل، في ظل صعوبة الحصول على بعض المواد التي لا تتوفر محلياً بسهولة، الأمر الذي يؤثر على استمرارية الإنتاج وتنفيذ الأعمال الفنية. ومع ذلك، تحرص على إعطاء الأولوية للمنتجات الوطنية وتشجيع استخدامها، بما يسهم في دعم الإنتاج المحلي والاعتماد على الإمكانات المتاحة.

وعلى الصعيد الأكاديمي، لم تتوقف كواع عند دراستها للفنون، بل واصلت تطوير مسيرتها العلمية، فدرست في مجال التربية الخاصة، وأكملت درجة الماجستير في الإدارة التربوية، وهي حالياً مرشحة لدرجة الدكتوراه في مجال الإبداع والابتكار التربوي.
وتعمل داليا كواع إلى جانب مسيرتها الفنية والتدريبية معلمة ومحاضرة جامعية غير متفرغة، وتسعى إلى الجمع بين الفن والتعليم، من خلال توظيف الفنون التشكيلية والحرف اليدوية في تطوير مهارات الأطفال، وتعزيز قدراتهم الإبداعية، وفتح مساحات جديدة أمامهم للتعبير والتعلم.
وتشكل تجربة داليا نموذجاً لامرأة استطاعت أن تجمع بين الفن والتراث والتعليم، وأن تحول شغفها إلى مسار مهني وأكاديمي، متجاوزة التحديات الشخصية والمهنية، ومؤمنة بأن الإبداع لا يتوقف عند حدود الموهبة، بل يحتاج إلى التعلم والمثابرة ونقل المعرفة إلى الأجيال القادمة.
تم انتاج هذا الفيديو ضمن مشروع دعم الإعلام في وقت الأزمات المنقذ من شبكة فلسطين بالتعاون مع مشغل فلسطين للصحافة