9999472902

هيلدا الأسطة : قتلناك مرتين

بقلم : رائد محمد الدبعي
لم أكن أعلم أن نسيجنا المجتمعي مُهترئ ومتقرح إلى هذا الحد، وبأن سوسة الجهل، واللاعقلانية، والعنف، والتملق، والخوف، وعقلية القطيع، تنخر خلايانا إلى درجة تسمح بمرور مقتل أم لستة أطفال في بيتها ، وعلى مرأى من أطفالها الذين باغتهم الموت باختطاف أمهم ، وزوجها المكلوم الذي أسدلت رصاصة جاهل الستار قصته برفيقة الدرب، وأم العيال، دون اكتراث، ودون وقفة جادة ومسؤولة من كل مكونات المجتمع، وقواه التي أثبتت أنها قوى خائرة وورقية، ومؤسساته التي أثبتت أنها منصات للكذب والدجل والرياء، ولم أدرك أن الرصاصة أقوى من الكلمة، وأن المخرز قد اخترق الكف والقلب والضمير، وأن سطوة الدولار قد انتصرت على طهر الرغيف ووجه القمر، وأننا في زمن الطاعون الذي استشرى في مدينتنا ، فراحت صفعته الفوضوية لا تفرق بين أم، وطفل، وسرب حمام، أو حلم متسلل في زوايا البلدة القديمة في نابلس، وأن النقاء، والتكافل، والتضامن هي شعارات داسها قطار المنفعة، والفردية، والمصالح.
الشهيدة الشابة هيلدا الأسطة، الأم، والزوجة، والأخت والمواطنة الصالحة، هي آخر ضحايا العسكرة وجنون الفلتان الأمني التي تجتاح نابلس، وهي الشاهد الجديد على مأساوية الواقع الذي يعيشه المواطن الفلسطيني بشكل عام، والنابلسي على وجه الخصوص، بحيث أضحت مصطلحات الدم، والموت، والفلتان، والرصاص، بديلا عن الفرح، والغناء، والقراءة، والحلم، والابتسامة، هيلدا هي ابنة ” أبو غسان عرفات ” ذاك العامل الطيب البسيط، الذي لاطم الحياة، وعاشها بشرف، وغادرها مبكرا، تاركا خلفه “نصف دزينة” من الأبناء في البلدة القديمة، وابنة أم كانت سطورها في الحياة محدودة، قبل أن تخط آخر حرف بها، وهي لا تزال في مقتبل العمر، وهي زوجة “سليم الأسطة” ، العامل الشاب، النقي البسيط، المحبوب من كل جيرانه في حارة العقبة، لا تتجاوز أحلامه الستر، وتوفير لقمة الخبز لأبنائه، لم تتفتح مداركه كغيره من الغالبية العظمى من سكان البلدة القديمة في نابلس، لتعي قبح الصراعات الداخلية، وقباحة تزاوج النفوذ بالمال، فأهل البلدة القديمة في نابلس، الذين أفتخر أني أحدهم، شبوا على كوفية أبو عمار، وتشربوا الوطنية، والطيبة مع حليب أمهاتهم، إذ أن أجواء التضامن خلال الانتفاضة الأولى في البلدة القديمة، جعلت من أهلها أسرة واحدة، متحدين ضد المحتل بروح القلعة المحاصرة، يتشاركون الأحلام البسيطة النقية، كقلوبهم، أحاديثهم التي تختلط بها الحقائق بالأساطير، والغيبيات، تملأ أزقة البلدة القديمة دفئا، وتماسكا، حتى النميمة في البلدة القديمة لم تكن تخترق حجارتها العتيقة، ولم تكن مغلفة بالكراهية والحسد. وهيلدا هي ابنة تلك الحجارة، وتلك الأزقة، قد أكون صادقا إن قلت أنها لم تتجاوز حدود نابلس يوما ما، لا بالحلم، ولا بالحقيقة، وأن ترتيب جدائل بناتها، وتحفيظ أبنائها سورة جديدة من القران، هي غايتها القصوى في الحياة، هيلدا هي رفيقة أختي الكبيرة في المدرسة، وهي شقيقة صديق الطفولة غسان، كانت شاهدة على أول مرة يضربنا بها من جنود الاحتلال، حينما كنا أطفالا لا نتجاوز السادسة في أزقة البلدة القديمة، نقص صور الراحل ياسر عرفات من المجلات، ونلصقها على الجدران، بعفوية وطهر انتماءه الفطري لفلسطين، أتذكر يومها أننا هربنا إلى بيتهم، وأن هيلدا قد خبأت اللاصق في ثلاجة بيتهم الصغير، وأن أمها أخبرت الجندي الفاشي أننا جميعا أبنائها، وكيف حمتنا بجسدها من بنادق المحتل، على الرغم من أنها كانت قد وضعت وليدها قبل أيام .
هيلدا ليست ابنة متنفذ، أو ثري، ولا هي زوجة رجل ارستقراطي، أو قائد في تنظيم معين، ولا هي عضو في منظمة نسائية ممولة من الغرب، لكي تضج لها الأرض كما ضجت السماء، إذ لا حاجة للمتملقين، والمنافقين عندها لكي يضعوا صورتها على حائط ” الفيس بوك”، ولا هي ابنة عائلة يتملك أبنائها السلاح والمال لكي تخرج لها مسيرة تليق بأم، وزوجة، وشابة اغتيلت في بيتها مع خيوط الشمس، ولا حاجة لأحد أن ينعاها، فهي مجرد ناقصة عقل ودين، لا يستوجب مقتلها، تجاوز بعض بيانات النعي والشجب، من بعض المجموعات النسوية، وبعض الأحزاب السياسية، دون أي حاجة للتوقف، أو استقصاء العبر مما حدث، أو للتصدي للمنفلتين، وتجار الدم، والموت، بصوت واحد، وموقف شجاع، فمن قال أن دم الفقير، كدم الثري، أو أن حياة هيلدا الفقيرة البسيطة، كدم غيرها من نساء البساط الأحمر، والطبقة المخملية اللواتي يطفن العالم طولا وعرضا للحديث عن واقع النساء في فلسطين، ويقمن في أفخم الفنادق، ويلبسن أغلى الثياب، على حساب المشاريع التي تحمل شعارات تمكين المرأة في المناطق الأكثر فقرا، والتي تقف هيلدا في صفوفهن.
دم هيلدا خط سطرا جديدا في سفر تراجعنا المجتمعي، وروحها التي تعانق السماء، وتشهد تواطؤنا جميعا، ستبقى شاهدة على خزينا، وعارنا، وصمتنا المخجل، فهيلدا، قبل أن يقتلها رصاص الفلتان، والجنون، قتلناها نحن بصمتنا، وتواطئنا، إلا أن دمها لن يسامح، وهي للأسف لن تكون آخر ضحايا الفلتان والعسكرة، إذ أن من يليها قد يكون أنت أو أنا، أختنا، أو ابنتنا، أمنا،أو ابنتنا، عندها فقط سنعرف مقدار الم من يتألمون بصمت صارخين “يا وحدنا ” .
عذرا هيلدا، فليس بيدي سوى هذه الكلمات، لكي أخطها أمام دمك المسفوح، ليتني كنت بقوتك لأسدد ديّنا عمره 26 عاما، يوم وقفتي وفي وجه الجنود في بيتكم في شارع خالد بن الوليد المقابل للمسجد الكبير، وحميتنا بجسدك أنت وأمك من فاشيتهم، وبساطيرهم، وبنادقهم، بينما اليوم لا امتلك إلا هذه الكلمات، ودعائي للمولى أن يرحمك يا أختاه .

Print Friendly