لبنان رهينة بين مصالح سورية والسعودية

 

بقلم/ فادي قدري أبو بكر

كاتب وباحث فلسطيني

عاشت لبنان وما زالت تعيش أوضاعاً وأجواءً معقدة وذلك جراء التكوين الطائفي الذي يتكون منه النظام السياسي في لبنان، التدخل السوري والسعودي، إضافة إلى اتخاذ لبنان كساحة حرب من جهة  وساحة تصفية حسابات إقليمية ودولية من جهة أخرى. وفي هذه الورقة سنلقي الضوء على ما يحدث في لبنان من تنازع سوري سعودي سيطر على المشهد السياسي اللبناني منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وما المستقبل الذي ينتظره لبنان وفقاً للمتغيرات السريعة التي تجري على الساحة الإقليمية والدولية على حد سواء؟.

يتعامل النظام السوري مع لبنان بنفَس “سورية الكبرى”، و تؤدي سوريا دوراً كبيراً في الحياة السياسية والعامة في لبنان، وبالأخص عبر تعزيز علاقتها مع حزب الله، منذ دخول قوات كبيرة من الجيش السوري إلى لبنان عام 1976. حيث ترى سوريا في لبنان امتداداً لأراضيها، ومن هذا المنطلق فإن النظام السوري يرى في إدارة الملف اللبناني تعزيز لأوراقه الإستراتيجية في الإقليم لمواجهة الضغط والتهديدات الأمريكية، وذلك بالتحالف مع من يمكن أن يعتمد عليه دون نقاش في لبنان.

شهدت العلاقات السورية اللبنانية منذ عقود مراحل من الشد والجذب، ودليل ذلك كم المعاهدات والاتفاقيات والبروتوكولات الهائل التي تم توقيعها من قبل الطرفين. إلا أن الوجود العسكري السوري في لبنان والذي استمر ما يقارب ثلاثة عقود، جعل النظام السوري يسيطر على المشهد اللبناني سياسياً واجتماعياً.

شكل بداية القرن الحادي والعشرين نقطة تحول مهمة في المشهد السياسي والاجتماعي في لبنان، حيث تصدرت السعودية المسرح اللبناني باستلام رفيق الحريري رئاسة الحكومة عام 2000، في نفس العام الذي كانت فيه سوريا منهمكة إثر وفاة زعيمها حافظ الأسد.

بدأت العلاقات السعودية – السورية بعد هذا التاريخ بالانحدار بشكل واضح وظهرت معالم انحدار العلاقة في التناقض في المواقف من الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، التجديد للرئيس اللبناني إميل لحود في عام 2004، والذي فرضه الأسد بالقسر والتهديد، إلى جانب التحركات التي قام بها رفيق الحريري على المستوى الدولي ومبادرات لقرارات في مجلس الأمن في الأمم المتحدة تستهدف الوجود السوري في لبنان[1].

في العام 2005 اغتيل رفيق الحريري، وشكل اغتياله إلى جانب عدد من القادة اللبنانيين المعارضين للسياسة السورية في لبنان لحظة انفجار العلاقات السعودية السورية. فسرعان ما دعمت السعودية فريق 14 آذار المعادي لسوريا وأوصلته إلى سدة الحكم في لبنان، وأيدت الضغط الدولي المفروض على النظام السوري، ولا سيما قرار مجلس الأمن 1559 الذي قضى بانسحاب القوات السورية من لبنان[2].

على الرغم من تراجع الدور السوري في لبنان، إلا أنه سرعان ما استطاع النظام السوري استعادة زخمه إثر حرب تموز عام 2006، خصوصاً أن موقف النظام الداعم للمقاومة منح النظام رصيداً شعبياً وعربياً كبيراً[3]. ولكن مع هذا كله بقيت الأقدام السعودية متجذرة في لبنان نظراً لوجود السنيورة على رأس الهرم، وحتى بعد السنيورة، حيث استلم الحريري الابن رئاسة الحكومة من العام 2009 ولغاية العام 2011.

مع بداية الاحتجاجات الشعبية في سوريا عام 2011، استطاعت كتلة حزب الله اللبنانية ضم نجيب ميقاتي إلى صفها ودعمته ليصبح رئيس الحكومة اللبنانية  مُسببة بذلك خلافات حادة بين ميقاتي والحريري الابن، الأمر الذي صب لصالح سوريا التي رغبت بإبقاء الوضع على حاله في لبنان لتتفرغ لحل مشاكلها الداخلية.

اتسمت السياسة اللبنانية في عهد ميقاتي وتمام سلام بالنأي عن النفس فيما يخص المسألة السورية، ويمكن قراءة هذه السياسة بأنها كانت سياسة مزعجة بالنسبة للنظام السوري، وقد أوضح الأسد ذلك صراحةً في مقابلة له مع صحيفة الوطن السورية في 8/12/2016 عندما قال ” لا يمكن للبنان أن يكون بمنأى عن الحرائق التي تشتعل حوله ويتبنى سياسة اللاسياسة أو ما سميت بسياسة النأي بالنفس[4]“.

حظي المشهد السياسي في لبنان بمفاجأة من العيار الثقيل مع نهاية عام 2016م، وذلك بعد ترشيح سعد الحريري ميشال عون لرئاسة لبنان، فكيف اتفق حليف حزب الله مع حليف السعودية ولماذا؟.

شهد العالم مع بداية العام 2016م تحركات روسية تجاه الأزمة اليمنية تسعى إلى مقايضة الملف السوري بالملف اليمني، ورأى بعض المحللين أن هذه المقايضة لن تتم وأن من المستحيل أن تقبل الرياض بهذه المقايضة، لإدراكها أنه من دون إفشال مشروع إيران في سوريا، فإن أي تسوية في اليمن لن تغير الكثير في طبيعة النفوذ الإيراني في المنطقة[5].

إلا أن ما جرى في حلب لصالح النظام السوري، وما طرأ من تغيير على النظام السياسي اللبناني، يدفعنا باتجاه افتراض أن هناك طبخة سياسية جديدة في المنطقة، وأن السعودية سلمت بأن النظام السوري والأسد لن يسقطان، وأنها خاضت معركة خاسرة مع سوريا. وعليه قد نجد تغير في السياسة السعودية تقضي بالعودة خطوة إلى الوراء إلى حين. أو حتى القبول بمقايضة الملف السوري بالملف اليمني، الأمر الذي سيعطي أفضلية للنظام السوري وحلفاءه في الساحتين السورية واللبنانية.

من جانب آخر فإن تولي ترامب رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية سيقلب الدنيا رأساً على عقب بالنسبة إلى السعودية، وذلك أمر يمكن استخلاصه من تصريحات ترامب خلال حملته الانتخابية و التي كان يغلب عليها طابع الابتزاز العلني والتهديدات المبطنة للسعودية. و من أبرز ما جاء في تصريحاته حول السعودية قوله : ” أنه ينبغي على الدول التي تتمتع بحماية الولايات المتحدة أن تدفع ثمن هذه الحماية، حتى الدول التي تملك موارد ضخمة مثل السعودية” وفي تصريح آخر قوله ” “السبب الرئيسي لدعمنا للسعودية هو حاجتنا للنفط، ولكننا الآن لا نحتاج كثيرا إلى نفطهم، وبحال تغيّر الحكم بأمريكا فقد لا نحتاج نفطهم على الإطلاق ويمكننا ترك الآخرين يتصارعون حوله”[6].

المتغيرات الإقليمية والدولية الجارية تدفعنا بافتراض استنتاجي أن السعودية ستنقطع ذراعها في سوريا ولبنان وستكون الخاسر الأكبر من الجنون الترامبي. وفي النهاية يبدو أن بشار الأسد صدق حينما قال أن “حلب تحول الزمن إلى تاريخ”.

Print Friendly