نحو رؤية لحماية العربية والنهوض بالمشروع القومي في المستوى الشعبي

بقلم/ ناجح شاهين – اللغات العربية بقيادة الفصيحة تغطى أرجاء الوطن العربي بمساحته التي تناهز 13 مليون كم وسكانه الذين دخلوا المئة المليونية الرابعة،وهناك بالطبع الموارد التي لا نحتاج إلى ذكرها. ينقصنا عوامل الثقافة والسياسة على نحو جوهري، ونقتصر في حديثنا هذا على التفكير في الخروج من مشكلة التباين اللغوي بما له من تأثير حاسم على أمور مثل الثقافة الشعبية والفن المنطوق بأنواعه ذات التأثير الحاسم على الجمهور غير القارئ والقارئ على السواء.

كنت في وقت مضى قد طورت مقداراً من المعرفة بلهجات الخليج إلى حد أنني كنت أستطيع مشاهدة أعمال مثل “باي باي لندن” أو “الحيالة” للعملاق عبد الحسين عبد الرضا، لكنني مع مضي الوقت نسيت “اللغة”الخليجية، وهكذا ما عدت قادراً على مشاهدة أعمالهم الفنية. وقد طورت نتيجة عملي في اليمن مدة سنة مقدرة لا بأس بها على فهم “لغتهم” ولكنني عدت وفقدت الفتي بها.

للأسف لم يحدث في أي يوم أن تمكنت من الحديث ب “اللغات” المغربية وخصوصاً الجزائرية والصومالية والموريتانية. كما أنني لم أتمكن يوماً من فهمها. وأذكر أنني كنت أقص شعري أثناء دراستي في الولايات المتحدة عند شبان من المغرب العربي ويوماً سألتهم بالإنجليزية وهم يتحدثون معاً عن لغتهم فقالوا إنها العربية، فضحكت من أعماق قلبي وقلت لهم: “الحقيقة أنني لا أعرف العربية سامحوني.” فقال أحدهم ببراءة: “مع أنك تبدو عربياً.”

نريد الإشارة إلى واقعة كررنا القول فيها في الأشهر الأخيرة: التلميذ العربي هو الوحيد في مستوى الكون الذي لا يتعلم بلغته الأم وإنما بلغات أجنبية هي العربية الفصيحة أو الإنجليزية أو الفرنسية في الأعم الأغلب. وهذا يؤدي إلى ضعف تمثل العربي على نحو فريد للمفاهيم الدقيقة ذات الدلالات العميقة الملتبسة والتي تحتاج إلى إتقان تام للغة. غني عن القول إن أحداً في البلاد العربية لا يتقن أية لغة تستعمل في القراءة والكتابة بما في ذلك العربية الفصيحة.

لمواجهة هذه المشكلة نعتقد أن التصور التالي قد يصلح إطاراً للتفكير في “إصلاح” الوضع القائم:

€التعامل مع اللغة العربية الفصيحة بوصفها لغة ثانية نرغب عن تصميم وعي في تملكها بمقدار كبير يسمح بأن تقترب من مستوى اللغة الأم من حيث درجة حضورها في الاستخدام اليومي بحيث تنافس القاهرية في القاهرة والخليلية في الخليل والعدنية في عدن والصعيدية في الصعيد والبصرية في البصرة ….الخ

يتبع ذلك التركيز الواسع والكثيف على العربية الفصيحة في المدرسة بإعطائها في الصفوف الأولى خاصة مقداراً من الحصص يصل إلى خمس عشرة لقاء أسبوعياً على الأقل.

تدريس “اللغات” العربية الأخرى حيث يلزم: بمعنى أن نقوم بتدريس “لغة” الشام و”لغة” الجزيرة والعراق في المغرب العربي، ونقوم بتدريس لغات المغرب والجزيرة في الشام، وأخيراً ندرس لغات المغرب والشام في الجزيرة العربية. وقد أغفلنا المصرية في الحالات الثلاث لأننا نظن أنها تتمتع بدرجة من الانتشار المرضي في أرجاء الوطن العربي المختلفة، بفضل السينما والغناء المصري.

تحويل تدريس اللغات الأجنبية إلى مسارات اختيارية يختار فيها التلميذ، إن شاء، أية لغة أجنبية في حدود إمكانيات البلد وقدراته على توفير المدارس ويشمل الأمر أية لغة حية. ولعل من الواضح أن الفرنسية ستكون سيدة الموقف بلدان المغرب بينما تكون الإنجليزية هي الأولى في المشرق كله.

تقديم اللغات العربية المختلفة في الحيز العام وفي وسائل الإعلام المحلية بقدر الإمكان بحيث يمكن أن تصبح قريبة بما يكفي من وعي المواطن ونفسيته وثقافته.

نتوهم أن مثل هذا التوجه سوف ينتج عنه مواطنين يمتلكون العربية الفصيحة بدرجة قريبة جداً من مستوى تملك الآخرين للغاتهم الأم، وهو ما سينعكس فوراً وعلى نحو عميق على العملية التعلمية والعلمية تدريساً وبحثا. والأمر الثاني الذي لا يقل أهمية هو تقليص المسافات بين أبناء الأمة العربية نفسياً وثقافياً ولغوياً بما يسمح بولادة فكرة الأمة على نحو أشد ملموسية في المستوى الشعبي الذي لا غنى عنه لتأسيس الأمة ودولتها الواحدة.

Print Friendly