محمود درويش الشاعر والإنسان باق فينا كما الزيتون بأرض فلسطين

بقلم/ سمير دويكات

لم أعرف الشاعر الحي فينا المرحوم في جسده ونعشه، والباقي فينا كما هي أشجار الزيتون باقية في ارض فلسطين، ولم التقي به طوال حياتي وحياته في لحظتها، وكنا لم نعلم كم هو مؤثر في حياتنا ومعبر في كلمتاه وشعره، لقد كان جسرا يمتد من الخيال ومن الوحي الفكري إلى جذور فلسطين، فهو المرأة التي بانت فيها فلسطين، ودرويش شاعر قل نظرائه في عالم وعصر وزمان يقال عنه الكثير والفعل فيه قليل، ليس لدي كفلسطيني إلا أن افخر إلى حدود الشمس بالشاعر محمود درويش.
نعم، السبب في أننا لم نقرأ شعر درويش ولم نطرب عليه هو وجود الاحتلال، وخلو مناهجنا الدراسية حتى سنة ثماني وتسعون من شعره ومن محرابه، وكلماته وسطور قصائده وبيوتها التي لا تقل عن بيوت القدس ونابلس والخليل العتيقة. فكان أن أغاب الاحتلال وسياساته المجنونة اطلاعنا الكافي على شعر درويش، وكسلنا وعدم شغفنا بالقراءة أن نبادر لنقرا أحزان وأفراح والتاريخ والثورة والحياة وحب الأرض في شعر درويش وأدبه ونثره، انه اقل ما يقال عنه انه الاسم الأخر للأرض والكوكب الذي لن يغيب عن فلسطين، فأبياته التي أصبحت رمزا من رموز فلسطين لن تمحوها أي عوامل قد تطرأ على الحياة وسيبقى خالدا فينا.
لقد قرأت عن هذا الإنسان، فوجدت انه قد استقال من عضوية منظمة التحرير بسبب أوسلو، وهو ما زاد في حبه واحترامه، وسمعت منه في كتبه كم كان متواضعا وفقير المال، ولكنه غني العقل والاحترام، فاقشعر بدني عندما قرأت عنه في بعض في المجلات عندما كان في المنفى وليس له مصدر رزق أو دخل، فكيف كان بمنظمة التحرير أن تترك الفكر، وان تربى غيرهم، فثورتنا وعلى طول أزمانها ومواقفها لم تدم ولن تبقى إلا بالفكر الحر، كون أننا محتلين ونقدم الشهداء من اجل أن نحيى الحرية الحمراء دون ذل أو هوان من احد.
في ذكرى رحيله اليوم، وأنا وعلى خلاف عادتي لا امتدح ولا اكتب عن الراحلين، إنما أعيش فيما ورثوه بعدهم، وإنسان كما الشاعر محمود درويش يستحق أن يذكر ويبقى، وكنت قبل فترة وأنا احتسبه انه أيقونة وصورة فلسطين التي لا تطفئ، فكنت وما زلت أقول، فكيف بناء نتقاتل وننقسم، ومحمود خرج منا وأطلق عنان قصائده من رام الله وفلسطين وغزة وكل ربوعها في الجليل والناصرة، فكيف لكم أيها المنقسمون أن تخونوا درويش في جنانه وان يستمر ذلك، فلو كان درويش في بلاد أخرى، لكانوا صنعوا منه جسرا لعبور الحياة، فكيف نحن لم تستفد منه لحل انقسامنا، فهو الشجرة الباقية طول أزمان، ولن تموت أبدا.
وها أنا اكتب كما تعلمت منه بعضا من الشعر النثري العمودي في ذكراه:
درويش باق كما الزيتون
درويش باق كما الزيتون لا يفنى ولا يموت عطشا
ترويه كلمات عابرة خلف الزمان وبين الرمال فرشا
عادة تموت الأرواح، لكن هنا فقط مات الجسد بنعشا
فمن تَتَسللُ كلماته بين الشفاه؟ أبداً، انه حياً يرزق فرشا
فكل الكائنات مصيرها الموت إلا أن أنت ما زلت تسكن عشا
يبكيك وطن الحياة ونحن نفتقد فيك الحروف رعشا
يا رسول الأنبياء بأرض المسيح، الآن عرفناك حبشا
رحلت عنا وضاع بيننا الحب فأنت كنت لنقاط الكلمات نقشا
فأنا أكتب عنك ولا اعرف عنك سوى انك أنت رقشا
نعم، أضاعونا يا درويش وفي قبرك الآن تتألم طرشا
ليس لأنك لا تسمع، بل ربما لكي لا تسمع كأطرشا
السلام عليك، في محياك وسلام عليك أينما تكون عائشا

المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب ولا تمثل وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN
Print Friendly, PDF & Email