بريطانيا والغرق في الوحل السياسي

بقلم/ سمير عباهرة

كاتب سياسي

استبقت تريزا ماي رئيسة الحكومة البريطانية الذكرى المئوية لوعد بلفور وأعلنت امام البرلمان عن فخرها واعتزازها بدور بريطانيا في قيام دولة اسرائيل. موقف يعبر عن استمرار بريطانيا في سياستها المعادية للحقوق الوطنية الفلسطينية والاستمرار في انحيازها التام لإسرائيل والمباركة في احتلالها للأراضي الفلسطينية وتنكرها للحقوق الفلسطينية.ادعاءات بريطانيا وتظاهرها بتبني حل الدولتين لا يعدو كونه قشورا سياسية تهدف لإقناع الرأي العام العالمي المطالب بإنهاء الصراع على اساس حل الدولتين لكن هذا التظاهر لا يعدو اكثر من محاولة لاسترضاء المجتمع الدولي والجانب الفلسطيني من خلال مواقف وتصريحات نظرية فقط بعيدة عن جوانبها العملية. بريطانيا التي تتمتع بعضوية دائمة في مجلس الامن والمنوط به حماية الشعوب المقهورة والحفاظ على القانون الدولي هي من تنتهك هذه الخصوصية التي يمتلكها مجلس الامن وتعمل بخلاف المهام الموكلة للمجلس في حفظ الامن والسلم الدوليين من خلال دعمها المتواصل لإسرائيل.
في القرن الحادي والعشرين عصر سيادة الديمقراطية والتغني بها من قبل الغرب المنحاز لإسرائيل فان بريطانيا ترفض التراجع عن جريمتها باغتصاب ارض فلسطين وتقديمها هدية لإسرائيل بغير وجه حق لإقامة دولتهم عليها مع اصرارها على عدم الاعتذار عن وعد بلفور بمرور مئة عام على اصداره وزادت من استفزازاتها ونواياها لإقامة الاحتفالات بهذه المناسبة.
قرن مضى منذ صدور وعد بلفور لم تعمل بريطانيا خلال هذه المدة الزمنية على اذابة الفوارق بين ارثها الاستعماري وبين المفاهيم الديمقراطية الحديثة التي تنادي بحقوق الانسان ولم يكن الزمن كفيلا بإقناع بريطانيا بتبني مفاهيم ديمقراطية حديثة بل بقيت متشبثة بإرثها الاستعماري ودعم الاستعمار والاحتلال الاسرائيلي.
هذه هي مفاهيم الديمقراطية المزيفة ومفاهيم الحرية والعدالة وطغيان العولمة والليبرالية التي تطبع العصر الحالي المتجلي في السيادة العالمية للاحتكارات الرأسمالية والمتميزة بقوتها في اتجاه الغاء حقوق الشعوب.وعلى ما يبدو ان اصحاب ومنظرو الفكر الليبرالي الجديد قد عجزوا عن التكيف مع مفهوم حق الشعوب في تقرير مصيرها بل اصبح همهم التساوق مع الازمات الدولية الكبرى وإدارتها لتأمين استمراريتها عبر تجديد آليات فكرهم وكيفية اشتغاله. وهكذا هو حال بريطانيا التي ظلت سجينة توابثها وارثها الاستعماري وما رافق تلك الثوابت من مشاكل كبرى كظاهرة الاستعمار والحروب والعدوان على الشعوب المستضعفة.
اسرائيل التي تحتل ارض فلسطين وتستعمرها بمزيد من المستوطنات تلقى غطاءً من بعض الدول وفي مقدمتهم بريطانيا وهذا يعني اعطاء الضوء الاخضر لإسرائيل للاستمرار في القفز عن قرارات الشرعية الدولية ما دام هناك دولا في مجلس الامن توفر غطاءً شرعياً لاستمرار اسرائيل في انتهاك قواعد القانون الدولي في الوقت الذي تدعي فيه بريطانيا حرصها على تطبيق القانون الدولي والالتزام بقرارات الشرعية الدولية من ناحية وتغتصب حق الشعوب في الحرية والاستقلال من ناحية اخرى. سياسة الكيل بمكيالين
سياسة بريطانيا لم تتوقف عند هذا الحد من العداء للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بل انتقلت بها الى المحافل الدولية للدفاع عن ربيبتها اسرائيل. فقد استمرت بريطانيا وعلى طوال العقود الماضية في اتخاذ مواقف معادية للقضية الفلسطينية وغامضة تجاه الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ووقفت في اكثر من مرة ضد القضية الفلسطينية في المحافل الدولية وندا لكافة المحاولات بإعادة القضية الى دائرة الاهتمام الدولي وضد انضمام فلسطين للمؤسسات والهياكل الدولية حيث كانت دائما تصوت ضد المشروع الفلسطيني وكانت دائما تعمل على احباط اي مشروع يطرح من اجل حل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وحصول الفلسطينيين على حقوقهم كما حدث في مؤتمر باريس الذي عقد في الشهر الاول من هذا العام الذ عقد لأجل حل الصراع وفقا للقرارات الدولية ومبنيا على مبادرة حل الدولتين لكن بريطانيا وقفت ضد البيان الختامي وتحفظت عليه حيث تساوق موقف بريطانيا مع الموقف الاسرائيلي الرافض في الاساس لانعقاد مثل هذه المؤتمرات التي تفضح اسرائيل وتكشف حقيقة نواياها الاستعمارية والرافضة للسلام.
مبررات بريطانيا في سياساتها لم تكن مقنعة فهي لم تتدخل لإذابة الفوارق الذي فرضتها معادلة اختلال موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين ولم تلعب دورا متوازنا عندما تنصلت اسرائيل من استحقاقات السلام بل راحت تعمل على عرقلة أي تجمع او اجتماع يتعلق بالحق الفلسطيني ويطالب بتسوية المشكلة الفلسطينية.
مأساة الشعب الفلسطيني تتحملها بريطانيا بالدرجة الاولى وبدلا من ان تكفر عن ذنبها وتعمل على ازالة الاسباب التي لا زالت عالقة امام حل الصراع وحصول الفلسطينيين على حقوقهم اصرت على التمسك بمواقفها وإعطاء الاولوية لإرثها السياسي منذ اصدارها وعد بلفور رافضة الاعتذار عن جريمتها مما فتح المجال امام ازدياد التصلب الاسرائيلي تجاه عملية السلام،وبدا انه من الصعب على بريطانيا ان تنتقل من النقيض الى النقيض سيما عندما تكون هي المسئول الاول عن خلق الصراع واستمرار انحيازها لإسرائيل بل في استمرار تأييدها للاحتلال الاسرائيلي.

المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب وليس بالضرورة أن تعكس وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN
Print Friendly, PDF & Email