من صحافة الجدران إلى جدران التواصل الاجتماعي الإلكترونية

بقلم الإعلامي/ خالد الفقيه
لطالما بحث الإنسان منذ قديم الزمن عن مجال للتعبير منه وعليه على ما يختلج في داخله من قضايا متنوعة وكانت البدايات الأولى كما تدلل الإكتشافات المتوالية بالمنحوتات على جدران الكهوف والأهرامات والمباني التاريخية، وكانت هذه المنحوتات معروضة للعامة في كل زمن خطت فيه وبأشكال متعددة بغية إيصال رسائل وتوجيهات وتحذيرات يتفاعل معها المتلقون كل بطريقته، منذ خط الإنسان طلاسم وتعابير مختلفة على جدران الكهوف التي سكنها، أو على جدر المباني والصروح التي شيدها. وقد كانت البداية برسومات لمحيط حياته البدائية، بما تحويه من تفاصيل حياته الخاصة، أو الكائنات الحية الأخرى التي تعايش معها.
اللوحات التي أبدعها الإنسان أخذت بالتطور من حيث الأداء والوسائل حتى وصلت من جدران الكهوف إلى أعمدة الصحافة المكتوبة، ولاحقاً الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية، وتاجها كان وسائل التواصل الاجتماعي التي يغرق إنسان العصر الحالي في جعلها ساحته المتاحة للكتابة والقول والتعبير.
وقبل وصول عهد مواقع التواصل الاجتماعي إلينا إكتشفها الفلسطينيون سابقاً وأتقنوها وبالطبع تفننت بها شعوب أخرى كوسيلة تعبير في مقاومة الظلم والاحتلال بهدف التحريض والتوجيه والتحشيد فكانت صحافة الجدار “الشعارات” والتي نمت ونضجت إبان الإنتفاضة الأولى 1987، حيث جعل الثوار الفلسطينيين من الجدران ساحة إعلام لا غنى عنها في ظل تحكم الاحتلال الإسرائيلي بوسائل الإعلام العاملة في فلسطين من خلال رقابته المشددة ومنعه وصول نتاجات الصحافة الثورية من خارج الوطن، وتعددت الأشكال والألوان والرسومات والموضوعات التي التي حملتها جدران المنازل وأسوار الشوارع والساحات العامة تبعاً للفصيل السياسي الذي يخط شعاراته عليها أو المناسبة المستدعية لخط تلك الشعارات المكتوبة أو المرسومة.
وعليه يمكن القول بأن فيس بوك قد أخذ فكرة الجدار أو الحائط أو إستقاها من جدران الشعارات التي لجأت إليها الشعوب وحركات التغيير السياسي أو الاجتماعي تاريخياً وذلك ضمن نظرية الإستعارة والإلتقاء في الإعلام فوجدت طريقها من العالم الحقيقي الحسي الملموس إلى عالم الفضاء الإفتراضي الإلكتروني مع إضافة إمكانية التفاعل وتنشيط الحوار تجاه ما تتضمنه هذه الحوائط والجدران بالمعارضة والتأييد والتأكيد والنقل واللقص واللصق وإمكانية إضافة الصور الفوتوغرافية والمواد المرئية والتحكم بالألوان.
والملتقى بين شكل وظاهرة جدران الشعارات الميدانية وجدران مواقع التواصل الاجتماعي هو وجود الرقابة والتدخل ففي الحالة الأولى وعلى المستوى الفلسطيني كان الاحتلال يحرص على الزج بعملائه في الشوارع العامة لملاحقة كتبة الشعارات للقبض عليهم ومعاقبتهم أو يطاردهم بعد نصب الكمائن لهم بإطلاق النار عليهم أو زجهم في السجون والإعتداء عليهم، وفي أحوال أخرى يجبر المارة بعد إحتجازهم علة مسح الشعارات بالدهان وفي حالات بواسطة الطين وفي حالة مواقع التواصل الإجتماعي فإن الأمر يبدو مشابهاً فالشركات المشغلة لمواقع التواصل الاجتماعي ( فيس بوك، تويتر، يوتيوب،…) تلجأ لذات الوسائل القمعية من خلال الحظر وإغلاق الصفحات وربما أبعد من ذلك التعاون مع الأنظمة السياسية في تسليم ملفات ومعلومات عمن يخطون على جدرانهم الإفتراضية مواد قد تصنف أنها أمنية أو تحريضية.
فكما كان الجدار ساحة تعطي القدرة للقوى والأفراد على ممارسة الذات والتذوات أي إكتشاف الذات “أنا ذات” بالإعلام ما خلخل تدفق المعلومات بالنمط السابق وحرر الكاتب عليها من سطوة القوانين والنظم ومنح الذات الفردية والجماعية حضوراً فكرياً كان محجوباً وأعطى اللغة حضوراً أوسع للتعبير الحر فإن ساحات وجدران ومواقع التواصل الاجتماعي أعطت نفس النتيجة وأضافت عليها من السلبيات ما لا يحصى حيث هذدمت قواعد اللغة وحتى أسس التعليم الأكاديمي للإعلام كونها متاحة للجميع.
إنتشار ظاهرة صحافة الجدران كان له موجباته ومحدداته الزمانية كوسيلة لا بد منها للتواصل مع الجمهور الحاضن وكذلك كوسيلة لإيصال رسائل للعدو وبالتالي إستطاع تحقيق مشاركة القاعدة العريضة المرجوة كجهة متلقية للمرسلة الإعلامية، جدران مواقع التواصل الاجتماعي بالمقابل حققت ذات الغاية ولكنها كانت أكثر تفاعلاً بمنح الجمهور المتلقي وبغض النظر عن الجبهة التي يقف فيها الفرصة لمغادرة حالة التلقي إلى الإرسال وأحياناً الاشتباك وفي أقات لناقل أي أداة أذا ما قام بتناقل التعليقات من جدران وبين جدران العالم الإفتراضي.
لجوء القوى والمنتظمات الاجتماعية والسياسية للجدران وجعلها ساحةً إعلامية كان القصد منها تفعيل الممارسة السياسية والاجتماعية كأدوات تعبئة وتجييش وهو ما قامت به جدران العالم الإلكتروني لاحقاً بدءاً من المدونات وحتى رسائل الهاتف النقال (sms) وصولاً إلى فضاءات الفيس بوك وتويتر وغيرها كأدوات للخطاب الحر وكسر هيمنة وتحكم المنتظم السياسي بوسائل الإعلام التقليدية (التلفزيون، الإذاعة، والمطبوعات).
وصول الإعلام الجديد بشكله وعالمه الإفتراضي لم يأت وليد لحظته أو كنتاج منقطع عن شكله الأساس المتمثل بصحافة الجدران وإن إستطاع أن يبني لذاته هويةً خاصة مثل شدة إثارته وغناه بالمفارقات وإستنباطه لقيمه وتدفقه الهائل بأشكال ومضامين متعددة بصورة مرنة بعيداً عن كل الضوابط الأخلاقية والأيدولوجية على طريق تحقيق الذات وإعادة الاعتبار للجماعات والأفراد المهمشين وهي قيمة مستوحاة من شعارات الجدران.
المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة ان تعكس وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN
Print Friendly, PDF & Email