تمتين الوضع الداخلي في مواجهة ما هو قادم

بقلم/ منيب رشيد المصري
التجمع الوطني للشخصيات المستقلة

يمكن القول بأن خطوات إنهاء الانقسام، برعاية الشقيقة الكبرى جمهورية مصر العربية، قد بدأت ترجمتها بشكل فعلي على الأرض، ومن الواضح أنها ستستمر وصولا إلى توحيد كافة المؤسسات الفلسطينية وإعادة صياغة المشهد الفلسطيني من جديد على قاعدة الشراكة السياسية الكاملة بعد أن توصل الجميع إلى قناعة تامة بأن الخاسر الأكبر من الانقسام هو المشروع الوطني الفلسطيني، وبأن القادم على المنطقة بحاجة إلى برنامج عمل مُتفق عليه أساسه التمسك بالثوابت الوطنية والدفاع عنها، ومواجهة أية محاولة لتجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني تحت مسمى “صفقة القرن” التي لم تتضح تفاصيلها بعد.
ومهما كانت تفاصيل “صفقة القرن” الجاري الحديث عنها فنحن كفلسطينيين لا بد لنا وأن نعمل على حماية مشروعنا الوطني وصولا إلى الدولة المستقلة كاملة السيادة وفق قرارات الشرعية الدولية وهذا يتطلب منا إعادة النظر في كل ما هو قائم داخليا ليس من أجل جلد الذات ولكن بهدف تحسينه والارتقاء به وإعادة الحياة إلى مفردات العمل الفلسطيني الجماعي عبر ممثله الشرعي والوحيد منظمة التحرير الفلسطينية.
فبعد إحدى عشرة عاما من الانقسام البغيض وما خلفه من آثار تدميرية على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي فقد حان الوقت للكف عن التعامل بردات الفعل بل علينا الذهاب باتجاه العمل المُمأسس وإيجاد حاضنة فكرية تعمل على وضع الاستراتيجيات والسياسات والسيناريوهات التي من شانها مواجهة مخططات دولة الاحتلال بعد أن ثبت بشكل قطعي بأن هذه الدولة لا تريد سوى التوسع والهيمنة وهي غير معنية بالسلام الحقيقي لا مع الفلسطينيين ولا مع الدول العربية، وهدفها النهائي هو عقد “سلام إقليمي” يمكنها من تحقيق هدفها في السيطرة الفعلية على المنطقة الواقعة من النيل إلى الفرات.
والقول بأن هذا الهدف لدولة الاحتلال مجرد وهم هو قول خاضع للنقاش، لأن ما تم منذ وعد بلفور المشؤوم عام 1917 الذي دعا لإقامة “وطن قومي لليهود” على حساب تاريخ وجغرافية الشعب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي في هذه الأرض التي اسمها فلسطين، هو دلالة مهمة كيف تعمل هذه الدولة بشكل مخطط ومدروس على تحقيق أهدافها، بحيث استغلت اتفاقية سايس بيكو التي قسمت الهلال الخصيب إلى مناطق نفوذ لبريطانيا ولفرنسا للحصول على وعد بلفور والبدء فعليا بمباشرة ما أسس له مؤتمر بازل الصهيوني عام 1897، لإقامة “وطن قومي لليهود”. فالحركة الصهيونية كان وسيبقى هدفها النهائي هو تفريغ فلسطين من سكانها الأصليين، فقد بدأت منذ تأسيسها بالعمل على تشجيع الهجرة سواء بالترغيب أو بالترهيب، فعلى سبيل المثال كانت نسبة المسيحيين قبل العام 1948 قرابة 30% والآن لا تتجاوز 1%، وأن دولة الاحتلال ماضية في سياستها التفريغ، وهي ومن خلال خبرتي لا تريد السلام وإنما تستخدم هذا المصطلح لقضم المزيد من حقوق الشعب الفلسطيني.
فما حصل وما زال يحصل في عدد من الدول العربية من محاولات تفتيت رافقه دمار وقتل ساهمت به دولة الاحتلال بشكل مباشر أو غير مباشر عبر تغذيتها للصراع بطرق شتى، وما تروج له وتعمل عليه هذه الدولة من أفكار وحلول لهو خير دليل على العقلية الكولونيالية والالغائية التي تتعامل بها للوصول إلى “سلام” مفترض يتجاوز ليس فقط حقوق الشعب الفلسطيني بل أيضا يسعى إلى تجاوز طموحات وآمال الشعوب العربية بشكل عام وتسخير كل مقدرات هذه الشعوب لخدمة أهدافها، وإنها الآن وبعد ظهور ملامح لفشل مخططاتها في العراق وسوريا سوف تسعى إلى العمل بشكل أكبر لإثارة النعرات والحروب الداخلية في دول عربية أخرى.
فرفض دولة الاحتلال، لمبادرة السلام العربية عام 2002، وتجاوزها وتنكرها لاتفاق أوسلو وقبل ذلك كانت ترفض كل المشاريع الهادفة إلى إنهاء الصراع على أساس “حل الدولتين” رغم ما يلحقه من إجحاف بالحق التاريخي لنا كفلسطينيين ويعطينا فقط 22% من فلسطين التاريخية، وإمعانها في قتل هذا الحل وتجاوزه واضعة كل ثقلها في القضاء على إمكانية قيام دولة فلسطينية على حدود الرابع من حزيران للعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، من خلال إقامة المستوطنات التي تقطع أوصال الضفة الغربية، وفصل قطاع غزة وحصاره، وعزل مدينة القدس عن محيطها وسياسات التهويد والتهجير والمصادرة، هذا الرفض وهذا التنكر يؤكد شيء واحد هو أن دولة الاحتلال ماضية، وفي ظل ضعف الأداء الفلسطيني والعربي بشكل عام، في تحقيق مشروعها الاستعماري والحديث في ذات الوقت عن تجاوب البعض العربي مع هذا المشروع ظنا منهم بأن هذا التساوق مع مشروع دولة الاحتلال سيحمي أمنهم وسيحافظ على وجودهم، متناسين في ذات الوقت عقلية “الأغيار” التي تتعامل بها دولة الاحتلال مع كل ما هو عربي أو حتى مع كل ما هو خارج الفكر الصهيوني، وهذا الحديث عن تجاوب بعض العرب مع مشروع دولة الاحتلال يأتي في سياق خطة دولة الاحتلال في زرع الشك في نفوس وعقول العرب والعالم بشكل عام.
إن إعادة صياغة المشهد العربي والمشهد الفلسطيني على وجه الخصوص باتجاه تعزيز مكامن القوة الذاتية والعمل المشترك والمُنسق والذي يهدف إلى حماية الدول العربية منفردة ومجتمعة من التغلغل الاستعماري تحت مسميات جميلة هدفها السيطرة على المنطقة وتجير خيراتها لصالح دولة الاحتلال عن طريق تفتيت هذه الدول وإعادة إحياء الهويات الفرعية فيها بعيدا عن الهوية الجمعية بهدف تمرير فكرة “الدولة اليهودية”، حتما سيحمي ليس فقط المشروع الوطني الفلسطيني والأمن القومي العربي بل أيضا سيقضي على محاولات دولة الاحتلال التوسعية الاستعمارية وسيجبرها على القبول بالحل القائم على أساس إعادة الحقوق لأصحابها الشرعيين، وهنا لا بد من إعادة التأكيد على المبادرة الصينية التي أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ والمكونة من أربعة نقاط أساسية أهمها التمسك بثبات بمبدأ “الأرض مقابل السلام” وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة و”مبادرة السلام العربية”، فالصين كانت وستبقى صديقة الشعب الفلسطيني وللبلدان العربية ومناصرة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية في المحافل الدولية وليس لها أية أهداف استعمارية لا بل أطلقت مبادرة طريق الحرير التي تسعى إلى إرساء دعائم الأمن والسلم، من خلال بناء اقتصاديات مزدهرة تساعد في القضاء على الباطلة والفقر في المنطقة والإقليم بشكل عام.
سياسة تأزيم المنطقة والإقليم التي تعمل عليها دولة الاحتلال ودفع الأوضاع إلى ما هو أسوء في محاولة لإجبار الفلسطينيين أولا والعرب بشكل عام على القبول بما تفرضه دولة الاحتلال من حلول اعتقد بأنه لن يجدي نفعا، لأسباب عدة أهمها أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بأقل مما جاء في وثيقة إعلان الاستقلال عام 1988، فرغم النكبات والمجازر التي لحقت به منذ أكثر من مئة عام لا زال يقاوم ويقدم الغالي والنفيس من أجل استعادة حقوقه، ولن يرضى بأن تذهب دماء الشهداء ومعاناة الأسرى والجرحى هدرا، ولن يجد الاحتلال من يرضى بأقل مما قبل به الشهيد الرمز ياسر عرفات، فالصراع مع دولة الاحتلال سيبقى مفتوحا طالما بقيت حقوقنا مسلوبة، ولن ينعم الاحتلال بالأمن والسلام في ظل غياب سلام شامل أساسه حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وتحقيق حقوقه المشروعة وفق قرارات الشرعية الدولية.
لا أحد يمكن له أن يتنبأ بما هو قادم ولكن علينا الاستعداد من خلال تمتين جبهتنا الداخلية باستكمال خطوات إنهاء الانقسام والذهاب نحو انتخابات تشريعية ورئاسية، وإعادة تفعيل منظمة التحرير الفلسطينية وفق ما تم الاتفاق عليه عام 2005، والاتفاق على برنامج سياسي جامع وأيضا الاتفاق على أساليب وطرق مقاومة الاحتلال، وكذلك العمل وبشكل قوي على حث شعوب وحكومات العالم على دعم حركة مقاطعة دولة الاحتلال (BDS). قد تكون الطريق الصحيح نحو حماية المشروع الوطني التوجه نحو تجديد الشرعيات وإعادة إحياء روح العمل الجماعي والتخلص من المصالح الفئوية الضيقة، لأن فلسطين أكبر من الجميع، ولم يتبقى لدينا الوقت للخلاف والتناحر في ظل وجود احتلال هدفه النهائي القضاء على كل ما هو فلسطيني.
وأيضا وفي سبيل إعادة تفعيل العمل العربي المشترك، وفي سبيل الحفاظ على الأمن القومي العربي بشكل عام، وتلبية لطموحات الشعوب العربية لا بد وأن يكون هناك اجتماع طارئ لرؤساء وملوك الدول العربية جميعها تدعوا إليه جامعة الدول العربية في سبيل وضع إستراتيجية وسياسات واضحة للتعامل مع ما هو قادم، فما يلوح في الأفق من تقسيم المقسم واستهداف دول عربية أخرى في حروب وصراعات داخلية يستدعى الدعوة لهذا الاجتماع.

المقالة تعكس وجهة نظر الكاتب، وليس بالضرورة ان تعكس وجهة نظر شبكة فلسطين الاخبارية PNN

Print Friendly, PDF & Email